رحلات الملاح الصغير| الأصدقاء يعطون الصياد الكبير درسًا

رحلات الملاح الصغير| الأصدقاء يعطون الصياد الكبير درسًا
رحلات الملاح الصغير، قصص علمية للأطفال يكتبها الدكتور طارق فرج، أستاذ جغرافية البحار والمحيطات بجامعة حلوان

فى اليوم الرابع عَشْر، أي قبل نهاية زمن الرِحلة بيومين، وبعد أن قطعت السَفِينة المسافات الطوال في طريقها إلى مدينة بلطيم، لمحت لُؤْلُؤة على شاطيء إحدى الجزر الصغيرة صيادا يبدو حائرا حزينا فطلبت لُؤْلُؤة الذهاب إليه لمعرفة قصته!!

–    لُؤْلُؤة حزينة: لماذا تجلس أَيُّها الصَّيَّادُ البارع الكبير حيرانا حزينا هكذا؟

–    الصَّيَّادُ يائسا: والله يا لُؤْلُؤة، ما أنا بصياد بارع، ولا حتى كبير، فأنا لست إلا صيادًا فاشلًا صغيرًا…

–    المَلاَّحُ متعجبا: بل أنت كما تبدو أَيُّها الصياد رجل رشيد في سن الأربعَيْن، فَلِمَ تتهم نفسك بمثل هذا الاتهام الظالم؟

–    الصَّيَّادُ: إذا كنت أنا بالفعل صَيَّادا بارعا وكبيرا، أَيُّها المَلاَّحُ، فلماذا إذن لم اصطدْ حتى الآن من الأسماك ما يسد جوعي، وجوع أطفالى الصغار .

–    لُؤْلُؤة : ولِمَ العجلة إذن أَيُّها الصياد ، ربما لو انتظرت قليلا لاصطدت أَسماكًا كثيرة؟

–    الصَّيَّادُ: أنا هنا على شاطِئ الجَزِيرَة، منذ أيام طوال، وحتى الآن لم اصطدْ إلا  سَمَكة واحدة، كما ترين.

فأدرك المَلاَّحُ  أن وراء هذا الصَّيَّادُ البائس، حكاية كبيرة، فحاول أن يعرفها، فبدأ يستدرجه في الحديث. ..

–    المَلاَّحُ: كم عندك من الأولاد أَيُّها الصَّيَّادُ؟

–    الصَّيَّادُ: عندى من الأولاد خمسة، منهم الكبير، ومنهم الصغير  ..

–    المَلاَّحُ: هل لك إخوة أَيُّها الصَّيَّادُ؟

–    الصَّيَّادُ: نعم، أَيُّها المَلاَّحُ لدي من الإخوة خمسة، أنا أصغرهم سنا.

–    المَلاَّحُ: هل كنت بمثابة الطفل الأصغر المدلل أَيُّها الصياد، الذي عادة لا تقع عليه المهام الصعاب داخل الدار؟

–    الصياد: بالفعل أَيُّها المَلاَّحُ، فقد كنت ما يُطلق عليه “آخر العنقود”، فأنا طوال حياتي، أعتمد على الآخرين، وكان الجميع بذلك سعداء، هم، وأنا كذلك ..

–    المَلاَّحُ:  وماذا بعد أن كبرت واشتد عودك وصرت فى سن الأربعَيْن وصار لك أولاد صغار، هل نجحت حينها أَيُّها الصَّيَّادُ في الاعتماد على نفسك دون الآخرين؟ أم أنك ظللت تعتمد على الآخرين؟

–    الصَّيَّادُ حزينا: مع الأسف أَيُّها المَلاَّحُ، فقد كبر عمري، واشتد عودي، إلا أنه لم يشتد معهما قدرتي على تحمل المسؤليات وهموم الحَياة، فمع كل مشكلة، أترنح، وأكاد أسقط، وأتهاوى.. فقد رحل عنى معظم من كنت أعتمد عليهم من الأقربين ، ومن تبقى منهم انشغلوا بهمومهم، فهل يمكن لك أَيُّها المَلاَّحُ أن تمد يمد لى يد العون والمساعدة؟

–    المَلاَّحُ محدثا نفسه:  يبدوا أن هذا الصَّيَّادُ لا يريد بالفعل أن يعتمد على نَفْسِه، بل يريد أن يظل معتمدا على غيره، حتى بعد أن بلغ سن الأربعَيْن !

–    المَلاَّحُ مخاطبا الصياد: ولماذا لا تعتمد أنت على نفسك أَيُّها الصياد؟ ولماذا لا تجتهد في العمل أكثر وأكثر حتى يمكنك مساعدة نفسك بنفسك؟

–    الصياد حزينا: وماذا أفعل إذن أَيُّها المَلاَّحُ؟  فأنا هنا على الشاطيء منذ أيام أحاول اصطياد الأَسماك، لكن كما ترى.. بلا جدوى !

–    المَلاَّحُ: ولما لا تذهب معنا فى مياه البَحْر الغنية بالأَسماك فى بحيرة أدكو ، حيث تبيض الأَسماك وتكثر هناك، إلا أن الصَّيَّادُ تلكأ في الرد والجواب، وكاد أن يرفض دعوة المَلاَّحُ، فما كان من لُؤْلُؤة  إلا أن أغرته قائلة: إنها فرصة عظيمة لك أَيُّها الصَّيَّادُ، فنحن الآن في فصل الصيف، وهو موسم تكاثر الأَسماك وتفريخها هناك، فاركب معنا، فنحن سنتوقف طويلا قرب البحيرة.

وبالفعل قبل الصَّيَّادُ دعوة المَلاَّحُ ، وركب معه فى السَفِينة، فكيف لهذا الصَّيَّادُ إذا كان بالفعل جادا فى طلب العمل أن يرفض عرض كهذا، ومن أين وكيف يطعم أطفاله الصغار؟

وقبل أن يصعد الصَّيَّادُ برفقة المَلاَّح فوق السَفِينة، نظر الصَّيَّادُ أمامه فوجد مَحَارة البَحْر الطيبة قد خرجت من فتحة صغيرة داخل بيتها الزُجاجيّ، ثم اتجهت مسرعة بمفردها نحو شاطِئ البَحْر، فتعجب الصَّيَّادُ لحال المَحَارة ة الطيبة، واتجه صوب المَيْمُونُ وسأله قائلا: ماذا تفعل المَحَارة الطيبة أَيُّها المَيْمُونُ؟ فأجابه المَيْمُونُ: خرجت تبحث عن رزقها أَيُّها الصياد هناك بين رمال وصخور الشاطِئ .

–    الصَّيَّادُ: ولماذا لا تحضر لها الطعام أَيُّها المَيْمُونُ، أو حتى صَّدِيقك المَلاَّحُ، فهي ما زالت مَحَارة صغيرة رقيقة وضعيفة؟ ألا تخشى أن يهاجمها ويلتهمها أحد مُفْترِسيها الكبار، قبل أن تأكل هي فرائسها الصغار؟

–    المَيْمُونُ: مَحَارة البَحْر أَيُّها الصَّيَّادُ هي من طلبت ذلك، ورفضت أن يساعدها أحد في تحضير وتجهيز طعامها.

وبعد هنيهة عادت مَحَارة البَحْر مسرعة تجاه بيتها الزُجاجيّ، فسأل الصَّيَّادُ مَحَارة البَحْر الطيبة هذه المرة قائلاً لها: لماذا أيتها المَحَارة رفضت أن يساعدك الآخرين، وصممت على إحضار طعامك بنفسك، رغم الأهوال والأخطار؟ ألا تخشين على نفسك من مُفْترِسيك الكبا ر؟

–    المَحَارة: فعلت ذلك أَيُّها الصياد حتى أتعلم أن أعتمد على نفسي ، فماذا يفيدني إذا اعتمدت على الآخرين ؟ ثم مات هؤلاء الآخرون بعد ذلك، أو رفضوا إطعامي، لأي سبب من الأسباب، فمن يطعمني ويطعم صغاري من بعدي؟

وهنا أدرك الصَّيَّادُ الكَبيرُ رِسالة المَحَارة، وقال محدثًا نَفْسِه: إذا كان ذلك هو حال المَحَارة، صاحبة الستة أعوام ، فما بال حال الرجل الكَبير صاحب الأربعَيْن عاما؟

وما إن صعد الصَّيَّادُ إلى السَفِينة، وتحرك الجميع في اتجاه ساحل مدينة بلطيم، حتى بدأ المَلاَّحُ، يعطي التعليمات والتكليفات، ويوجه الجميع، بتنبيهات الإِبْحار.

فتعجب الصَّيَّادُ الكَبيرُ ثانية لأمر ذلك المَلاَّحُ، بعد أن تعجب في المرة الأولى لأمر مَحَارة البَحْر، وقال بينه وبين نَفْسِه: ما بال هذا المَلاَّحُ  صاحب الثمانية عَشْر عاما، كيف أمكنه بمفرده قيادة هذا السَفِينة الكبيرة ومن عليها من رفاق، وكيف أمكنه قطع مئات الكيلومترات وسط كل هذه الصعاب والأهوال؟

ثم تحدث بينه وبين نَفْسِه مرة ثالثة متسائلا: إذا كان هذا هو حال المَلاَّح  الصغير، فماذا يكون حال الرجل الكَبيرُ صاحب الأربعَيْن عاما، الذى لم يتمكن حتى الآن إلا من اصطياد تلك السَّمَكة الصغيرة؟

وبعد أن صارت السَفِينة في مياه بحيرة إدكو الغنية بالأَسماك، في محافظة البحيرة، ذهب الصَّيَّادُ مصطحبًا معه شبكته، وهو أكثر إصرارا وتصميما هذه المرة، على النجاح في اصطياد الأَسماك، حتى يثبت لنَفْسِه أولًا، قبل الآخرين، أنه يمكنه بالفعل، الاعتماد على نَفْسِه دون مساعدة أحد.

وبالفعل قام الصَّيَّادُ بإلقاء شبكته كالمعتاد فى مياه البَحْر، لعلها بالأَسماك الوفيرة تعود، لكن مع الأسف دون جدوى، فقد خابت الظنون والتوقعات، ففي كل مرة، تذهب الشبكة في مياه البَحْر فارغة، ثم تعود منها فارغة كما ذهبت أول مرة.

وفي هذه الأثناء، كان المَلاَّحُ  يراقب رَدَ فعل الصَّيَّاد، وتعمد ألا  يقدم له أي عون أو مساعدة ، فالمَلاَّحُ يعلم جيداً أن هذا الصَّيَّادُ، إذا لم يتعلم الدرس والصيد دون مساعدة فى هذا اليَوْم، فإنه لن يتعلم طوال حياته أن يفعل أي شيء على الإطلاق، وسيظل حتى يموت كما هو ذلك الطفل الصغير المدلل، الذي تعود الاعتماد على غيره، غير أن المَلاَّح لاحظ في نفس الوقت، تصميما قويا، ورغبة شديدة من قبل الصَّيَّادُ في النجاح، ففي كل مرة تعود إليه شبكته خاوية من الأَسماك، يصير في المرة التي تليها أكثر تحديا وإصررا، حتى ألقى الصَّيَّادُ شبكته أخيرا، فإذا بالشبكة تعود إليه ثانية وقد مُلِئَتْ بالخير الوفير صغير الأَسماك وكبيرها، فها هي أَسماك البلطي ، والقراميط ، والبوري، والطوبارة، والمبروك، والقاروص، والحنشان، وهي الأَسماك التى تشتهر بها بحيرة أدكو على وجه الخصوص، ثم قام الصَّيَّادُ بعد ذلك بإلقاء شبكته مرات ومرات، حتى صار لديه من الأَسماك ما يزيد ويفيض عن حاجته وحاجة الآخرين، وأدرك الصَّيَّادُ في هذه الأثناء أنه لابد دوما من المحاولة ثم المحاولة، فلا يأس مع الحَياة، وأن الفشل قد يكون بداية كل نجاح، وظل الصَّيَّادُ هكذا يصطاد الأَسماك حتى وصلت السَفِينة بنجاح إلى عزبة “جمسة” حيث طلب الصَّيَّادُ النزول إلى شاطِئ البَحْر، بعد أن شكر المَلاَّح والمَيْمُونُ ورَفِيقتهما مَحَارة البَحْر الطيبة، بل وقدم لهم العديد من الأَسماك، التي قد تكفيهم أياما وأياما.

وبعد أن غادرهم الصَّيَّادُ، نظرت لُؤْلُؤة لصَّدِيقها المَلاَّح ثم سألته: هل تعتقد يا صَّدِيقي أن هذا الصَّيَّادُ يمكنه منذ الآن الاعتماد على نَفْسِه، وليس على الآخرين، أم أنه سيعود كما كان في السابق؟

فأجابها المَلاَّحُ قائلا: ظني يا لُؤْلُؤة أن من ذاق طَعم النجاح بعد الفشل لن يستطيع التفريط في هذا النجاح بعد ذلك أبدا، وقد ذاق هذا الصَّيَّادُ طعم النجاح اليَوْم، ولن يستطيع أن يفرط فيه أبدًا بعد اليَوْم، وقبل أن تغادر السَفِينة بعيدا صوب مياه البَحْر العميق، طلب المَلاَّحُ من لُؤْلُؤة أن تنظر من بعيد صوب الشاطِئ ثانية، فإذ بها تجد الصَّيَّادَ راكبا على متن قارب جديد وصغير، اشتراه على ما يبدو، بعد أن باع سَمَكه الوفير، ليبدأ رِحلة صيد ناجحة من جديد، معتمدًا في ذلك على نَفْسِه، وليس على الآخرين، حتى ولو بلغ من العمر سن الأربعَيْن،  فسُرَ الرَّفِاق الأربعة، لأنهم  كانوا سببا في إسعاد ذلك الصياد اليائس الفقير، وفى نفس الوقت لم ينسوا هدفهم الرئيس في الوصول إلى مَملِكة المَرْجَان.

الوسوم