الوفاء بالعقود والعهود.. خطبة الجمعة في مساجد الأوقاف

الوفاء بالعقود والعهود.. خطبة الجمعة في مساجد الأوقاف الوعي وأثره في مواجهة التحديات.. خطبة الجمعة في مساجد الأوقاف

تأتي خطبة الجمعة الموحدة، التي أعلنتها وزارة الأوقاف، ظهر غد، الموافق 5 جمادي الأولي 1440هـ/ 11 يناير 2019م، لتتناول موضوع (الوفاء بالعقود والعهود وحرمة التلاعب بها أو التحايل عليها).

وتوضح خطبة الجمعة، المقررة بجميع مساجد الجمهورية والتابعة لوزارة الأوقاف، أن وفاء الإنسان بالعقود التي أبرمها والعهود التي قطعها علي نفسه، أدب رباني قويم، وخلق نبوي كريم، وسلوك إنساني مستقيم، دعا إليه الإسلام.

يقول جل شأنه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ) (سورة المائدة: من الآية 1).

ويقول تعالي في آية أخري: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) (سورة الإسراء: من الآية 34).

وتؤكد أن القرآن الكريم جعل الوفاء بالعقود والعهود أمارة وعلامة علي منزلتين عظيمتين من منازل الإيمان، ألا وهما: الصدق والتقوي، حيث يقول المولي عز وجل: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (سورة البقرة: من الآية 177).

وكما أمرنا الإسلام بالوفاء بالعقود والعهود، حذرنا من نقضها، ونهانا عن عدم الوفاء بها، أو التلاعب بأي منها، أو التحايل علي عدم القيام بالتزاماتها.، لما يترتب علي ذلك من خلل واضطراب مجتمعي، وضياع للحقوق، وفقدان الثقة بين أبناء المجتمع، وتعطيل لمسيرته ونهضته ورقيه، يقول الله تعالي: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) (سورة النحل: الآية 91).

ويقول سيدنا النبي محمد – صلي الله عليه وسلم –: (…. وَالمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا)  صحيح، ابن ماجة (2353).

وتشير الخطبة إلي أنه لا فرق بين الالتزامات الشخصية والعامة، بل إن الوفاء بالعقود تجاه المال العام ألزم واوجب، والاخلال به أشد جرمًا وإثمًا، لكثرة أصحاب الحقوق المتعلقة بها، كما أن الدين والأمانة والوطنية، كل ذلك، يدفع دفعًا إلي الوفاء بالعقود والعهود علي الوجه الأكمل الذي يرضي الله سبحانه وتعالي، فمن أبرم عقدًا وجب عليه أن يحترمه، ومن أعطي عهدًا وجب عليه أن يلتزم به.

وضرب لنا سيدنا محمد – صلي الله عليه وسلم – أروع الأمثلة بفعله وقوله في الوفاء بجميع صوره، فلم يغدر – صلي الله عليه وسلم – يومًا، ولم يخن، بل كان صلوات ربي وسلامه عليه، برًا وفيًا حتى مع أعدائه، ولا أدل علي ذلك من يوم بدر، حيث روى الإمام مسلم في صحيحه أن حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ قَالَ: مَا مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ بَدْرًا إِلاَّ أَنِّى خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِى – حُسَيْلٌ – قَالَ: فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ قَالُوا: إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا. فَقُلْنَا: مَا نُرِيدُهُ، مَا نُرِيدُ إِلاَّ الْمَدِينَة.َ فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَنَنْصَرِفَنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلاَ نُقَاتِلُ مَعَهُ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ فَقَالَ: (انْصَرِفَا نَفِى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ).

كما حذرنا النبي – صلي الله عليه وسلم – من عقوبة الغدر، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ  رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : (إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ ، فَقِيلَ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ) صحيح مسلم – كِتَاب الْجِهَاد وَالسِّيَرِ – بَاب تَحْرِيمِ الْغَدْرِ.

ونوهت الخطبة في جانب آخر منها أن العلماء فرقوا بين العهد والعقد، فقال بعضهم: العقد هو العهد المؤكد أو الموثق بالكتابة أو الأيمان.

وقال بعضهم: هو ما تعاقد عليه الناس، أي أنه صار عقد اتفاق بينهم، سواء اكان شفاهة أم كتابة، وعلي هذا قالوا: العق شريعة المتعاقدين.

كما تبين أن العقد الذي بين العامل وصاحب العمل سواء كان فرد أو مؤسسة أو دولة، يجب علي الطرفين الوفاء به، فالعامل يؤدي عمله علي النحو الذي تضمنه العقد زمنًا وأداءً، كمًا وكيفًا، دون تحايل علي العمل بأي صورة من صور التحايل، وفي المقابل يجب الوفاء بحقه.

وفي الحديث القدسي، يروى الإمام البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قَالَ اللّه: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِه أَجْرَهُ).

وتركز الخطبة علي أن عظمة الإسلام تتجلي وتظهر في أعلي صورها في ضرورة إعلام العدو بنبذ العد إذا بدا منه نقض للعهد أو إخلال به، يقول الله تعالي مخاطبًا نبيه: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ)(سورة الأنفال: الآية 58).

وتختتم الخطبة بالتأكيد علي أن نقض العهود وعدم الوفاء بها، علامة  من علامات النفاق، بينها لنا النبي– صلي الله عليه وسلم – وحذر منها أشد التحذير، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا ، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ) رواه البخاري ومسلم.

فما أحوج الإنسانية كلها أن تتخلق بخلق الوفاء بالعهد ليتحقق الخير للناس أجمعين، وعلينا أن ندرك قيمة الوفاء بالحقوق والالتزامات، وتحري الحلال والحرام، لأن ذلك شرط في قبول العمل عند الله عز وجل، كما أنه أساس في النهوض والارتقاء بالمجتمعات والدول والأمم.

 

 

الوسوم