العقاقير الحية.. علماء يقتلون السرطان بفيروس الإيدز المُعدّل

العقاقير الحية.. علماء يقتلون السرطان بفيروس الإيدز المُعدّل خلايا السرطان- صورة تحمل رخصة المشاع الإبداعي

الجهاز المناعي يحميك من أي غزو الخارجي، وعندما يدخل فيروس أو جرثومة أو فطر إلى جسمك، يستجيب جهازك المناعي بهجوم منسق، يقتل الغزاة فقط ويترك جسمك سليمًا، لكن يختلف الأمر مع مرض السرطان.

يمتلك الجهاز المناعي قوة استثنائية ضد الخلايا السرطانية، لكن المشكلة أن السرطان يصبح جزءًا من خلايا الجسم، لذا يتجاهل الجهاز المناعي تلك الخلايا المتمردة ويسمح لها بالانتشار دون توقف.

تكمن خطورة مرض السرطان في قدرته على خداع جهاز المناعة، كما لو أن الخلايا السرطانية قد فكرت بالأمر فعلا.. كيف سأهرب من الجهاز المناعي لأدمر هذا الشخص، وبعد أن تتحطم المناعات الطبيعية، تصبح العوامل الممرضة حرة لتحتل الجسم.

ومع ذلك فإن السرطان ليس النهاية، بل إنه قابل للعلاج والشفاء في معظم الحالات، وما زالت الأبحاث مستمرة للوصول إلى علاجات أسرع استهدافًا للمرض وأكثر أمانًا على الجسم، ومنها ما حقق نتائج مبهرة بالفعل.

دوج أولسن، البالغ من العمر 69 عامًا، عندما كان في سن الـ49 أصيب باللوكيميا الليمفاوية المزمنة (سرطان الدم الحاد) وكان ذلك عام 1996، في البداية شعر بالإرهاق، وعندما ذهب لإجراء الفحص كانت الصدمة، فقد كانت كريات الدم البيضاء أكثر بعشر مرات مما يجب أن تكون عليه.

خلال فيلم تسجيلي بثته قناة ناشيونال جيوجرافيك ضمن سلسلة “قصص العلم فى عالم متغير” في نوفمبر الماضي، يحكي دوج أولسن، عن تجربته مع السرطان، يقول: كان يجب استئصال العقدة الليفاوية وبالطبع هذا ما حدث، وبعدها انتظرت رأي طبيب التشريح الذي قال “على الأرجح ستكون بخير”، لكن عندما تفحص التحاليل تغير وجههه وقال “لن تكون الأخبار سارة”.

عندما تتحول الحياة لقصة قصيرة

ديفيد بورتر، طبيب في مركز أمراض السرطان بجامعة بنسلفانيا، هو الطبيب الذي تولى علاج دوج أوسن، ليخبره أنه مصاب باللوكيميا الليفاوية المزمنة، ما يعني أن عليه التعايش معه طوال حياته، لكن إنذار هذا المرض كان بين 6 إلى 15 سنة.

عندما يسمع المرضى كلمة “إن مرضًا ما ليس له علاج” حينها تصبح الحياة قصيرة جدًا في عقل وتفكير المرضى، وهذا هو الجزء الأصعب، خاصة إذا كان مرض معقد مثل سرطان الدم يعيش في نخاع العظم.

الهجوم الضاري الذي يوجهه سرطان الدم لنخاع العظام، تكمن في أنه يهاجم مركز تصنيع خلايا الدم والخلايا المناعية، ويمنع إنتاج الخلايا السليمة ما يضع الجهاز المناعي في مأزق حقيقي.

فى عدة حالات يمكن تدبرها بالعلاج الكيميائي، وفي الحالات الأكثر صعوبة، يمكن زرع العظم شديد الخطورة أن يخمد المرض، لكن إذا استمرت الخلايا تنتج الطفرات، في هذا الوقت يمكنها أن تصبح مقاومة وقاتلة في آن واحد.

جلسة العلاج الأكثر عنفًا

“جلسة العلاج الكيميائي الأولى لم تكن عنيفة إطلاقا، لم أفقد شعري، أخدت جرعتين وانخفض تعداد الخلايا الدموية لدي إلى الجرعة الطبيعية، ثم مرت خمس سنوات وحدثت انتكاسة عام 2006” هكذا يقول أولسن.

كان لدى أولسن طفرة في مرضه، وأصبح تقبله لعلاج السرطان أصعب، واستبدل العلاج بآخر كيميائي جديد أكثر عنفا، وعندما أخفق خلال عدة مرات، بدأت رحلة التفكير في زرع نخاع العظم، نصف نخاع عظمى كان سرطان بالمعنى الحرفي، وكان الأمر خطيرًا جدًا في تلك المرحلة

يقول ديفيد بورتر، مدير برنامج زرع الدم ونخاع العظم فى جامعة بنسلفينيا، “أعمل في هذا التخصص منذ أكثر من عشرين سنة، وأعتني بالكثير من مرضى سرطانات الدم، وتركز أبحاثي بشكل رئيس على برنامج زرع الدم ونخاع العظم والعلاج المناعي”.

بصيص أمل تقدمه الخلايا T

ويضيف “بورتر” هناك أنواع سرطانات مريعة، وهناك أوقات يكون العلاج فيها بلا فائدة، والمرضى يشعرون بالمرض بشكل أكبر قبل أن يستسلموا له ويموتون، وأسوأ شيء هو عندما لا يكون لديك أي خيار آخر لشخص ما، هذا هو الجزء الأكثر إحباطًا عندما لا نملك ما نقدمه.

يقول الدكتور كارل جون، متخصص بجامعة بنسلفينيا، لا أؤمن بنفاد الخيارات، وقد عملت لفترة على تطوير الخلايا T  في الجهاز المناعي، لتصد هجوم اللوكيميا، وأجريت التجربة على فئران.

وظيفة الخلية T  المناعية أن تقتل الخلايا المصابة قبل أن تسبب المزيد من الضرر، ونظريا يمكن للخلايا أن تكون قوية بشكل استثنائي ضد اللوكيميا، لكن المشكلة أن السرطان يصبح جزءًا من الجسم، فإن الجهاز المناعى يتجاهل تلك الخلايا ويسمح لها بالانتشار.

ويضيف: توصلت إلى أنني ربما أستطيع مساعدة المزيد من المرضى من خلال جهودى فى المختبر العلمي أكثر من رؤية المرضى كل مرة، وأقول الآن لعائلتي أنا طبيب الفئران.

العقافير الحية وفيروس نقص المناعة

عمل جون وفريقه ليجعلوا الجهاز المناعي يميز ويدمر كل الخلايا السرطانية فى الجسم، من خلال علاج يركز على تطوير الخلايا المناعية لدى المريض.

واستخدم فريق جون فيروس نقص المناعة  HIV المسبب لمرض الإيدز، بعد أن استبدلت شفرته الخبيثة بشفرة أخرى مفيدة لجعله غير إمراضي ولا يسبب الإيدز، ومع ذلك يحافظ على قدرته على  نقل الموروثات للخلايا المناعية، بحيث نستطيع إعادة استخدام هذا الفيرس في شيء جيد، عن طريق برمجة الخلايا المناعية للتعرف على الخلايا السرطانية وقتلها.

هذا التطور يحول خلايا T العادية إلى خلايا أخرى، أقوى وأكثر شراسة، وتلتصق بخليه السرطان إلى أن تقتلها، وتحتاج من عدة دقائق إلى ساعة لكى تتمكن من القضاء عليها، وعندما تعرف أن خلية السرطان ماتت تتخلى عنها وتبحث عن خلية سرطان أخرى، لذا تسمى “بالقاتل المتسلسل” وهكذا لأول مرة يكون لدينا عقاقير حية.

نجحت تلك التجربة على الفئران وكان عليهم تجربتها على الانسان، ولكن السرطان لدى الانسان أكثر تعقيدا بكثير من الفئران.

ويعود “ويلسون” المصاب بسرطان العظم ويقول: أقترح على الطبيب تجربة هذا العلاج الجديد، الذي كان بالنسبة إلي أفضل الحلول، إذ يستهدف الخلايا السرطانية تحديدًا بدون ضخ السم في الجسم كله لقتل السرطان، ما قد يدمر العديد من الخلايا السليمة، لذا وافقت، وخضعت لهذا العلاج.

علقت تلك الخلايا الجديدة بقطارة وريدية، وبعد أسبوعين بدأت المعاناة من الحمى، وهذا لأن العديد من الخلايا السرطانية كانت تموت.

هل يمكن تحصين البشر ضد السرطان؟

كانت الحرب مشتعلة في الجهاز المناعي للديفيد، المصاب بالسرطان، وبدأ الجهاز المناعي مدعومًا بالخلايا الجديدة يؤدي المهمة بإتقان، وخلال شهر تقريبًا عاد المصاب للفحص، ليخبره الطبيب المعالج: لم نعد نستطيع الحصول على أي خلايا سرطانية في أي مكان لا في نخاع عظمك ولا في دمك، لقد زال السرطان تمامًا.

“مازلت أملك الخلايا المحصنة، وفي حال عاد المرض ستميزه وتقتله، لقد هربت من الموت بأعجوبة، حتى الآن لا يمكنني استيعاب ما حدث” هكذا يقول ديفيد.

بنفس الطريقة تم علاج ثلاث حالات، من هذا النوع الخطير من اللوكيميا، كما نشرت نتائج التقرير الطبي، الذي وضع لهذا العلاج، في دورية The New England Journal of Medicine، وهى إحدى أكثر الدوريات أهمية واحترامًا، ومع ان هناك أناس بدأوا يدعمون تجارب الفريق الطبي، إلا أن الأبحاث مستمرة لتطوير ونشر هذا العلاج في العالم.


مصادر أخرى للمزيد:

Short-Course Antiretroviral Therapy in Primary HIV Infection

Chimeric Antigen Receptor–Modified T Cells in Chronic Lymphoid Leukemia

الوسوم