أخر الأخباربين الناسصحتكوجوه

فيديوجراف| في يوم الكبد العالمي.. “أحمد نصر” رئيس جمعية الفيروسات ورحلة كفاح ضد فيروس سي

في الرابع من يوليو الجاري، وعن عمر يناهز 68 عاما، رحل عن عالمنا الدكتور أحمد مدحت نصر الأستاذ بقسم طب المناطق الحارة والجهاز الهضمي بكلية الطب جامعة أسيوط، رئيس الجمعية المصرية للفيروسات الكبدية.

وفي ضيافة أسرة الطبيب الإنسان، الذي أسر قلب كل من تعامل معه، كانت رحلة الحديث عنه.

أحمد مدحت نصر

مصابيح المنزل خافتة رغم وهج الضوء المنبعث منها، ولكن يبدو أن الراحلين يأخذون معهم كل بريق. وبصوت يخرج بصعوبة إثر تزاحم الدموع مع كل حرف يُقال بدأت الدكتورة سهير محمد، أستاذ بقسم الباثولوجيا الإكلينيكة، زوجة الراحل حديثها عنه.

بداية الرحلة

تعود جذور الدكتور أحمد إلى محافظة القاهرة، وبحكم عمل والده كرئيس مجلس مدينة، كان يتنقل بين المحافظات ومنها الوجه القبلي، وبعد دخول أبنائه الجامعة استقر به المطاف في أسيوط.

وقد حصل على الثانوية العامة من جرجا بسوهاج، ثم التحق بكلية الطب جامعة أسيوط، وله شقيق وحيد أصغر منه طبيب أيضا، وبعد تخرجه أعجب رئيس قسم طب المناطق الحارة والجهاز الهضمي بعمله في العيادات الخارجية بالمستشفى، ولمس مدى تفوقه وذكائه فصمم على التحاقه بالقسم.

تميز

كان متميزا طوال رحلة دراسته، وظهر تميزه بعد تخرجه في فترة النيابة وكل حياته كانت عبارة عن عمل وبحث عن العلم فقط، وحينما كان يحضر مؤتمرات في القاهرة كان دائم النقاش وأسئلته مميزة، فلفت انتباه أحد الأطباء الأمريكان في أحد المؤتمرات فساعده في الحصول على منحة وسافر إلى أمريكا، وكان وقتها صغير السن، وفي السفر للبعثة كان التعليم نظريا ولكن هو كان ينزل ويكشف على المرضى بشكل عملي على عكس البقية وسمح له الأمريكان بذلك.

وحصل على الدكتوراة من أول مرة، وتم تعيينه رئيس قسم، وحصل على منصب رئيس قسم مرتين، وبدأ يقدم على مشروعات بحثية وكانت تُقبل، كما كان محبوبا بين زملائه ويرتقي مناصب أعلى بشكل أسرع، نظرا لتميزه وانضباطه، وداوم على تفوقه  حتى تم اختياره لرئاسة مركز الصعيد لفيروس سي من الجيزة حتى أسوان وكان المركز مسمى على اسمه.

الزواج

“اتقدملي وصليت صلاة استخارة وشوفت رؤية رائعة، وتزوجنا وبدأنا من الصفر وربنا فتح عليه الحمد لله”.. هكذا تحدثت الدكتورة سهير عن زواجها من الدكتور أحمد مدحت.

“أحسن ما يمكن أن يكون في بني آدم كده”.. هكذا رأته زوجته وكل من تعامل معه، لتُكمل حديثها: “أمانة ونزاهة في العمل، متسامح مع جميع الناس حتى مع من يضمرون له الحقد ويكيدون له وكان يرفض حتى الدعاء عليهم وقول حسبنا الله ونعم الوكيل، وكان يفوض كل أمره لله ويتعامل مع الجميع بصفاء نية وضمير.. كان دوما مع الله، وأهم ما تعلمته منه حسن معاملة الناس”.

كما أن منهجه في الحياة كان الدين المعاملة، “حتى مع اللي أذوه”، وكل من بالقسم كان يحبه جدا، ووقف مع كثيرين لم يستطيعوا الحصول على حقهم في التعيين، فظل يؤازرهم حتى التعيين، وكل حياته كانت سلسة وبسيطة ولم يكن يُقدم على أي خطوة إلا بعدما يستخير الله في صلاة الاستخارة، وكان محبا للناس حتى إنه كان يرفض أي أوراق تثبت حقه إن اقترض منه أحد مال.

الطلبة والمرضى

الطلبة كانوا في حياته كل شيء وكان يسعى لأن يمنحهم كل علمه، ولا يبخل عليهم بأي معلومة، وكان يدرج أسماء المتدربين على يده معه في الأبحاث ويؤازرهم في طريق ترقيهم ونجاحهم وكذلك مرضاه فكان يضعهم نصب عينيه.

وقد انغمس الدكتور أحمد في العمل بقوة ونذر حياته لعمله ولمن حوله وكل ذلك كان على حساب صحته، كما تؤكد زوجته، “كنا نرقب أسلوبه في التعامل ونسير على خطواته وهذا ما سار عليه أبنائه محمد وسلمي”.

وتستأنف زوجته حديثها الدامع بقولها، “كان يتحرى الدقة في كل معاملاته ويخشى حتى شبهة الحرام ودائما يقول أنا والدي مدخلش علينا قرش حرام”، وآخر شيء يفكر فيه هو المال، حتى إن مكافأة الإشراف على الأبحاث كان يرفض أخذ شيء منها، قائلا: “أنا عندي البحث للعلم بس مش عشان اتكسب منه”.

قد جاءته فرص عمل عديدة خارج مصر، ولكن في النهاية كان خياره الاستمرار في مصر، كما عُرض عليه أحد المشروعات من الخارج، حيث كانوا يبغون فيه الاستفادة من جينات المصريين من خلال عينات تستخدم في الأبحاث فرفضه على الفور، لأنه لا يضمن ماذا سيفعلون بها.

النهاية

في العام 2015، أصيب بالتهاب كبدي، ثم شُفي منه، ومنذ وقتها وهو يقول: “أنا اقتربت من الموت وظل هذا الإحساس مسيطرا عليه وبعدها تعرض أخوه لأزمة صحية شديدة فتأزمت حالته النفسية حزنا عليه، وبدأت حالته الصحية تتدهور شيئا فشيئا، ورغم ذلك ظل يداوم على الذهاب للعيادة حتى العام الماضي إلى أن وافته المنية ونفذ أمر الله”.

ومع نهاية حديث الزوجة، طرق الباب الإبن، وهو الدكتور محمد مدرس بقسم طب المناطق الحارة والجهاز الهضمي، عائدا من عيادته ليبدأ جلسة الحديث، قائلا: “كان إنسانا في قمة الطيبة حنون جدا، وكان بييجي على نفسه ووقته وصحته علشان خاطر المرضى”، وكان دائما يقول “الناس تعبانة ومستنياني وعايزة أي حد يساعدها”.

الدكتور محمد أحمد
الدكتور محمد أحمد

ويضيف الإين: “كان والدي يسعى للتخفيف على المرضى في كل شيء وحتى المتابعات كانت مجانية وكان يتابعهم أيضا بالتليفون تخفيفا على المرضى أصحاب الأماكن البعيدة وفي أوقات إجازته، حتى إنه كان يصمم أوراق توعية لأهالي القرى عن كيفية انتشار فيروس سي ويمنحها لزوار عيادته من أئمة مساجد ومثقفين، لتوزيعها على الناس كي يساهم في تقليل انشار المرض”.

يُكمل: “لم يكن يمكث معنا لوقت طويل لانشغاله الدائم وإرثنا الأكبر منه هو سمعته الطيبة، وحين دخلت القسم لم يميزني عن غيري بل على العكس كان يشد عليّ أكثر كي أتفوق، كان ودودا في التعامل مع الطلبة يحتضنهم كأب، وأكثر شيء أثر فيّ كان طريقة تعامله مع الناس فهذا هو الشيء الذي عمله لي دون أن يقوله”.

“نفسي أبقى زيه”.. كانت تلك هي أمنية الابن الشاب وما اختتم به حديثه.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى