بين الناستحقيقات

فيديو| معهد العلوم الحديثة يعيد تجربة ألمانيا في التعليم الفني

لم تعد الصناعة بشكلها التقليدي العامل الأبرز في بناء اقتصاديات الدول، بل أصبح الابتكار والتقدم التكنولوجي عاملا أساسيا في مسيرة تطور الصناعة، لمواكبة احتياجات السوق المفتوح، في ظل التطور التكنولوجي غير المسبوق الذي يشهده العالم، وهو الأمر الذي أكدت عليه الأمم المتحدة في الهدف التاسع من أهداف التنمية المستدامة 2030، الذي ينص على أن “الاستثمارات في الصناعة والبنية التحتية والابتكار تمثل عوامل حاسمة الأهمية للنمو الاقتصادي والتنمية…، ويعد التقدم التكنولوجي أساسي لإيجاد حلول دائمة للتحديات الاقتصادية والبيئية…، كما أن الاستثمار في البحث العلمي والابتكار، كلها طرق هامة لتعزيز التنمية المستدامة”.

وعند الحديث عن الصناعة، لا يمكن إهمال دور التعليم الفني، الذي وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي “بالسمو بالطالب الفني وبمنظومة التعليم الفني”، وهو ما يتم تحقيقه اليوم في المعهد الفني للعلوم الحديثة ، التابع لإشراف وزارة الصناعة ومصلحة الكفاءة الإنتاجية بمنطقة البيطاش، غربي الإسكندرية، الذي يؤهل طلابه ليكونوا مبتكرين في مجال التكنولوجيا والصناعات الدقيقة، محققين بذلك أهداف التنمية المستدامة التي تشارك “ولاد البلد” في تحقيقها وفق بروتوكول موقع مع الأمم المتحدة في 17 يونيو 2019.

المعهد الفني للعلوم الحديثة

كان العائق الأول أمام إدارة المعهد هو كيفية تغيير الصورة النمطية عن التعليم الفني، المعروف أنه لا يلتحق به إلا الطلاب الذين فشلوا في الحصول على مجموع يمكنهم من الدخول إلى الثانوي العام، والذين يسعون فقط للحصول على مجرد شهادة “دبلوم” فكان الحل في اختيار طلاب متفوقين، من الحاصلين في الإعدادية على مجموع يأهلهم للالتحاق بالثانوي.

محررة ولاد البلد داخل المعهد الفني للعلوم الحديثة مع هبة حجاج مسئول المعهد الفنى تصوير مصطفي حسن

وعن ذلك تقول هبة مراد حجاج، رئيس مجلس إدارة المعهد الفني للعلوم الحديثة والتكنولجيا، رئيسة مجلس إدارة الجمعية التعاونية للحاسبات والالكترونيات، إنه “منذ ظهور نتيجة الإعدادية وظهور تنسيق المرحلة الثالثة، نبدأ في استقبال الطلاب للمقابلات، التي تشمل الطالب وولي الأمر، لاختيار الطالب الذي يتميز بالأخلاق والقدرة العقلية التي تؤهله لاستيعاب المواد النظرية والعملية معا، خاصة أننا لدينا أقسام الالكترونيات، وكهرباء، وتكييف وتبريد، وحاسب ألي، وكل قسم يكون بحسب قدرات كل طالب وميوله.

وتؤكد حجاج أن الهدف من حضور الأب هو تغيير الفكرة السائدة لدى الجميع عن التعليم الفني وأنه “درجة ثالثة” مؤكدة أن البداية تكون بولي الأمر الذي يندهش من أمكانيات وقدرات المعهد منذ لحظة اختيار الطالب.

التأهيل لسوق العمل

وتشير رئيسة مجلس الإدارة إلى أن مدة الدراسة بالمعهد 3 سنوات دراسية يحصل بعدها الطالب على دبلوم فني من وزارة الصناعة ومصلحة الكفاءة الإنتاجية وتعادل شهادة التربية والتعليم ويكون وقتها قادرا علي مواجهة سوق العمل، مضيفة “الطلاب خلال سنوات الدراسة يكونوا مخترعين بالفعل وقدموا نماذج على ذلك”.

“أقوم بتدريب 50 طالبا علي أعمال دقيقة جدا، حيث إن الطالب يتعلم كافة الدوائر الإلكترونية والكهربائية وتركيبها بشكل دقيق، مع استخدام المواد الخطيرة مثل حمض “الهيدرويد وهو من أخطر أنواع الأحماض لكونه يأكل النحاس ونعمل علي دمج برامج المحاكاة والتدريب العملي، لذلك أقوم بتطوير ابتكارات الطلاب واختراعاتهم وتمويلها من خلال إدارة المعهد من أجل خروج إبداعاتهم”، تقول المهندسة بسمة عبد الحميد عياد، أستاذة الإلكترونيات والحاسب الألي بمعهد العلوم والتكنولوجيا.

طلاب التعليم الفنى تصوير- مصطفي حسن
المهندسة بسمة عبد الحميد عياد، أستاذ الإلكترونيات

“تشجيع الطلاب على الالتحاق بالتعليم الفني أسوة بدولة ألمانيا” إحدى أهداف المعهد، التي يشير إليها أيمن محمد حسين، مدرس عملي بقسم الكهرباء بالمعهد، لافتا إلى ضرورة الاهتمام بالتعليم الفني “لأننا نتعامل الآن في المصانع مع ماكينات معقدة تعمل بالكنترول فلا يمكن أن يعمل عليها عامل عادى بل لابد من فني مؤهل لنجاح المنظومة”.

“الطالب لدينا يخرج لسوق العمل ولديه خبرة في التركيبات الكهربائية والمحركات والمولدات بعكس الكهربائي العادي الذي لا يعلم قوانين الكهرباء لكنه يعمل بالخبرة، والفارق هنا أننا نقدم الجانبين النظري والعملي معا” يقول المهندس أحمد ذيدان، مدرس قسم الكهرباء الصناعية بالمعهد.

محراب صناعي

وفي محاولة لتوثيق نظام الدراسة والتدريب داخل المعهد، والتعرف على نتيجة هذه المنظومة الجديدة، التقى “اسكندراني” عددا من الطلاب الذين صمموا ابتكارات واختراعات بالفعل.

في صمت تام، وداخل إحدى قاعات الدراسة بالمعهد، كان الطلاب يجلسون أمام الأجهزة والماكينات التكنولوجية، مرتدين معطفا أبيض، أمامهم المعدات اليدوية وأوراق التخطيط، يقومون بدراسة وتعليم أصول الحرف المهنية، وكل منهم يدون ملاحظاته حول ابتكاره أو اختراعه في مجالات الإلكترونيات أو الكهرباء أو التكييف والتبريد، يعملون في صمت شديد، كما لو كانوا علماء في مختبراتهم، الأمر الذي يجعل صورتك الذهنية تتغير تماما عن مدارس التعليم الفني جراء هذا المشهد.

طلاب المعهد الفنى للعلوم الحديثة تصوير- مصطفي حسن

يقف الطالب بقسم الكهرباء محمد ماهر، 16 عاما، أمام لوحة كهربائية محاولا توصيل بعد الدوائر بحسب نظريات قوانين الكهرباء، وعند دخولنا يترك ما في يده، وهو يقول مبتسما “الغلطة بتكلف كتير” قبل أن يواصل الحديث..

يقول محمد، إنه طالب في الصف الأول بالمعهد الفني للعلوم الحديثة بالبيطاش، وحصل في الإعدادية علي مجموع يؤهله للثانوي العام حيث كان مجموعه 184.5 درجة، لكنه فضل الالتحاق بالمعهد لأنه منذ أن كان صغيرا كان يعشق اللعب بالأسلاك الكهربائية وابتكار توصيلات وإصلاح التالف منها، ما جعل المعهد أكثر مناسبة له.

تطوير المهارات

“هنا نتعلم كما كبيرا من المعلومات ونعمل على تطوير ابتكاراتنا” يضيف الطالب، مؤكدا أنهم في القسم قاموا بابتكار مكنسة كهربائية على شكل زجاجة كبيرة وبالفعل هي جاهزة للعمل والإنتاج، كما ابتكرنا خلاطا منزليا من البلاستيك يعمل بطاقة كهربائية أقل”.

محمد رمضان رشاد ، الطالب بالصف الأول بالمعهد الفني للعلوم الحديثة بقسم الإلكترونيات، هو الآخر عشق الكهرباء منذ نعومة أظافره، حتى لاحظ والديه ذلك، وشجعاه على الاتحاق بالمعهد، لاسيما وأنه يبتكر منذ صغره.

طلاب المعهد الفنى للعلوم الحديثة تصوير- مصطفي حسن

ويشير الطالب إلى أن الدراسة في المعهد طورت من إمكانياته كثيرا، وجعلته يبتكر فكرة تمنع حرق الأجهزة الكهربائية عند انقطاع التيار الكهربائي وحماية الأجهزة، مشيرا إلي أنه صمم محول كهربائي يحول الكهرباء  من 220 فولت إلي 12 فولت مع انقطاع التيار وعند عودة التيار الكهربائي تعود من 12 فولت وترتفع حتى220 فولت وهذا المحول يحفظ الأجهزة من التلف ويمكن إنتاجه، وسوف يوفر على الجميع الكثير من التكلفة المادية.

سوبر فني

بدلا من الالتحاق بالثانوي العام والتخرج والجلوس في طابور البطالة، قرر محمد عبد الحميد، الطالب بقسم التبريد والتكييف، 16 عاما، الالتحاق بالمعهد برغبته، لأن نظام التعليم به يعتمد علي القدرات العقلية غير العادية للطالب لاعتماده علي العمليات الحسابية والتطبيقية التي تحتاج عقل مفكر ومبدع، بعكس ما يظن الناس في أننا طلاب درجة ثانية لأننا لم ندرس ثانوي عام، فنحن التحقنا بالتعليم الفني حتى نصبح سوبر فني، وأيضا لنكمل دراستنا الجامعية، ونفيد المجتمع بدلا من الالتحاق بالثانوي العام واللحاق بطابور البطالة، وفق وصفه.

ويضيف عبد الحميد، أن أفضل ميزة للمعهد هي أننا أصبحنا مؤهلين لسوق العمل بعد ان درسنا كل النظريات والتطبيقات العملية لها.

أشرف محمد، 17 عاما، الطالب بالمعهد الفني قسم التبريد والتكييف، كان دافعه في الالتحاق بالمهعد الابتكار، الذي نشأ عليه منذ الصغر.

المهندس أحمد ذيدان، مدرس قسم الكهرباء الصناعية وسط طلابه تصوير -مصطفي حسن

يقول “كنت حاصلا علي مجموع  210 في الإعدادية وكان يؤهلني لدخول الثانوي العام بمنتهى السهولة، لكننى منذ صغري و أنا أحلم بأن أكون مخترعا ومبتكرا غير تقليدي، إذ كنت أعشق فك وتركيب الألعاب وإصلاحها ما كان يبهر أصدقائي وعائلتي، لذلك عرضت علي أسرتي الالتحاق بالمعهد ووافقوا”.

عصا المكفوفين

ابتكارات الطلاب لم تقف عند حد معين، فمحمد حسين عبد العزيز، 16 عاما، بالصف الأول بقسم الالكترونيات الصف الأول، قام باختراع تدويري لسماعة تليفون أرضي، وقام بتحويلها عن طريق سلك ومحول لكي تعمل علي الهاتف المحمول والحاسب الآلي من خلال “كابل يو أس بي”، كما ابتكر مع زميله جهازا حساسا يعمل في الشقق والمتاجر عن طريق الإنذار عند دخول غريب من خلال تطويره مع مدرسي القسم.

وهناك اختراع الإشارات الرقمية، التي ابتكرها محمد إبراهيم محمود، 16 عاما، بقسم الإلكترونيات، في يومين فقط، كما اخترع الطالب نور أشرف، بقسم الالكترونيات “عصا للمكفوفين” عن طريق إضافة “حساس” يعطيها إشارات تسهل لحاملها السير، وجاري تنفيذها مع الزملاء وإدارة المعهد والمدرسين، مختتما حديثه بقوله “أحلم بأن ينظر المسؤولين لنا باعتبارنا مخترعين صغار ومن الممكن أن نساهم في البحث العلمي للدولة ونفيدها، لأن لدينا عقلا وفكرا ولسنا تعليم درجة ثالثة كما يشاع”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى