أصل و فصلثقافة وتراث

“شَدّة” الغربال البلدي تتحدى الصيني.. محمد أحمد يكشف سر الصنعة

“السر في الشَدّة، عشان كده الغربال البلدي أفضل وبيعيش ويتصلح بعكس الصيني منظر بس”.. يقول محمد صانع الغرابيل بدشنا، وهو ينظر عبر فتحات الغربال في دكانه، ليرى من خلالها صورة من الماضي، حين كان يجلس بالقرب من جده في منزلهم البسيط بقرية الصبريات بدشنا وهو يصنع الغربال.

لم يكن “محمد” صاحب 16 سنة، الذي ورث مهمة صناعة الغرابيل عن أبيه وجده قد تجاوز الرابعة، ولكنه يذكر أن جده كان يسمح له أن يلهو بالقطع الخشبية وقطع السلك مقلدًا إياه في صنعته.

سوق الاربعاء بدشنا -تصوير خالد تقي
سوق الأربعاء بدشنا – تصوير: خالد تقي

سوق الأربعاء

يقول محمد أحمد، امتهن جدي صناعة الغربال منذ ما يقرب من 70 عاما، فكان يجلب الأخشاب ويرسلها إلى الورشة لتقطيعها، وفي المنزل يقوم بنقعها في الماء لتصبح طرية وسهلة التطويع، وبعدها يقوم بثنيها على شكل دائرة بأحجام ومقاسات مختلفة، وأخيرا يتم تثبيت قطعة السلك حسب نوعية الغربال بالاستخدام المطرقة والمسامير الرفيعة وتغلف الجوانب بقطع من المشمع لمنع التسرب.

ويلفت أحمد إلى أن جده على مدار سنوات حياته كان يقوم بعرض بضاعته في أسواق دشنا، وخصوصا سوق الأربعاء ببندر مدينة دشنا، لافتا إلى أن الأسواق الشعبية هي مكان مثالي لبيع الغربال البلدي حيث يتوافد المئات وربما الآلاف على مدار اليوم لشراء حاجياتهم التي لا تتاح إلا في الأسواق ومنها الغربال.

ويتابع أحمد “ورث والدي المهنة عن جدي واستمر في عرض بضاعته في سوق الأربعاء، وكنت أصحبه إلى السوق وأنا في سن السادسة وأساعده في بيع بضاعته، ومع الوقت بدأت يداي تتقن صناعة الغربال، وتحول لهو الطفولة إلى حرفة، وعندما بلغت سن العاشرة أتقنت صناعة جميع أنواع الغربال وبأحجامه المختلفة، وعهد إلى والدي بالذهاب إلى السوق منفردا بعد أن تقدم في السن وأصبح الأمر بالنسبة إليه مشقة وتعب”.

العياش والسلك من اشهر انواع الغربال -تصوير خالد تقي
العياش والسلك من اشهر انواع الغربال – تصوير: خالد تقي

أنواع الغربال

يشير أحمد إلى أن الغرابيل أنواع متعددة ولكل منها غرض مختلف، وأقدمها يسمى “الغربال العياش”، وهو المستخدم لنخل الدقيق، ويكون مصنوعا من مادة النايلون وينقسم إلى ثلاثة أصناف وهي:

الغربال المانع: ويكون من النايلون الدقيق الفتحات، بحيث لا يسمح بوجود ردة في الدقيق.

الغربال الهرار: وتكون فتحاته أوسع قليلا بحيث يسمح باختلاط القليل من الردة مع الدقيق.

الغربال الفارط: وتكون فتحاته واسعة بقدر يسمح بنزول كل الردة مع الدقيق المنخول.

أما عن ثاني أنواع الغرابيل، بحسب أحمد، فهو “غربال الغلة”، ويصنع من السلك المتفاوت في ضيق فتحاته حسب نوع الغلة وحجمها ونوعية الشوائب بها، فمثلا هناك غربال مخصص للقمح  والشعير وآخر للسمسم، وثالث أنواع الغربال هو “غربال الرمل” وهو من السلك الواسع الفتحات، والذي يستخدم في عمليات البناء لنخل الرمال والزل.

مرحل تصنيع الغربال - تصوير خالد تقي
مراحل تصنيع الغربال – تصوير: خالد تقي

تطور

ويوضح أحمد أن طريقة صنع الغربال لم تختلف حاليًا عن أيام جده فما زالت تعتمد على الصنعة اليدوية في تجميع أجزاء الغربال، وبنفس الأدوات البسيطة المطرقة والسندان والكماشة والمقص الحديدي، والتطور الوحيد الذي شابها هو استخدام آلة ميكانيكية تقوم بعملية ثني الخشب لعمل الشاسيه الخشبي ، ملمحا إلى أن جده ووالده كانا يقومان بذلك يدويا وكان الأمر يستغرق بضع دقائق أما حاليا فلا يطول الأمر عن بضع ثوان ليكون الجسم الدائري جاهزا ليصبح غربالا.

ويتعجب أحمد من أسعار الغربال أيام جده، التي كانت تتراوح ما بين جنيه و10 جنيهات، أما حاليا فان أرخص غربال بسعر 10 جنيهات، بينما أغلاها يصل إلى 30 جنيها.

السر في الشّدة

ويعتقد أحمد أن الغربال البلدي لن ينقرض أبدا لأنه يدخل في مجالات متعددة، فهو أداة دائمة في كل منزل لنخل الدقيق، وفي الحقول يحتاجه المزارع لنخل البذور والغلة، ولا غنى عنه أبدا في عملية نخل مواد البناء من رمل وزلط وأسمنت، موضحا أنه رغم ظهور أنواع جديدة من “الغربال الصيني”، تمتاز بأنها جذابة الشكل؛ إلا أنها ليست في جودة ودقة الغربال البلدي، كما أن سعرها مرتفع جدا ويصل أحيانا إلى 150 جنيها.

ويؤكد الشاب أن السر في الغربال هو “الشَدّة”، كما يقول المثل الشعبي “الغربال الجديد له شدة”، فإذا كانت الصنعة جيدة يبقى الغربال لفترة طويلة مشدودًا وصالحًا لعمليات النخل، كما أنه في حالة الغربال اليدوي يمكن شده إذا ارتخى، أما الغربال الحديث فيتلف تماما ولا يصلح للاستخدام، ويعلق أحمد قائلا “الصيني منظر بس”.

وحفاظا على مهنة جده ووالده، يسعى صانع الغرابيل إلى التطوير المستمر في الأدوات وطرق التصنيع، للحفاظ على سمعة الغربال البلدي في الأسواق ومواجهة صور المنافسة من قبل الأنواع الحديثة.

محمد احمد بدشنا :الغربال البلدي لن ينقرض- تصوير خالد تقي
محمد احمد بدشنا :الغربال البلدي لن ينقرض- تصوير خالد تقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى