اخر الأخبارتقارير

خاص| حادث “معدية البحيرة”.. القصة من الجانب الآخر للنهر

على بعد مترات من انقلاب عبارة البحيرة، يقف أحدهم يقلب كفيه، بينما يردد آخر على مقربة منه “مركب بالكتير يشيل 15، هايستحمل 25 واحد ازاي”.

صباح أمس الأحد، انتشلت قوات الإنقاذ النهري 5 جثث لغرقى، و18 مصابًا، في حادث انقلاب معدية “كوم شريك” بالبحيرة.

الضحايا جميعًا، من العمال والمزارعين، الذين قضوا أعمارهم جيئة وذهابا بين محافظتي البحيرة والمنوفية، هذه المسافة التي لا تتعدى كيلومترات، إذ لا يفصل بين المحافظتين إلا ترعة رشيد التي ابتلعت 5 أشخاص بينهم امرأة حامل وعامل زراعي أبكم أصم.

ألقى أهالي قرية كوم شريك بمركز كوم حمادة التابع لمحافظة البحيرة، اللوم على مالك القارب الذي غرق صبيحة يوم أمس الأحد.

أسامة جمال، أحد الأهالي، الذي تملكه الغيظ، يتساءل: حمولة القارب تسع ما بين 10 إلى 15 شخص، كيف له أن ينقل 25 شخصًا دفعة واحدة، دون اكتراث بأرواح المساكين؟

يتابع أنها ليست المرة الأولى التي لم يلتزم فيها صاحب القارب بالحمولة القانونية، وظل يخالفها لسنوات عدة، دون أن يستمع لنصائح أو تحذيرات.

يقول جمال إنه وأبناء قرية كوم شريك فوجئوا بتلك الفاجعة، بين الثامنة والثامنة والنصف صباحًا أثناء ذهابهم لأعمالهم، فاستقلوا قارب صغير وقفز الصيادون إلى المياه لإنقاذ الضحايا، في الوقت الذي غابت أرواح 5 غرقى في المياه على عمق 14 مترا.

لن يتمكن جمال بعد اليوم من رؤية الوجوه التي اعتادت عيناه أن يكونوا أول من تقعا عليهم كل صباح، فبحسب قوله، يأتي نفس الأشخاص ويرحلون من أمام عمله في المقهى المطل على المعدية يوميًا بين قرية بشتامي بمحافظة المنوفية، التي يعانيها أهلها من صغر مساحتها وانعدام فرص العمل بها، وقرية كوم شريك ونجوعها ونواحيها بالبحيرة، حتى أصبحت مألوفة، بل وخلقت بينهم عشرة دامت لسنوات.

ترعة رشيد بقرية كوم شريك تصوير/ مصطفى حسن
ترعة رشيد بقرية كوم شريك تصوير/ مصطفى حسن

كرم أحد ضحايا القارب الغارق، رجل عاش طيلة سنوات عمره التي قاربت على الخمسين، لم يكلم أحدًا ولا يسمع صوتًا، حُرم من الكلام والسمع، ولكن، بحسب جمال، لم يعجزه ذلك عن الذهاب للمحافظة المجاورة يوميًا سعيًا وراء رزقه.

“غرق وهو ينظر إلى أقرب مسافة للشاطئ، يمد يديه ويصدر أصواتًا من فمه يرجو أن يغيثه أحد، ولكن لحظات قليله وابتلعه البحر”، هكذا يروي شهود العيان.

أم حملت لبضعة أشهر وانتظرت أن تضع وليدها دون أن تدري أن الموت ينتظرهما معًا، يقول جمال إن من بين الغرقى ثلاث سيدات إحداهن حامل، مشيرا إلى أن الأطفال الذين استقلوا القارب فإنهم لم يخرجوا للتنزه، بل لكسب رزقهم.

ويضيف جمال أن القارب هو الوسيلة الوحيدة للانتقال بين ضفتي الترعة، وأقرب معدية “أم سعاد” تقع على مسافة 25 كيلو متر، وأخرى على الجانب الآخر على مسافة 20 كيلو متر، وسيكون من المستحيل عليهم قطع تلك المسافة يوميًا، مطالبًا بإنشاء كوبري للمشاه يمر من خلاله الأهالي “لأن اللي بيحصل دا حرام ولا يرضي أحد” على حد قوله.

على مدار ثلاثين عامًا، اعتاد سليمان كمال، صاحب المقهى المطل على المعدية، استقبال التحية من هؤلاء الذين يستقلون المعدية، يقول إنهم كانوا يعملون من أجل مائة جنيه يطعمون بها أبناءهم.

وعقب 15 دقيقة تقريبًا من وقوع الحادث، كان سليمان على موعد بصرخات الأهالي المتجمهرين على ضفتي الترعة، واصفًا المشهد بأنه “كان مريعًا”.

بحسب سليمان، فقد تمكن الأهالي من انتشال جثث الغارقين في غضون نصف ساعة فقط، ثم وصلت الشرطة في التاسعة صباحًا، وخلال ساعتين كان جميع الضحايا والمصابين خارج المياه.

ويقدر صبحي محمد حشيش، من أهالي كوم شريك، عدد المارة عبر المعدية بـ 80 شخصًا يوميًا، ويأمل أن تنفذ الحكومة وعدها الذي قطعته قبل 15 سنة بإنشاء كوبري أعلى الترعة، موضحًا أن الجانب الآخر منها يشهد سنويًا غرقى ومصابين، خاصة خلال الاحتفالات بشم النسيم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى