بيئةحوارات

“الموت المنظم للخلايا”.. كيف يقاوم جسمك خلايا السرطان؟

ينشأ السرطان نتيجة تحول الخلايا العادية إلى أخرى ورمية، في عملية متعددة المراحل، هذه التغيّرات هي في الواقع ناجمة عن التفاعل بين عوامل الفرد الجينية، وعوامل أخرى بيئية.

ويعد السرطان ثاني سبب للوفاة في العالم، بحسب تقرير منظمة الصحة العالمية عام 2015، إذ حصد نحو 8.8 مليون نسمة حول العالم، ويتسبب في وفاة واحدة من بين 6 وفيات عالميا.

وطبقا لتقرير منظمة الصحة العالمية، فإن سرطان الثدي يأتي ترتيبه الخامس بين بقية أنواع السرطانات المسببة للوفاة في العالم، بعد سرطان الرئة والمعدة والكبد والقولون.

وفي تقرير آخر للمعهد القومي المصري للأورام في العام، فإن 13.15% من النساء معرضات للإصابة بهذا المرض.

“ولاد البلد” التقت الدكتورة نورا ناصف، الطبيبة المتخصص بشعبة الوراثة البشرية وأبحاث الجينوم، بالمركز القومي للبحوث، وطرحنا عليها عدة أسئلة، حول دراستها التي تناولت الموت النظم لخلايا السرطان.

إذًا ما هو السرطان؟

تعريفا للسرطان بأنه مجموعة من الأمراض التي تتميز خلاياها بالعدائية، وهو النمو والانقسام الخلوي غير المحدود.

تستطيع هذه الخلايا المنقسمة غزو  الأنسجة المجاورة وتدميرها، والانتقال إلى أنسجة بعيدة، في عملية نطلق عليها اسم “النقلية”، وهذه هي صفات الورم الخبيث، على عكس الورم الحميد، الذي يتميز بنمو محدود وعدم القدرة على الغزو، وليس له القدرة على الانتقال أو النقلية.

لكن مع الأسف، يمكن أن يتطور الورم الحميد إلى سرطان خبيث في بعض الأحيان، فالسرطان هو نمو الخلايا وانتشارها بشكل لا يمكن التحكّم فيه.

وقد يتمكن هذا المرض من إصابة كل أعضاء الجسم تقريبا، وغالبا ما تغزو الخلايا المتنامية الأنسجة التي تحيط بها، ويمكنها أن تتسبّب في نقائل تظهر في مواضع أخرى بعيدة عن الموضع المصاب.

المفاجأة أن مثل هذه الخلايا المجنونة تنشأ في الجسم على مدار اليوم، لكن لحسن الحظ، يمتلك الجسم خطوط دفاعية، تمكنه من السيطرة على تلك الخلايا غير المرغوب فيها، المصابة بجنون العدائية، ويتخلص منها.

 لماذا يظهر السرطان؟

تتابع أن جسم الإنسان يجري عملية طبيعية، يطلق عليها “عملية الموت المنظم للخلايا”، هذه العملية هي المسؤولة عن تخليص الجسم من الخلايا غير المرغوب فيها، التي تسبب مشكلات مثل الخلايا القديمة أو غير السليمة فى النمو أو الوظيفة، وهذه العملية تقوم بدور عاملات النظافة فى الجسم.

كما أن أحد أسباب ظهور السرطان، فقد الجسم لأحد مقومات هذه العملية الحيوية المهمة، لأنه يفقد القدرة على التخلص من الخلايا الضارة غير المرغوب فيها، وهناك أدوية كثيرة مصنعة لعلاج السرطان، تقوم بالأساس على فكرة تحسين هذه العملية، ليتخلص الجسم من الخلايا بنفسه.

كيف ينظم الجسم هذه العملية الدفاعية؟

ببساطة، يقع على مسؤولية البروتينات والجينات تنظيم هذه العملية الدفاعية، إذ فيما بينها بطريقة الدومينو.

وبشكل عام، فإن جميع العمليات الحيوية في الجسم، تأخذ استراتيجية الدومينو طريقا لعملها، فهي منظومة أكثر تنظيما من غيرها، وفي كل مرحلة يعتمد البروتين على البروتين الذي يليه، في سلسة دائمة الحركة، وغير منتهية.

لكن إذا توقف أي عضو أو ركن أو ركيزة في هذه العملية، فإن ذلك يتسبب في توقف أو وقوع باقي حبات الدومينو، في هذه الحالة ينبغي أن نعرف أين القطعة غير السليمة، لنعمل على تخطيها أو استبدالها، لتعود العملية إلى الدوران مرة أخرى.

هل هناك بروتينات بعينها يعتمد عليها الجسم في عمليته تلك؟

من البروتينات المتحكمة في عملية الموت المنظم للخلايا فى الجسم عائلة بى سي إل2، فهي تعد مركز عملية الموت المنظم للخلايا في جسم الإنسان، إذ تنقسم إلى كتيبتين يتناوبان العمل فيما بينهما، بنظام دقيق.

الكتيبة الأولى تعمل مثل “الفرامل” لتكبح جماح هذه العملية، لأن زيادتها عن الحد المطلوب يعني أن يهاجم الجسم خلاياها من دون تفريق، أما الكتيبة الثانية تعمل مثل “دواسة البنزين” في السيارة، فهي تحسن هذه العملية، ويعتبر جينيّ: الباك والباكس، من الجينات الناتجة عن بروتيني يسميان باسمهما، ويطلقا هذه العملية.

ما هي الأسباب التي تؤدي إلى توحش المرض؟

وقد أجرينا دراسة عن جينى الباك والباكس، كأحد الأسباب المؤثرة على حدوث المرض بل وعلاجه، وشملت الدراسة 23 حالة إناث متوسط
أعمارهمن 52، وأُخذت عينات خلايا مصابة بسرطان الثدى وخلايا سليمة من نفس الحالات.

توصلنا من خلال هذه الدراسة إلى أن التغير في التعبير الجيني للباك والباكس، كان مصاحبا للخلايا السرطانية عنه في الخلايا السليمة، بل إنه في سرطان الثدي المنتشر، كان التعبير الجينى للباك موجود بشكل ملحوظ.

بالإضافة إلى أننا وجدنا أكثر من بدائل تعبيرية لجين الباكس، التي ينتج عنها بالتبعية أشكال مختلفة لبروتين الباكس، ففي الطبيعي ينتج الجسم بروتين باكس ألفا، الكامل النمو، والفعال، ولكنه أيضا ينتج عددا من المثائل غير سليمة التركيب، والتي لا تؤدي وظيفة البروتين، أي أنها غير ناضج.

تتسبب هذه البروتينات غير سليمة التركيب، في أمرين: إما عدم كفاءة العملية المنظمة في الخلايا، وإما توقفها تماما، وكانت من هذه النظائر التي اكتشفت في الخلايا، هي نظير دي ودلتا وزيتا، وجميعهم نظائر غير فعالة، وكانت نسبة وجودهم في الخلايا السرطانية أكبر من نسبة وجود نظير ألفا الفعال، وهذا، ما قد يوضح أسباب حدوث المرض في تلك الحالات.

البحث في عملية الموت المنظم للخلايا ليس مهما فقط، لتحديد سبب ظهور المرض وإمكانية تلاشي حدوثه من الأساس ، والتشخيص المبكر لسرطان الثدي، ما يساعد على السيطرة السريعة على المرض قبل انتشاره، لكن أيضا يساعد على الاختيار الأفضل للعلاج المناسب، واكتشاف علاج أفضل للمرض.

ولهذا فإننا نوصىي بتفعيل فكرة تحليل الجينات المؤثرة على عملية الموت المنظم للخلايا، كإجراء روتيني قبل بدء العلاج، لضمان فعاليته أكثر، وعدم تراكم كيماويات قد يكون ضررها أكثر من نفعها،  كما نوصي أن جميع جينات عملية الموت المنظم للخلايا، تعد من دلائل الأورام التي يجب البحث عنها للكشف عن المرض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى