بيئةتحقيقات

استنزاف الثروة السمكية.. مساحات صيد واسعة وإنتاج ضئيل

رغم تميز مصر بموقع يفتح لها فرصا كبيرة لزيادة الإنتاج السمكي، إلا أن نصيب الفرد من لا يتوافق مع حجم المصادر المتاحة.

في سبتمبر الماضي، أعلنت الهيئة العامة للثروة السمكية، عن بدء خطة لزيادة الإنتاج السمكي ليصل إلى 2.3 مليون طن، من خلال  تعميم نظام الاستزراع المكثف، واعتماد شهادات الجودة للمنتجين وتحسين إنتاجهم، وإنشاء مجلس أعلى للأسماك ووحدات بيطرية خاصة.

وكشف أحدث تقرير رسمي أصدرته الهيئة العامة للثروة السمكية، الشهر الماضي، أن الإنتاج الكلي لمصر من الأسماك، يبلغ مليون و640 ألف طن، في حين تستورد مصر نحو 300 ألف طن من الخارج، لتغطي الاستهلاك المحلي.

وأضاف التقرير أن استراتيجية تنمية الثروة السمكية في مصر، تستهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي من الأسماك، خلال العشر سنوات المقبلة، والوصول بالإنتاجية إلى مليوني طن، بنهاية عام 2022.

موارد ومعوقات

يقول الدكتور شريف فتوح، رئيس شعبة المصايد بالمعهد القومي لعلوم البحار، لـ”ولاد البلد”: بالرغم من اتساع الرقعة البحرية المصرية، التي تبلغ نحو 11.2 مليون فدان (6.8 مليون فدان بالبحر المتوسط، 4.4 مليون فدان بالبحر الأحمر) إلا أن المساحة المستغلة في عمليات صيد الأسماك، تبلغ نحو 4.2 مليون فدان، وهي مساحة ضئيلة بالنسبة للمساحة الإجمالية المتاحة، وما زالت غير مستغلة اقتصاديًا بالشكل الأمثل.

رغم تطور الإنتاج السمكي منذ مطلع 2000 حتى الآن، إلا أن هذا الإنتاج لا يسد التطور السريع في نسبة الاستهلاك.

[googleapps domain=”docs” dir=”spreadsheets/d/e/2PACX-1vQqFPy4YlYDEhf7syK0psVAslcjMhYw0rtKC-b_8UTDaL-ynC5G6zOiHVsLYRgmnkoboKrLYhqHOcEW/pubchart” query=”oid=870205666&format=interactive” width=”600″ height=”371″ /] ويتابع أن أهم الأسباب التي أدت إلى انخفاض معدل نمو المصايد البحرية، هو “الصيد الجائر”، الذي يرجع إلى الزيادة غير المخططة لمجهودات الصيد، وهو ما يؤثر على المخزون السمكي، ويؤدي للتدهور المستمر في الخصوبة السمكية.

انخفاض الخصوبة السمكية

ويضيف أن مشكلة التلوث، تعد من أخطر المشكلات التي تؤثر سلبًا على الموارد السمكية، وقد امتدت مخاطر التلوث لتشمل المصايد البحرية ونهر النيل والبحيرات الشمالية.

بالإضافة إلى انتشار أساليب الصيد البدائية المخالفة، وقلة المخصصات المادية، التي تمنحها الدولة لقطاع الثروة المائية إذا ما قورنت بمخصصات الإنتاج الزراعي والحيواني.

يضيف أن الأسماك تحتوي على نحو 30% من وزنها بروتين حيواني، ويماثل هذا البروتين في تركيبه من الأحماض الأمينية، تركيب بروتين الدجاج، ويتفوق على بروتين اللحم البقري ولحم الأغنام فى مُعَامل الاستفاده منه، ما يوفر بديلًا صحيًا وأرخص من اللحوم.

ويشير إلى أنه من الضروري التصدي لهذه المشكلات، عن طريق وقف التعديات على البحيرات، ومنع سياسات التجفيف لمصادر إنتاج الأسماك، والتشديد على ضرورة وقف إلقاء الصرف الصحي والمخلفات الصناعية والزراعية بالبحيرات ونهر النيل، وتوفير الاعتمادات المالية والأجهزة والخدمات المطلوبة لتحقيق هدف التنمية السمكية المتواصلة.

ورغم انخفاض الخصوبة السمكية بالموارد البحرية المصرية، إلا ان التقدم العلمى في مجال إنتاج الأسماك، خلق حلولا للتغلب على تلك المشكلات، بإيجاد بدائل مثل إقامة مزارع سمكية متخصصة في أنواع معينة من الأسماك أو القشريات، على السواحل البحرية

الاستزراع السمكي.. هل يحل المشكلة؟

يضيف فتوح أن هناك عدة إيجابيات تؤيد صناعة الاستزراع السمكي في مصر، فالمقومات الطبيعية من حيث الظروف البيئية والجوية مناسبة، مع توافر رقعة مائية، تتمثل في الأنهار والبحيرات والمستنقعات والأراضي البور الصالحة للاستزراع.

وتتضح أفضلية الاستزراع السمكي في إمكانية التحكم في الظروف البيئية، وفي معدل نمو الأسماك، بواسطة التغذية المركزة، لتوصيلها في أقل وقت ممكن إلى الحجم المرغوب في أسواق الاستهلاك.

كما تسهم المزراع السمكية في توفير الحماية للأسماك من المفترسات، التي تفتك بها في المصايد المفتوحة، ومن أخطار التلوث من جراء تعرضها لمخلفات المدن والسفن وناقلات البترول.

ويضيف أن الاستزراع السمكي يسهم فى علاج الخلل فى الميزان الغذائي الناشئ عن نقص البروتين الحيواني في غذاء سكان مصر، لهذا فتلك المشروعات تدعم الاقتصاد القومي، بفتح مجال لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الأسماك.

استغلال البحر المتوسط

ويرى سعيد عبد الحافظ، خبير اقتصاديات المصايد، أن البحر المتوسط هو أهم المصايد الطبيعية، إذ يمثل نحو 61% من جملة مساحة المصايد البحرية المصرية.

وبلغت القوة العاملة وعدد الصيادين العاملين فى المصايد المصرية فى البحر المتوسط خلال العام، نحو 22.7 ألف صياد، أي ما يمثل 82% من جملة العاملين بالمصايد البحرية المصرية، وبالرغم من تلك الحقائق إلا أن الإنتاج ما زال ضئيلًا، بالمقارنة بالمقومات المتاحة.

يضيف عبد الحافظ، أن الهوة الكبيرة بين مساحات المصايد الواسعة، وبين حجم الإنتاج الضئيل، كان يستدعي اتخاذ إجراءات حاسمة وسريعة للحفاظ على المخزون السمكي.

وكان من أهم هذه الإجراءات، تطبيق قرار وقف الصيد فى مصايد البحر المتوسط، الصادر عن وزير الزراعة، لوقف الصيد خلال شهري مايو ويونيو، وقد صدر هذا القرار معتمدًا على توصيات منظمة الاغذية والزراعة “الفاو”، التي ألزمت كل دول البحر المتوسط بوقف الصيد  خلال تلك الفترة.

يوضح أن الوضع الراهن يتطلب اتخاذ فترات الرحة البيولوجية، لتنميبة الإنتاج واستعاضة عناصره، ومع تنظيم وإدارة المصايد بطريقة علمية، فقد كان مردود عملية التوقف إيجابيًا على الإنتاج السمكي الشهري بمركزي الميناء الشرقي والأنفوشي.

عقب فترة التوقف، زاد الإنتاج السمكي، على عكس الفترة السابقة كان الإنتاج منخفض للغاية، ما يدل على أن هناك استنزاف للإنتاج السمكي.

مشكلات الثروة السمكية

يضيف خبير اقتصاديات المصايد والموارد السمكية، أن المشكلات التي تعترض الثروة السمكية فى مصر، تنقسم إلى فروع عدة، فالمشكلات الإدارية تظهر في تشتت هذا القطاع، بين أكثر من جهة ومؤسسة يحدث بينهم تضارب، مثل الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية، والمعهد القومي لعلوم البحار، وبعض المحليات فى المحافظات.

وعلى سبيل المثال، عند إقامة مزرعة سمكية، يحدث تعارض على اختيار الموقع بين وزارتي السياحة و الري والزراعة، وغيرها من الجهات.

يتابع أن قانون الصيد رقم 124 لسنة 83 الخاص بالمصايد واستزراع الاسماك، لا يُطبق بشكل سليم، لذا فإن الإنتاج السمكي في مصر ضعيف جدا، نتيجة انتشار طرق الصيد المخالفة، مثال على ذلك “الجرافة الساحلية”، التي تجرف الأسماك الصغيرة دون منحها فرصة لتكبر وتتكاثر.

دراسة: النيل يستقبل مخلفات 158 مصنعًا

ويوضح أن التلوث بأشكاله المختلفة، مثل: الصرف الزراعى والصحي والصناعي، والأخير بسبب تسرب البترول، الذي يؤثر سلبًا على المصايد، ويعد أكثر المشكلات خطورة على إنتاجية الثروة السمكية.

وفي دراسة أجراها عبد الحافظ، على نهر النيل، يذكر أن هناك 158 مصنعا يلقون مخلفاتهم فى النهر، بدءًا من محافظة الجيزة حتى أسوان.

وتتعرض أيضًا عدة بحيرات للتلوث بمياه الصرف، منها مريوط، التي تعد مثلا صارخ للتلوث، بحيرة المنزلة في مناطقها الجنوبية، بالإضافة إلى النباتات الطافية في المجاري المائية، مثل ورد النيل، وهو ما يخل بالنظام البيئي.

“التونة المصرية”.. ثروة غير مستغلة

في سياق متصل يقول الدكتور السيد أبو طور، أستاذ تكنولوجيا الأغذية بكلية الزراعة يجامعة الاسكندرية، رغم احتياجنا للاكتفاء الذاتي من الأسماك، فهناك نسبة كبيرة من الثروة السمكية فى مصر غير مستغلة، خاصة مع انتشار الاسماك المستوردة، المعلبة والمدخنة.

وعلى سبيل المثال ذكرت دراسة أجراها أستاذ تكنولوجيا الأغذية، أن هناك سمكة شبيهة بالتونة جنس “Auxis”، يجرى اصطيادها بكميات هائلة من المياة المصرية.

وعلى الرغم من انخفاض سعر هذه السمكة، إلا أنها لا تلقى قبولا لدى المستهلك، لاحتوائها على نسبة عالية من الأوعية الدموية، ومن هنا تدخلت الصناعة التكنولوجية، لتتغلب على مشكلة اللون الدموي عن طريق ذبح السمكة، وإزالة الرأس ونقعها فى محلول ملحي بنسبة 10% وماء أكسجين، كمادة مبيضة، ثم الطهى بالبخار، لتقديمها للمستهلك بصورة مصنعة ومقبولة.

يضيف: بالفعل تم الحصول على عدة منتجات عالية الجودة من سمكة التونة المصرية، مثل شرائح السمك المدخن، وجزل سمك التونة المعلب، والعديد من المنتجات التي تنافس مثيلتها المستوردة وتحقق نفعًا من الثروة السمكية المتاحة.

يتابع: عرضت هذه المنتجات على مجموعة من الخبراء والمحكمين في هذا المجال على مستوى العالم، ولاقت قبولا واستحسانا عاليا، وينصح المستثمرين بالتوجه لاستغلال الثروة السمكية المصرية، كبديل أفضل وأرخص من الاستيراد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى