بين الناستحقيقات

أنشأتها سيدة لبنانية وكانت وجهة النخبة.. منطقة الهانوفيل بالعجمي تاريخ يبحث عن منقذ

تعد منطقة الهانوفيل بحي العجمي غربي محافظة الإسكندرية، والتي تبعد عن وسط المدينة نحو 20 كيلو مترًا، واحدة من أهم المناطق القديمة بالمحافظة، والتي بنيت خلال الاحتلال الفرنسي، ومع مرور الزمن تحولت إلى منطقة سكنية زحف إليها العمران بكثافة شديدة في السنوات الأخيرة، ما جعل مقاولين البناء يقومون ببناء العقارات المخالفة والتي لا تحمل التراخيص استغلالًا للكثافة السكانية، فضلًا عن انتشار الباعة الجائلين ومفترشي الطرق ومركبات “التوك توك” التي جعلت العشوائية عنوان لها.

الهانوفيل بحي العجمي

مبان شاهقة الارتفاع تتجاوز الـ 9 طوابق، وأخرى لا تزيد عن 5 طوابق، ومحال تتراص بجوار بعضها البعض، تحمل ألوان عشوائية وتصميمات غير متجانسة، أضاعت معالم الزمن الجميل والتاريخ الذي علق برأس سكان هذا الحي العريق أو زواره في الصيف.

على أول طريق منطقة الهانوفيل، تجد تمثال عروسة البحر، والذي يحمل اللون الأبيض وهو واحد من أهم العلامات التي تتميز بها المنطقة، وعلى بعد خطوات من التمثال تجد السيارات الصغيرة والمعروفة بـ “التوناية” و”التوك توك”، تنتشر في مدخل الشارع الرئيسي، ويتسببون في حالة زحام شديدة وتكدس مروري تمنع مرور السيارات.

كما ينتشر الباعة الجائلين على جوانب الشارع بعربات الخضار والفاكهة والملابس، ويتسببون في إشغال الطريق العام وهو ما يؤدي لحالة زحام شديدة.

حي مدام هانو

منطقة الهانوفيل تعتبر منطقة أثرية، ويوجد بها عددًا من الآثار، من بينها القلعة الفرنسية، التي بنيت خلال الاحتلال الفرنسي، وكذلك العديد من أبراج المراقبة التي بنيت في عهد الدولة العثمانية، وكانت منطقة عسكرية واستراتيجية مهمة في تلك الحقبة الزمنية، ومع مرور الزمن حينما جاءت في عام 1950 إحدى السيدات من لبنان وقبعت بالمنطقة، قامت بشراء قطعة أرض وأسست عليها فندقًا وكانت تدعى “مدام هانو”، وهو ما جعل السكان يقومون بإطلاق اسم منطقة الهانوفيل نسبة إليها، ولكونها هي من جعلتها منطقة سكنية محلية، وذلك بحسب ما قاله الدكتور طارق خليل، أستاذ التاريخ بجامعة الإسكندرية، لـ “إسكندراني”.

ويضيف خليل، أن مدام هانو كانت تقيم في تلك الفترة بفيلا تقع في أول شارع الهانوفيل، وجعلت فندقها ملتقى لرجال الفن والسياسة، وكانت منطقة الهانوفيل آنذاك لا يوجد بها عقارات شاهقة، ولا هذا الكم السكاني الهائل الموجود حاليًا، بل كانت عبارة عن فيلات وشاليهات تحاوطها من كل اتجاه أشجار التين، وتكسو أرضها الرمال البيضاء الناعمة التي تشتهر بها المنطقة.

ويضيف خليل، أن بعد ذلك بسنوات جاء قرار اللواء محمد فوزى معاذ، محافظ الإسكندرية آنذاك، في عام 1983، بإقامة مساكن للشباب في منطقة المحاجر قبلي طريق مطروح، ومنذ ذلك الحين توالى إنشاء المساكن الشعبية، والتي جعلت الزحف العمراني يتوغل حتى تلاشت الفيلات والشاليهات وحلّ محلها الكثير من العقارات المخالفة.

تاريخ أنهكه الإهمال

منطقة الهانوفيل تعتبر من أقدم المناطق الموجودة في الإسكندرية، حيث كانت منطقة النخبة والفنانين في مصر عام 1950، وكانت تعتاد كوكب الشرق أم كلثوم زيارتها، وغيرها من الفنانين، حيث كان لحي العجمي آنذاك مكانة خاصة في قلوب الطبقات الراقية، ومع مرور الزمن أصبحت ملاذًا للسياحة المحلية الشعبية للطبقات المتوسطة وفوق المتوسطة، ولكن للأسف كل يوم تتحول المنطقة الجميلة إلى أسوء بسبب إهمال المسؤولين، بحسب ذكره المهندس خميس عبد الوهاب، استشاري هندسي بإحدى الشركات بالإسكندرية، لـ “إسكندراني”.

يقول عبد الوهاب، إن منطقة العجمي ذكرت في مذكرات رحالة إنجليزي يدعى فورستر عام 1915، وقال فيها إن العجمي كان بها قلعة قديمة تسمى “قلعة العجم” أي الفرس في اللغة العربية القديمة، لذلك سميت بمنطقة العجمي، وهناك رواية أخرى تقول إن سبب تسميتها بالعجمي نسبة للشيخ محمد العجمي، مغربي الأصل وكان يعيش بالمنطقة.

ويضيف عبد الوهاب، أن الإهمال يقتل كل شيء له قيمة، حيث أن الهانوفيل تحولت إلى منطقة عشوائية بلا مظهر ولا تنسيق حضاري، جعلها المقاولون مجرد مسخ لمباني متراصة بجوار بعضها، ليس لها تصميم ولا شكل جيد، وكل ذلك بسبب إهمال المسؤولين لها، وعدم وجود رادع قانوني لهم، يجعلهم يحترمون القانون ويقومون بالبناء بشكل صحيح وسليم، ولكن للأسف الرشاوى والمحسوبيات قتلت كل القيم والمبادئ.

ويتفق معه في الرأي أحمد جلال، مهندس معماري في إحدى المشروعات بمنطقة العجمي بالإسكندرية، ويضيف لـ”إسكندراني”، الكارثة أن العقارات التي تم بنائها في الفترة الأخيرة بمناطق الهانوفيل العجمي جميعها مخالفة لشروط التراخيص والسلامة، ما يعرض حياة سكانها للخطر، وذلك بسبب الرشاوى واستغلال وجشع المقاولين الذين يقومون بشراء الأراضي والبناء عليها دون الحصول على ترخيص واحد من الحي والمحافظة، ويقومون بدفع الرشاوى المالية لبعض الموظفين معدومي الضمير، من أجل ألا يحرروا محاضر مخالفات لهم.

ويتابع جلال، إن حي العجمي يقوم يوميًا بشن حملات لإزالة العقارات المخالفة، ولكن يقومون فقط بتحرير مخالفات للعقارات التي تضبط عن طريق المصادفة، مؤكدًا أن 80% من العقارات التي تم بنائها حديثًا بمنطقة الهانوفيل مخالفة لشروط التراخيص.

حيازة الدولة أفضل

ويرى كريم فرج، مهندس مباني مقيم بالإسكندرية، أنه بدلًا من هدم العقارات المخالفة التي يتم ضبطها من قبل الحي، أن يتم وضعها تحت حيازة الدولة وتقنين وضعها لحساب الدولة، وبيعها للمواطنين بأسعار معقولة، كمعاقبة للمقاول الذي قام ببنائها، وبدلًا من ضياع أموال المواطنين الغلابة الذين قاموا بشرائها وهم لا يعلمون كونها مخالفة من عدمه، مؤكدًا أن بذلك نكون قد وفرنا وجود عقارات للمواطنين بدلًا من هدم عقار كامل عقابًا لمالكه ولملاك ليس لهم ذنب.

مخالفات بالجملة

ويقول سامح صاموئيل، 38 عامًا، أحد سكان منطقة الهانوفيل، لـ “إسكندراني”، إن المنطقة أصبحت مليئة بالمخالفات، حيث أن الباعة الجائلين منتشرين في كل شبر فيها، ما يجعلنا لا نتمكن من السير على أقدامنا أو بالسيارات، وكل يوم الأمر يزداد سوءًا، وحملات الحي تأتي يومًا بعد يوم تزيل الباعة ثم يعودون بعد ذهاب سيارات الحملة، مؤكدًا أن الحل يكمن في تعيين خدمات حراسة لعدم عودة الباعة لافتراش الطرق، للتخفيف عنا من معاناة الزحام.

ويوافقه في الرأي طاهر شكري، 42 عامًا، موظف، وأحد سكان منطقة الهانوفيل، ويضيف لـ “إسكندراني”، للأسف البنية التحتية للمنطقة متهالكة تمامًا، والأرض غير متساوية والأرصفة أجزاء منها مهدمة تحتاج للترميم، ولكننا ننتظر من المسؤولين النظر للمنطقة والعمل على إصلاحها وتطويرها بدلًا من حالة الإهمال التي نعانيها، مؤكدًا أن ذلك يأتي بالإضافة إلى انسداد بالوعات الصرف الصحي باستمرار وطفح المياه المحملة بالروائح العفنة والكريهة في الشوارع، ما يجعلنا لا نتمكن من السير، وأرسلنا شكاوى عديدة للحي دون جدوى.

التلوث وانتشار القمامة

وتقول زينب عبد الرحيم، 45 عامًا، موظفة، ومقيمة بمنطقة الهانوفيل، لـ “إسكندراني”، إن المنطقة تعاني من تراكم تلال القمامة في أنحائها والشوارع الجانبية، ما يؤدي لتشويه المنظر العام، فضلًا عن انتشار الروائح العفنة والكريهة التي تسببت في جلب الذباب والحشرات الطائرة، مؤكدة أن سيارة جمع القمامة تأتي ولكن ليس باستمرار، ما يجعلها تتكدس وتتعفن باليومين، وأنهم أرسلوا العديد من الشكاوى للحي دون جدوى، فهم فقط يطلبون أن تأتي سيارات لجمع القمامة بشكل يومي، لرحمتهم من الروائح العفنة.

احتلال وبلطجة السائقين

ويؤكد أحمد نصر، 55 عامًا، مدرس، ومقيم في منطقة الهانوفيل، لـ”إسكندراني”، أن سائقين الأجرة يحتلون مدخل الهانوفيل بعرباتهم، ولا يهمهم المارة من الكبار أو الأطفال، ويتسببون في حالة زحام شديدة، فضلًا عن تحكمهم في الركاب ورفع الأجرة رغم التعريفة المقررة، وحينما يتحدث معهم الركاب في رفع قيمة الأجرة، يقولون لهم بكل جبروت “لو مش عاجبكم إنزلوا”.

ويشير نصر، إلى أنهم يريدون فقط من المسؤولين الاهتمام بالمنطقة التي أنهكها الإهمال وعدم التطوير، وكل يوم يمر تزيد المشكلات أكثر.

المظهر الحضاري

ويقول الدكتور محمد سلطان، محافظ الإسكندرية، لـ “إسكندراني”، إنهم يقومون بالعمل في منطقة الهانوفيل وتطوير الطرق وشبكات الصرف الصحي وتحسين البنية التحتية، مع المتابعة المستمرة لسائقي الأجرة لرفع العناء عن السكان، مؤكدًا أنه شدد على المستشار علاء يوسف، رئيس حي العجمي، بإزالة كافة إشغالات الطريق ومعوقات حركة المرور والمارة، مع توقيع غرامات مالية على المخالفين وإغلاق المحال والكافيتريات المخالفة، ومنع التعدي على الطريق العام، وإظهار الحي بالمظهر الحضاري الذي يليق به كواحد من أهم الأحياء التي تعتبر مقصد للمصطافين والزوار.

ويضيف سلطان، أنهم يواصلون يوميًا شن الحملات لإزالة الإشغالات والمخالفات التي يرتكبها الباعة الجائلين في سوق الهانوفيل وشارع الهانوفيل الرئيسي، مؤكدًا أنهم قاموا بإغلاق أكثر من 18 محلًا مخالف لشروط التراخيص بالمنطقة، فضلًا عن إزالة أكثر من 100 حالة إشغالات متنوعة.

ويتابع محافظ الإسكندرية، أنهم يقومون بشكل يومي برفع القمامة والمخلفات المتكدسة في الشوارع وأمام المحال والأسواق من خلال العربات المخصصة لذلك، لرفع العناء عن السكان.

العقارات المخالفة

وعن العقارات المخالفة، يقول الدكتور محمد سلطان، إنهم يواصلون شن الحملات يوميًا، على العقارات المخالفة والتي تم بنائها دون تراخيص قانونية للحد من هذه الظاهرة التي تعرض المواطنين للخطر، كما يتم اتخاذ الإجراءات القانونية حيال ملاكها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى