بيئةحوارات

أستاذ الوراثة بزراعة الزقازيق: “عرابي” هو حل أزمة الأرز.. ومصر تتجه لاستيراد أنواع رديئة

الأرز الجاف يمكنه زيادة الدخل القومي 8 مليارات جنيه
هذا الصنف يمتاز بزيادة نسبة البروتين إلى 10% بدلا من 7%
ستواجه مصر أزمة غذاء قريبا إذا استمرت الحكومة في سياساتها الخاطئة

بعد سنوات من تصدير الأرز المصري واشتهاره بالجودة إضافة إلى سد حاجة السوق المحلية من الغلة الأساسية في البلاد، تتجه الحكومة المصرية إلى استيراد شحنات من الأرز للاستغلال المحلي بعد قرارها السابق منذ بضعة أشهر.

قرار الحكومة يقضي بتقليص مساحة الأراضي الزراعية المخصصة لزراعة الأرز، بسبب حاجة الغلة الصيفية للكثير من المياه، في وقت تواجه البلاد أزمة مياه مع إثيوبيا، التي تتجه هي الأخرى نحو بناء سد الألفية، المتوقع أن يؤثر في حصة مصر من مياه النيل.

“ولاد البلد” التقت الدكتور سعيد سليمان، أستاذ علم الوراثة بكلية الزراعة في جامعة الزقازيق، للحديث عن أبحاثه ومساهماته العلمية في استنباط سلالات جديدة من الأرز تتكيف مع ظروف الجفاف.

سليمان عرض على “ولاد البلد” تجربة زراعة أرز الجفاف “عرابي” الذي يقول إنه أفضل من أنواع الأرز التقليدية الشرهة للمياه.

إلى نص الحوار..

ما هي فكرة زراعة أرز الجفاف؟ ومتى بدأ العمل على الفكرة؟

بدأت فكرة استنباط أصناف مقاومة للجفاف وعالية المحصول في الأرز المصري منذ عام 1985، في هذه الفترة كانت مصر تعاني من انخفاض منسوب مياه النيل منذ عام 1978 حتى 1988، ما دفعني لكتابة مقال عام 1985 يتناول نجاح الصين في استنباط أصناف مقاومة للجفاف وعالية المحصول وكذلك معهد الأرز الدولي بالفلبين، وذلك عام 1989، واقترحت في هذا الوقت أننا نستطيع استنباط أصناف مقاومة للجفاف عالية الإنتاجية.

وبدأ العمل على الفكرة منذ عام 1988 بنجاحي في الحصول على مشروع بحثي ضمن المشروع القومي للأبحاث الزراعية في ذلك الوقت (تمويل أمريكي) تحت عنوان التربية لتحمل الجفاف في الأرز.                            من خلال المشروع نجحنا في الحصول على 64 هجين بين الأصناف العالمية المقاومة للجفاف، وهي أصناف: IET 1444، Blue-Belle ، Duler، والأصناف المحلية المصرية عالية المحصول.

واستمر برنامج الانتخاب لمدة 5 سنوات تحت ظروف الجفاف (الري كل 10 أيام مثل الذرة الشامية) وليس الغمر، ونجحنا في نهاية عام 1994 في الحصول على 110 سلالة ثابتة وراثيا ومقاومة للجفاف وخصبة.

بعد ذلك بدأنا تقييم هذه السلالات حتى وصلنا إلى أربع سلالات مميزة وثابتة ومتجانسة وعالية المحصول تحت ظروف الجفاف كان ذلك في عام 2008، وهو ما اعترفت به وزارة الزراعة من خلال شهادات الـDUS  وVCU.

أجرينا تجارب تأكيدية لدى المزارعين في عام 2010 شملت 10 أفدنة بالشرقية والدقهلية، لتطبيق ما توصلنا إليه وتأكيد النتائج، فحصلنا على متوسط 4 أطنان للفدان، مقارنة بالأصناف العادية التي يكون متوسط إنتاجها 3 أطنان للفدان، مع توفير نصف كمية المياه، أي 3500 متر مكعب للفدان بدلا من 7 آلاف.

كم تبلغ مدة تربية أرز الجفاف – عمر النبات من زراعة البذرة إلى الحصاد؟ وكم مرة يمكن زراعته في السنة؟

عمر أصناف أرز الجفاف 120 يومًا بدلًا من 145 يومًا للأصناف العادية المزروعة (سخا 101)، ويزرع مرة واحدة في الموسم الصيفي ويمكن زراعته مرتين في العام لقصر عمره مقارنة بباقي الأصناف.

في أي أنواع الأراضي يمكن زراعته؟ وكيف؟

يزرع في جميع أنواع الأراضي، فقد نجحت زراعته في الأراضي الرملية في توشكى، والتربة الطفلية في الفرافرة، وفي المقام الأول في الأراضي الطينية باستخدام جميع أساليب الري الحديثة مثل الرش والتنقيط.

ما هي مواصفات وخصائص الأرز الجاف؟

أصناف أرز عرابي 1، 2، 3، 4 توفر نصف كمية المياه، وتتحمل الملوحة إلى 7500 جزء في المليون، ومقاوم لـ”اللفحة”، ويزيد الإنتاجية بمقدار طن عن الأصناف العادية.

يمتاز هذا الصنف بزيادة نسبة البروتين إلى 10% بدلا من 7%، وصفات طهي ممتازة ومناسبة للذوق المصري.

ما هي كمية المياه التي يستهلكها الأرز الجاف؟ وكم توفر لمصر بالمقابل مع الأرز العادي؟

يمكن زراعة مليوني فدان بالمياه المخصصة لمليون فدان فقط، وزيادة الإنتاجية 2 مليون طن بمعدل طن واحد للفدان، وسعر الطن 4 آلاف جنيه، إذن يمكننا زيادة الدخل القومي 8 مليارات جنيه.

هل جرى تطبيق زراعة الأرز الجاف في أي من الدول الأخرى؟ وهل نجحت التجربة؟

زراعة أصناف أرز عرابي جرت في المملكة العربية السعودية بمنطقة جيزان قبل أربعة أعوام من الآن، ونجحت زراعته في عمان على المطر، كما تعتزم السودان زراعته هذا العام. وبالطبع نجحت التجربة وهي موثقة (بالصور) على الحساب الخاص بنا على “فيسبوك”.

هل أوقفت وزارة الزراعة مشروعك لاستنباط سلالات من الأرز الجاف؟ ولماذا؟

اوقفت وزارة الزراعة التمويل، بسبب انتهاء المشروع القومي للأبحاث الزراعية، ولكننا استكملنا البحث والتقييم على نفقتنا الخاصة وبمعاونة جامعة الزقازيق.

معهد بحوث الأرز يقول إن الأرز الجاف غير مقاوم للفحة وبه نسبة كسر عالية، فما هي اللفحة؟ وكيف يمكن علاجها؟ ولماذا ترتفع نسبة الكسر بأرز عرابي؟

قسم بحوث الأرز التابع لمركز البحوث الزراعية، عندما نجحت أصناف عرابي في الحصول على شهادتي الـDUS   وVCU، وتأكدوا من قرب تسجيل الأصناف، ادعوا “كذبا” أن أصناف عرابي تصاب باللفحة.

اللفحة هو مرض يمنع تسجيل الأصناف، مع أن جميع أصنافهم تصاب باللفحة، وهو مرض فطري بسيط يمكن علاجه بالرش ولا يكلف 50 جنيها للفدان، ولو كانت أصناف عرابي تصاب باللفحة لكانت هلكت، لكنها تزرع لدى المزارعين منذ 9 سنوات في جميع أنحاء الجمهورية، والنشره الإرشادية الخاصة بهذه الأصناف مثبت بها أنها مقاومة للفحة أي أنها لا يتم رشها بمعرفة المزارع، فلماذا لم يهلك الصنف حتى الآن!

وبالنسبة لارتفاع نسبة الكسر فأصناف عرابي متوسطة الطول والعرض للحبة، والأصناف المحلية سميكة دائرية، فحين يتم تبييض أصناف عرابي في المضارب المخصصة لتلك الأصناف بالطبع تزيد نسبة الكسر، والحل لهذه الإشكالية هو فتح عيار ماكينة التبييض فتقل نسبة الكسر تماما.

كما يتميز أرز عرابي أيضا بأن نسبة تصافيه تصل إلى 70% مقارنة ب 50% للأصناف العادية، وفي المستقبل بتعميم أرز عرابي سيتم تعديل ماكينات ضرب الأرز.

لماذا أطلقت عليه “أرز عرابي”؟

لأننا ننتمي إلى جامعة الزقازيق، وشعارها يتوسطه الزعيم أحمد عرابي، لذلك أطلقنا اسمه على الأصناف تيمنا به وتخليداً لذكراه، فهو نصير الفلاحين.

ما رأيك في زراعة القمح الفرعوني؟ وهل يمكن أن تنجح التجربة؟

احتمالية نجاح إنبات القمح الفرعوني الموجود بالمقابر واردة، لأن الجنين ما زال يحتفظ بحيويته بسبب الظروف الملائمة داخل المقابر الفرعونية، ومواصفات القمح الذي تمت زراعته تشبه تماما تلك الموجودة على جدران معابد أجدادنا، فالقمح طوله 170 سم والسنابل تزيد عن 20 سم، والسفا غليظة تشبه الأشواك.

يمكن نجاح التجربة بالطبع، لكن يجب أولا الإجابة على بعض التساؤلات: 1- المدة التي يستغرقها للوصول بكمية صغيرة جدا من الحبوب إلى أن نزرع فدانين هذا العام، وهل كان هناك تجانس تام في كل هذه السنوات.

2- لابد أن نعلم مدة مكوث القمح من الزراعة حتى الحصاد، وأعتقد أنها تتجاوز الـ 160 يوما، وهذا يمثل مشكلة.

3- هل هو قمح رباعي أم سداسي؟ وفي اعتقادي أنه قمح رباعي (قمح المكرونة).

4- من حيث وصول الإنتاج إلى 35- 40 إردب للفدان، هذا ممكن الحدوث خاصة أننا نجحنا في استنباط صنف قمح أطلقنا عليه عرابي 73، تصل إنتاجيته إلى 30 -35 إردب، ويحمل مواصفات كثير من هذا القمح الفرعوني، وهو تحت التجارب التأكيدية الآن.

هل تواجه مصر أزمة غذاء قريبا؟

نعم ستواجه مصر أزمة غذاء قريبا، إذا استمرت الحكومة في سياساتها الخاطئة، التي تدمر المحصول الوحيد الذي تكتفي مصر منه ذاتيا دون أي مبرر، فالحل هو أرز عرابي المقاوم للجفاف، وهم على علم كامل به، لكن يبدو أنهم يريدون أن تستورد مصر كامل غذائها.

نحن عام بعد عام يزيد استيرادن للقمح السييء الجودة، ليزيد معه معدل إصابتنا كشعب بالأمراض، وها نحن ندمر الأرز ونتجه لاستيراد أردأ لأنواع، لنستبدل بها أرزنا المصري عالي الجودة.

حظرت بعض الدول وآخرها الكويت عددًا من المنتجات الزراعية المصرية للاشتباه في تسببها في أمراض مثل فيروس الكبد الوبائي، هل يتناول المصريون منتجات زراعية ممرضة؟ وكيف؟

يقتصر هذا الحظر على بعض الخضراوات والفاكهة التي يمكن تحسين معاملات الرش والتسميد الخاصة بها في الحقول التي يتم التصدير منها على الأقل. ومما لا شك فيه أن بعض الخضراوات والفاكهة تعاني من تلوث المبيدات وكثرة استخدام الأسمدة مما قد يسبب أمراضا للمصريين.

برأيك، ما هي المشكلات التي تواجه الزراعة المصرية وكيف يمكن مواجهتها؟

المشكلة الأساسية التي تواجهها الزراعة المصرية هي غياب الاستراتيجية الشاملة للنهوض بالمحاصيل الأساسية مثل القمح والأرز والذرة والشعير والفول ومحاصيل الزيت، بل وانتهاج سياسة تسعى إلى تدمير كل ما تملكه مصر من ميزة نسبية، فقد بدأوا بالقطن مرورا بالقمح وقصب السكر، والآن الأرز آخر محصول نكتفي منه ذاتيا ونمتلك به ميزة نسبية.

في ظل ما نواجهه من نقص في المياه واحتمالية زيادة هذا النقص، لا توجد أي خطة لمواجهته من خلال تدعيم البحث العلمي كما تفعل كل دول العالم المتقدم باستنباط أصناف وهجن مقاومة للجفاف والملوحة تزرع في الصحراء وحول البحار، أين نحن من هؤلاء ونحن بالأساس دولة زراعية، ولمصلحة من نتخلى عن ما يميزنا؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى