بيئةتحقيقات

الاضطرابات السياسية وضعف الحكومات تتسبب في تناقص الأنواع البرية

| باحثون بجامعة كامبريدج يرصدون تناقص الطيور المائية بالبيئات غير المستقرة في الدول النامية

يبدو أن الأوضاع الأمنية المتردية وعدم الاستقرار السياسي لا يؤثران على الوضع الاقتصادي فقط، وإنما يمتد أثرهما إلى البيئة الطبيعية والحياة البرية.
أظهرت دراسة حديثة للتنوع الأحيائي على مستوى العالم، وجود رابط قوي بين الحكومات المحلية غير الفعالة أو الضعيفة وبين التناقص المطرد في أعداد الأنواع البرية، ما يعد مؤشرا صريحا على دور العامل البشري في تدهور البيئة الطبيعية والأحياء البرية.

ووفق الدراسة التي أعدها فريق دولي من الباحثين تقوده جامعة كامبريدج البريطانية، فإن حتى المحميات الطبيعية تصبح أقل فعالية في الدول التي تشهد صراعات على المستويين الاجتماعي والسياسي.

ودرس الباحثون التغيرات في الحياة البرية خلال العقود الثلاثة الماضية، ليتوصلوا في النهاية ولأول مرة، إلى أن التأثير السلبي لعدم الاستقرار السياسي يفوق التأثيرات السلبية للنمو الاقتصادي، وتغير المناخ، والنمو الكبير في أعداد السكان.

الباحث الرئيسي للدراسة والباحث بقسم علم الحيوان بجامعة كامبريدج البريطانية، تاتسيو أمانو ، يقول: تقود الحوكمة إلى تناقص أنواع الطيور المائية بطريقتين؛ الأولى، هي الافتقار إلى التشريعات البيئية أو التراخي في تطبيق هذه التشريعات، ما يقود إلى فقدان موائل مهمة من خلال الإدارة غير المستدامة لموارد المياه. وثانيا، الصيد الجائر الذي يهدد بشدة الطيور المائية، خاصة في ظل حكومات ضعيفة يكون تحتها الصيد خارج عن السيطرة.

قاعدة بيانات بيئية

واستعان الباحثون في دراستهم التي نشروها في دورية “نيتشر” بمصائر الطيور المائية منذ عام ١٩٩١ كمؤشر على التغيرات الواسعة في التنوع الأحيائي، إذ إن الموائل الرطبة للطيور المائية تعد أحد أكثر البيئات تنوعا على سطح الأرض وأكثرها عرضة للخطر.

وتتميز الطيور المائية بالتنوع، فتشمل أنواعا مثل البط والبلشوميات، والنحاميات (الفلامنجو)، والبجع.

وتغطي الموائل الرطبة لهذه الطيور نحو 1.3 مليار هكتار من مساحة الكوكب، وتشمل بيئات الطيور المائية مساحات من السواحل، والمياه العذبة، والمرتفعات، وتقوم بوظائف أساسية في النظام البيئي.
كما تعرضت موائل الطيور المائية بدورها للتناقص بشدة أكثر من أي مكون آخر من مكونات النظام البيئي.

وحلل فريق الخبراء الدوليين معدو الدراسة أكثر من 2.4 مليون سجل سنوي لحياة ومصير 461 نوعا من الطيور المائية، عبر ما يقرب من 26 ألف موقع مختلف حول العالم، شملتها الدراسة بالمسح.

وبالاستعانة بقاعدة البيانات الهائلة هذه، تمكن الباحثون من رصد ونمذجة التغيرات في هذه الأنواع في البيئات المختلفة.

وجرت مقارنة نتائج المسح بمؤشرات الحوكمة الدولية التي تقيس كل شيء تقريبا، بداية من معدلات العنف وحكم القانون، وحتى الفساد السياسي، إضافة إلى إجمالي الناتج المحلي والسياسات الحمائية.

ولتحقيق فهم أكبر لمشكلة الدراسة “نحن بحاجة إلى معرفة أين تختفي هذه الأنواع، ومدى سرعة عملية الاختفاء هذه. إضافة إلى ذلك فإن الطيور المائية تكون أكثر عرضة للخطر في المناطق التي نعرف عنها القليل فقط من البيانات والمعلومات، مثل منطقة الشرق الأوسط، والمنطقة المدارية، وهو ما يعني أن يكون الخطأ وارد في تقدير حجم المشكلة التي تهدد التنوع الأحيائي في هذه المناطق المذكورة” يضيف أمانو.

سوء إدارة المياه والتحضر

ووفق الدراسة فإن تردي إدارة الموارد المائية وإنشاءات السدود في عدد من بلدان آسيا وأمريكا اللاتينية تسبب في الجفاف الدائم لعدد من موائل الطيور في إيران والأرجنتين، حتى في المناطق التي توصف بأنها محمية طبيعية.

وكشفت نتائج الدراسة أن أكثر مناطق العالم التي تشهد تراجعا في أعداد الأنواع البرية تقع في غرب ووسط آسيا، وفي أمريكا الجنوبية، وأفريقيا جنوب الصحراء، حيث تكون الحوكمة أقل فعالية. في حين كانت أوروبا أكثر مناطق العالم وفرة في الأنواع البرية.

واحتلت أمريكا الجنوبية المركز الأول بين أكثر المناطق تراجعا في أعداد الطيور المائية، بنسبة تناقص سنوي 0,95 %، ليكون إجمالي التناقص في أعداد الطيور المائية بالقارة 21% من المعدل العالمي خلال الـ25 عاما الماضي.
ويقول الباحث الرئيسي “إن الدراسة سعت إلى توضيح هذا التباين الجغرافي في أنماط التناقص في أعداد الطيور المائية، وقسنا تأثير كل أنواع العوامل التي يعتقد أنها تؤثر على حياة الطيور المائية”.

يضيف أمانو: تتميز نتائج الدراسة بالأهمية الشديدة لأنها تقدم دليلا واضحا على أن الحوكمة تشكل الآن أنماطا في تغيرات التنوع البيولوجي على المستوى العالمي، وبالتالي يجب أن تؤخذ في الاعتبار في أبحاث المتعلقة بسياسات وممارسات الحماية البيئية.
كما تشير نتائج الدراسة إلى أن الحوكمة غير الفعالة يمكن أن تقوض منافع جهود الحماية الحالية، مثل توسيع المناطق المحمية.

كما كشفت الدراسة وجود علاقة طردية بين الناتج المحلي الإجمالي وتناقص الطيور المائية، إذ كلما تسارع نمو الناتج المحلي الإجمالي للفرد، كلما زادت حدة تناقص الطيور المائية.

ويفسر الباحث الرئيسي للدراسة العلاقة بين الناتج المحلي الإجمالي تناقص الطيور المائية: “وجدنا أن الأنواع البرية في المناطق التي تشهد نموا متسارعا في الناتج المحلي الإجمالي تتناقص أكثر وأسرع، وهو ما يوضح العواقب السلبية للنمو الاقتصادي، مثل فقدان الموائل الطبيعية وتدهورها بسرعة بسبب عمليات التنمية والتحضر.”

دراسة “خلاقة ومثيرة للإعجاب”

يتفق الدكتور جوشوا داسكين، أستاذ البيولوجيا بجامعة “يال” الأمريكية مع النتائج التي توصلت لها الدراسة، التي يصفها بأنها “خلاقة ومثيرة للإعجاب”.
وفي تعليق على الدراسة يقول داسكين، إن الدراسة استفادت من وفرة البيانات حول التنوع البيولوجي في مناطق جغرافية كبيرة، خاصة البيانات المتعلقة بمراقبة حركة الطيور.

“وتضيف هذه الورقة إلى الاعتراف المتنامي بأن البلدان المستقرة التي تتمتع بالسلم والحكومة الرشيدة والأكثر تطورا غالبا ما تكون الحياة البرية بها محمية بشكل أفضل.

وقد اتضح هذا مؤخرا في حالة الثدييات الكبيرة في أفريقيا التي تناقصت أعدادها بشكل كبير، والآن نرى تناقص أعداد الطيور على مستوى العالم”، يقول داسكين.

ويتفق داسكين الذي أعد دراسة مماثلة عن تأثير الحرب على الثدييات الأفريقية نشرت في مطلع شهر يناير في دورية “نيتشر”، يتفق مع مؤلفي الدراسة الحالية في أن المناطق المصنفة كمحميات طبيعية تكون أكثر فعالية في حماية التنوع البيولوجي عندما تدار بموارد مناسبة، ما عني الحد من الاعتماد المحلي على الصيد غير القانوني في ظل مجتمع مستقر وسلمي.

ويضيف داسكين أن تغير المناخ وتدمير الموائل الطبيعية يمكن أن يكون لهما آثار مشتركة على الأراضي الرطبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى