اخر الأخبار

هنا إيطاليا من الفيوم.. نرصد كواليس الهجرة غير الشرعية بقرية تطون

تعتبر قرية تطون بمركز إطسا بمحافظة الفيوم أحد أهم المناطق التي تنتشر بها الهجرة غير الشرعية، حيث نالت القرية أهميتها من خلال وجود 12 ألفا من أبنائها في إيطاليا، حيث لا يكاد يوجد منزل في القرية إلى وأحد سكانه ضمن المسافرين إلى “جنة” إيطاليا، عن طريق رحلات الهجرة غير الشرعية ، ورغم غرق 300 من أبناء القرية في مياه البحر، كان آخرهم 13 مهاجرا على متن مركب رشيد العام الماضي، إلا أن حلم البحث عن الثراء في أوروبا لم ينقطع حتى اليوم، بحسب ما رصده “ولاد البلد” في رحلته بالقرية للبحث عن كواليس الهجرة غير الشرعية في واحدة من أهم المناطق التي تنتشر بها هذه التجارة الرائجة.

الهجرة غير الشرعية

ولعل الإقبال الشديد من قبل الأهالي على فكرة السفر؛ جعل القرية، التي تعداد سكانها 50 ألفا، بحسب شيخ البلد، يوجد بها 4 مكاتب سفر، لتتناسب مع كثافة الإقبال على السفر إلى الدولة الأوروبية، وهو ما يؤكده المحمدى أحمد، صاحب أحد هذه المكاتب الأربعة، الذى مكث بإيطاليا لمدة 6 سنوات قبل العودة والإقامة الدائمة بمصر وفتح مكتب لتسهيل إجراءات السفر إلى إيطاليا، حيث لاحظنا خلال فترة تواجدنا بمكتبه وصول عدد من الشباب الذين يريدون الحجز أو تأكيده، للسفر إلى تركيا وأوكرانيا وروسيا واليونان ورومانيا وحتى دبي.

يقول “المحمدى” إن إيطاليا تعتبر الدولة الأوربية الأكثر التى يعرفها أهالى تطون، لأنها قبلة الباحثين عن فرصة للسفر إلى أوروبا لتحقيق حلم الثراء الذي حققه كثيرون من شبابها، بعد سفرهم عن طريق البحر من ليبيا إلى إيطاليا في رحلات الهجرة غير الشرعية ، حيث لا يفصل بين الدولتين سوى أمواج البحر المتوسط، مضيفا أنه بعد الجهود المضنية التى بذلتها إيطاليا للحد من أعداد المهاجرين غير الشرعيين، خاصة القادمين إليها من ليبيا، أصبحت دول أخرى مثل رومانيا وتركيا واليونان هى المحطة التي من خلالها يتم الوصول إلى إيطاليا.

ويرى “المحمدى” أن السفر بشكل غير شرعي عن طريق البحر انخفض إلى حد ما بعد التشديدات التى تتبعها السلطات الإيطالية، بالتعاون مع السلطة الليبية، خاصة بعد ما شهدته ليبيا من فوضى عقب سقوط نظام معمر القذافي في 2011، وتمكن عصابات التهريب من تكوين شبكات أرسلت الآلاف إلى إيطاليا خلال الأعوام القريبة الماضية، عبر الهجرة غير الشرعية.

سماسرة السفر

ويشير صاحب المكتب إلى أن هناك سماسرة داخل مصر لهم أعوان بالمحافظات يسهلون لهم الطرق الخلفية لسفر الشباب وتهريبهم، خصوصا الأطفال بين 16 و18 عاما، من خلال الهجرة غير الشرعية ، وهو السن المطلوب، لأن الأطفال لا يتم ترحيلهم، حيث يلقون رعاية واهتمام الصليب الأحمر.

ويتابع “المحمدي” بأن حركة السفر عبر مكاتب السفريات نشطة بشكل كبير في القرية، حيث يتم حجز تذاكر السفر بعد الحصول على تأشيرات سياحية إلكترونية، يتم الحصول عليها خلال ساعتين فقط، وتكون في الغالب إلى تركيا أو اليونان أو أوكرانيا أو رومانيا، ثم بعدها يتم السفر إلى إيطاليا، وهناك إقبال كثيف على الحجز خاصة بعد أن وصل مبلغ الحصول على تأشيرة الاتحاد الأوروبى 140 ألف جنيه، بعد شهر انتظار، فى حين يتكلف الحصول على تأشيرة إلى رومانيا مثلا 40 ألف جنيه فقط، وهناك عصابات متخصصة فى عمليات التهريب والهجرة غير الشرعية.

داخل مكتب السفر؛ التقينا أحمد حاتم، 23 عاما، حاصل على دبلوم فني صناعى، وهو الابن الأكبر لأسرة مكونة من 5 أشقاء، وكان يعمل في محل لبيع الأجهزة الكهربائية، يمتلكه أحد أعمامه، الذي كان في إيطاليا أيضا، ولأن أحمد يريد أن يكون لديه مشروعه الخاص فهو يسعى للسفر إلى إيطاليا عن طريق رومانيا، التى سهل له مكتب “المحمدى” الحصول عليها، بحسب حديثه.

يقول أحمد، “هاسافر وأجرب حظى.. أصحابى هناك وأنا على اتصال بهم وهم ينتظرون وصولي، ووعدونى بتوفير عمل، كما أنني أحب المخاطرة والتجربة تستحق، وخلاص أنا خلصت الجيش وأريد مستوى مادى أفضل، ورغم إن معايا فلوس ممكن أعمل بيها مشروع صغير لكن السفر أفضل، وسأسافر بأى طريقة”.

وأثناء حديثنا مع “أحمد” دخل صديق له لا يتجاوز العشرين من عمره، يسأل هو الآخر عن تأشيرة إلى رومانيا ليخبره “المحمدى”  أن لديه مشكله فى جواز السفر.

6 محاولات فاشلة

بعد ضحكة طويلة وابتسامات بدت على وجوه من بمكتب السفر، طلب وليد أبو زيد، 38 سنة، مشرف أمن بالجامعة الأمريكية، أن يسرد محاولاته للسفر إلى إيطاليا، واصفا نفسه بصاحب أكبر عدد من المحاولات الفاشلة، التى بلغت 6 محاولات، منهم واحدة سافر فيها إلى إيطاليا وتم ترحيله إلى مصر.

يقول “وليد” إن أول محاولتين للهرجة غير الشرعية كانتا عن طريق ليبيا في التسعينيات، مضيفا “وقتها كان عمرى 16 سنة، وكان السفر بالأتوبيس حتى الحدود الليبية، وفى المرة الأولى مكثنا 3 أيام بمنطقة الخمس، شرقي مدينة طرابلس، ثم ركبنا مركب صيد، وتمكنت السلطات الليبية من القبض علينا، وأفرج عنا بعدها بأيام، وبعد ثلاثة شهور كررت التجربة وتكرر ما حدث فى المرة الأولى غير أننا بقينا أياما قبل ركوب المركب فى مدينة زوارة، وهى مدينة ليبية تقع على شاطئ البحر المتوسط، وتبعد عن العاصمة طرابلس حوالي 120 كم”.

ويتابع بأن المحاولة الثالثة كان عمره 23سنة، وتمكن فيها من الوصول إلى إيطاليا، بعد رحلة فى البحر كانت فى منتهى الخطورة، بحسب قوله، مضيفا “تم وضعنا فى حجرة محرك المركب الذى كان على متنه حوالى 100 فرد، فى حين أنه لا يتحمل سوى 30 فردا فقط، إضافة إلى قدمه وتهالكه، وكان معي مصريين ومغاربة وتوانسه ونيجيرين وكان من بينهم سيدات، ووصل المركب إلى جزيرة “لامبيدوزا” وهى جزيرة إيطالية جنوب صقلية بين مالطا وتونس، وتشتهر بلجوء المهاجرين بالقوارب من ليبيا  إليها، وقد استقبلنا الصليب الأحمر وفى مركز طبى تم تسنين جميع من كان على المركب ومن كان تحت سن الـ 18 تم السماح لهم بالبقاء فى إيطاليا، وتم ترحليى إلى مصر”.

ويضيف “أما المحاولات الثلاثة الأخرى فقد كلفتنى إحداهن 22 ألف جنيه، وقد ألقى القبض فيها على المهرب، والمحاولة الثانية كانت فى الإسكندرية وكان معى ابن عمى الذى طلب منه ركوب أحد الأتوبيسات الثلاثة التى كانت تنتظرنا  وطلب منى  ركوب أتوبيس آخر،  وعندما تحرك الأتوبيس الأول ثم الثانى، وظل الأتوبيس الذى أستقله يجوب شوارع الأسكندرية طوال الليل ثم أنزلونا منه بعد ساعات واتضح أنه كان لخداع الشرطة، وحتى يؤمن وصول الآخرين إلى الميناء ويسافروا بسلام، وبعدها بأيام اتصل بي ابن عمى بعد أن نجح فى الوصول إلى إيطاليا وسألنى  “مجتش ليه؟” فرديت عليه “أصلى كنت بتفسح فى الإسكندرية”.

وبعد مرور أكثر من 15 سنة من محاولات وليد للسفر، لم ييأس ولا تزال فكرة السفر مسيطرة عليه، رغم عمله الآن مشرف أمن بالجامعة الأمريكية، حيث قد قدم منذ شهر مضى طلبا للحصول على تأشيرة لزيارة هولندا، لكنه لم يوفق فى الحصول عليها، وهو الآن أحد المترددين على مكتب “المحمدى” لتسهيل فرصة السفر إلى وجهة جديدة هى أوكرانيا.

بديل العراق 

مصطفى محمد صالح، شيخ البلد، يروي لـ”ولاد البلد” بداية فكرة السفر إلى إيطاليا مؤكدا أنه فى نهاية السبعينيات بدأ شباب القرية فى السفر إلى العراق، وبعد الحرب العراقية- الإيرانية، عاد كثير منهم، وكان البديل السفر إلى ليبيا، لكن سعر الدينار الليبى لم يكن مرتفعا في ذلك الوقت، وبالتزامن مع وقف التعيينات فى الحكومة، بدأ تفكير الشباب فى السفر لإيطاليا، عن طريق ليبيا، وأحيانا عن طريق الإسكندرية، عبر مراكب تذهب إلى مالطة أو ألبانيا، ومنها يركبون “لانشات” إلى السواحل الإيطالية ثم يقفزون فى البحر و يسبحون فى المياه حتى يصلون إلى الشاطئ.

ويكمل شيخ البلد حديثه بإشارته إلى سبب انتشار الفكرة ورواجها بين شباب القرية مشيرا إلى أن الغيرة عامل أساسي لسيطرة الفكرة على الشباب، حيث شاهدوا تغيرات جذرية فى حياة كل من سافر، لتبدأ الحياة تتغير في القرية بشكل ملحوظ، حيث انتشرت مظاهر الثراء على العديد من الأسر التى كانت معدمة، وأصبح الجميع يتحين فرصة السفر بأي طريقة كانت، ووصل الأمر إلى أن البعض باع أرضه ليدبر تكاليف السفر، مضيفا أن عدد من سافروا لإيطاليا بهذه الطريقة بلغ 12 ألفا، مشيرا إلى غرق 300 من أبناء القرية في رحلة السفر إلى إيطاليا.

ويتابع شيخ البلد بأنه مع بداية 2013 وبالتزامن مع الحرب السورية، زاد معدل السفر غير الشرعى، وتم استغلال هجرة السوريين واللجوء إلى أوروبا، وبدأ يظهر فى القرية سماسرة استهدفوا الأطفال بداية من 13 عاما، حيث يتم الاتفاق مع ولي الأمر على سفر ابنه، ولا يحصل السمسار على أية مبالغ مالية سوى 2000جنيه، ويحصل على باقى المبلغ المتفق عليه بعد أن يطمأن ولي الأمر أن ابنه وصل إيطاليا، ويتصل به تلفيونيا ويتأكد من استقراره هناك، مؤكدا أن هدف السماسرة من تسفير الأطفال هو أنه عندما تضبط شرطة السواحل الإيطالية مراكب الهجرة غير الشرعية ، تحتجزها ويتم عرض من عليها من ركاب على لجنة الصليب الأحمر لتوقيع الكشف الطبى عليهم، ويتم ترحيل من تجاوز عمره الـ 18 عاما، ومن كان أقل يحصل على رعاية صحية ودراسية ويتعلم اللغة الإيطالية ويمنح أوراقا رسمية، وبعد سنوات قليلة يدخلون سوق العمل ويرسلون المال لأهلم وبعضهم يرسل دعوات زيارة لذويه.

لماذا المخاطرة؟

ولعل جميع من التقيناهم لمعرفة أسباب إقبالهم على رحلات الموت، كان الأمر المشترك بينهم هو الفقر والرغبة في الثراء، وهو الأمر الذي لا يجعلهم يعبأون لمخاضر الهجرة غير الشرعية، رغم وجود ضحايا ليسوا ببعيدين عنهم، سواء من جيرانهم أو ذويهم، لكن في النهاية كما يؤكد الجميع فالتجربة تستحق.

يقول هشام رشاد سعود، 56 عاما، الذى يسافر إلى إيطاليا منذ عام 1990، حول تجربته في الهجرة غير الشرعية ، إنه استقال من عمله كضابط فى القوات المسلحة، وأول رحلة سفر له إلى إيطاليا كانت عن طريق اليمن والحصول على تأشيرة السفر إلى إيطاليا، وبالفعل سافر لمدة 5 سنوات لكنه لم يحصل على الإقامة، فعاد إلى مصر، وقام ببناء منزله وتزوج، قبل أن يراوده حلم السفر مرة أخرى، مؤكدا أن هذه المرة كانت الرحلة عن طريق ألبانيا بالطيران، ومنها أقله لانش لمدة ساعتين فى البحر، ونزل قبل الشاطئ وقام بالسباحة داخل المياه لمدة نصف ساعة، قبل أن تنتشله السلطات الإيطالية، وأحضروا لنا ملابس وطعام وتركونا نذهب إلى ذوينا هناك، وهذا ما كان تتبعه السلطات الإيطالية مع المهاجرين غير الشرعيين قبل أن تصبح مشكلة تؤرق دول الاتحاد الأوروبى كله وليس إيطاليا فقط.

ويكمل هشام أن ابنه طلب منه وهو فى الصف الثالث الإعدادى أن يسافر إلى إيطاليا، وبالفعل سافر عن طريق ليبيا، وهو هناك منذ 14 عاما، معقبا بقوله “لو كان مات فى ستين داهيه نسفر غيره”.

“أعيش أو أموت مش هاتفرق” هذه الجملة أصبحت على لسان كل شباب القرية، بحسب جمال موسى أحمد، 55 عاما، الذي يحكي تجربته مع السفر، مشيرا إلى أنه يسافر منذ 25سنة إلى إيطاليا، ولديه ثلاثة أبناء هناك، وكانت أولى تجاربه مع الهجرة غير الشرعية شاقة وخطرة، حيث سافر عن طريق المجر، وسار على الأقدام لمدة 4 أيام وسط الغابات والثلوج، حيث تزامنت رحلته مع بداية العام الجديد وتحديدا ليلة الكريسماس، وتم القبض عليه فى حالة إعياء كامل لدرجة أنه كان مشرفا على الموت، بحسب قوله.

وحول الظروف التي يواجهها المهاجر غير الشرعي لدى وصوله أيطاليا؛ يؤكد “جمال” أن عامه الأول كان الأصعب، حيث لم يجد عملا، واستدان من الجميع، لدرجة أنه فكر في العودة إلى مصر، لكنه تراجع لصعوبة الظروف في مصر، قبل أن تبدأ الأمور في التحسن مع حصوله على فرصة عمل هناك.

ويتفق معهما في الرأي أمين محمد، الحاصل على دبلوم معلمين أزهرى، الذي يسافر منذ عام 1988وحتى الآن، مؤكدا أن أي مهارج يعلم جيدا مخاطر السفر لكنه يقول “عادى لما نموت ونجازف بحياتنا فى سبيل حياة إنسانية كريمة” مؤكدا أن حلم السفر يغري الشباب، فيسعون بأي طريقة للخروج من مصر حتى لو كانت الضريبة حياته، رغبة فى الثراء، لكن ليس كل من حاول السفر نجح.

“مات العديد من شباب القرية، وبالطبع ليس آخرهم الـ 13الذين كانوا بين ضحايا مركب رشيد، ومع ذلك لا يستطيع الأهل الوقوف فى وجه الشباب وإقدامه على المخاطرة مدفوعا بحلم الثراء” هكذا يختم “أمين” حديثه مع “ولاد البلد”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى