الزتونةبيئة

كيف تقف ثقافة الشعوب ضد علوم السماء؟

منذ عصور سحيقة، اعتاد الناس النظر إلى السماء، يتابعون حركة الشمس وأطوار القمر وتغيرات النجوم، ليستدلوا بها على الوقت وليخططوا طقوسهم، ويحددون أوقات اجتماعهم وخروجهم للصيد، وفي أحيان أخرى كانوا ببساطة ينظرون للسماء ويؤلفون القصص.

ورث علماء الفلك في العصر الحديث عادات النظر إلى السماء، لكن في بعض الأحيان كانت مساعيهم تتصادم مع السكان الأصليين؛ ففي أواخر الثمانينيات ألغى السكان الأصليون لمدينة سانت كارلوس الخطط المعدة لإنشاء مرصد جبل جراهام الوطني في أريزونا.

وفي عام 2005 منع سكان محمية يطلق عليها “التوهونو أودهام” في الولايات المتحدة، إنشاء مرص Kitt Peak  بسبب موروثات قبلية، ومؤخرً احتج سكان جزيرة هاواي الأصليون على وضع تلسكوب TMT فوق جيل موانا كيا، وهو جبل بركاني يعتبره الكثيرون من مقدساتهم، وقد حظيت مسيراتهم باهتمام عالمي، تمكنوا حتى الآن من وقف بناء الجيل الثاني من التلسكوب .

يقول النشطاء المتحدثون باسم السكان الأصليين إنهم لا يعارضون الأبحاث العلمية، لكنهم ببساطة يريدون احترام قيمهم ومقدساتهم .

في جميع أنحاء العالم كما في استراليا وجنوب أفريقيا، يستعد علماء الفلك لبناء مصفوفة الكيلومتر المربع SKA، التي من المتوقع أن تصبح أكبر تلسكوب لاسلكي في العالم، وكما هو الحال في هاواي فإن السكان المحليين يعترضون على استخدام أراضيهم، متذكرين الندبات التي خلفتها قرون من الاستغلال وسوء معاملة المستعمرين، لكن حتى الآن فالصراع الأشد قائم في هاواي عن غيرها من المدن والبلاد.

SKA هي اختصار لـ(Square Kilometer Array) أو مصفوفة الكيلومتر المربع، وهو مشروع تلسكوب كبير جدا تبلغ مساحته الكلية كيلومتر مربع، لقياس الأشعة الكهرومغناطيسية الآتية من أعماق السماء، بغرض زيادة المعرفة حول نشأة الكون.

على أية حال هذا ليس مفاجئا؛ لأن السيناريوهات تختلف، فتلسكوب TMT الذي من المفترض إنشاؤه في هاواي، كان من شأنه أن يزيل أبنية مقدسة متسببا في تدهور بيئي ومؤثرا على القيمة التاريخية للمكان، وهذا يختلف تمامًا عن السيناريو القائم بخصوص SKA ، المزمع إنشاؤه في استراليا وجنوب أفريقيا.

في حالة مصفوقة SKA، لجأ العلماء والسكان المحليين إلى الفن لإيجاد نقطة مشتركة ولحسم الخلاف، حدث هذا عندما تعاونوا فيما بينهم لإقامة معرض للفنون التعاونية يسمى “السماء المشتركة”، إذ عرض فنانو الشعوب الأصلية من البلدين قطعا فنية للاحتفال بالقصص القديمة والحديثة حول الكون.

يقول سايمون بيري، مدير تطوير السياسات لشركة SKA، لدينا نافذة مشتركة من قارتين مختلفتين تقعان تحت نفس الغطاء من هذه السماء، وهذا أمر مهم لهذه المجتعات، التي تهتم بالفلك والفضاء، ومهم أيضا لوجود الإنسانية في الكون على مدى عدة أجيال عديدة سابقة .

لدى كل من السكان الأصليين لكلا البلدين معتقداتهم وأفكارهم عما تبدو عليه السماء، وقد اهتم فنانو هذه البلاد بعرض القصص القديمة الخاصة بهم وبتبادل الأفكار الحديثة مع علماء الفلك، سعيًا من كلا الطرفين لإثراء الآخر ومحاولة فهمه.

تعود جذور تلك الأعمال المشتركة إلى أكثر من عقد مضى، عندما نظم فنانو مركز ياماجي للفنون في جيرالدتون غربي أستراليا، معرضًا تحت اسم “الليل المظلم للسماء الزرقاء”، بالتعاون مع مؤتمر SKA الدولي.

تلا ذلك معارض إضافية، ففي عام 2014 قام جيري سكينر، أحد مخططي برامج SKA ، الذي يشرف على العلاقات مع السكان المحليين أصحاب الارض في أستراليا، ومعه ستيفي تينجي، من جامعة كورتين في بيرث، باستقدام مجموعة من الفنانين والفلكيين إلى موقع بناء التلسكوب اللاسكلي.

ومن جانب آخر تواصل فريق SKA مع فناني جنوب أفريقيا في مركز بيثيدا للفنون، وهو مركز أسسه الشاعر جيني يقول جيني كوشين “لقد كنا متحمسين بشكل كبير، وأنا شخصيا أعتقد ان الفن والعلوم يجب أن يجتمعا، وعندما يحدث ذلك سيحدث الكثير من الأشياء المهمة”.

كلا الشعبين الأصليين بأستراليا وجنوب أفريقيا عانا كثيرا من الاستعمار على مدار قرون عديدة وكان لغتهم الأصلية على وشك الاندثار، حتى أن بعض فناني ياماجي ينحدرون من أجيال “مسروقة”، إذ قامت الحكومة الأسترالية بدفعهم للحضارة وفصلهم قسرا عن عائلاتهم وثقافتهم في النصف الأول من القرن العشرين.

اهتمت جماعتا الفنانين بإحياء واستمرار ممارساتهم وثقافاتهم القديمة، على سبيل المثال، عرض فنانو مركز ياماجي قطع فنية للسماء المشتركة، وهي عبارة عن رسم نقطي تقليدي يرجع إلى طقوس السكان الأصليين، بينما عرض فنانو جنوب أفريقيا بعرض أعمال الإبرة التي تمثل الأشكال المرئية، والتي تمتد إلى العصور القديمة، وبعمل العلماء والفنانين معا أدركوا مقدار التداخل الكبير بين وصفهم لسماء الليل.

ورسم كيفين ميريت، أحد فناني مركز ياماجي، فينوس متبوعا بشعاع ضوئي لامع، ففي قصص القداميى تطير روح فينوس حول العالم مع إخواتها مرتبطين بحبل سماوي، بالنسبة لعلماء الفلك الحديث يُعرف هذا الخط الخافت (الحبل السماوي) بالضوء البروجي، وهو ناتج عن ضوء الشمس، الذي يعكس الغبار الكوني في مستوى النظام الشمسي.

وقد لاقت أعمال السماء المشتركة صيتا، فقد أقيم لها معرضا في بيرث باستراليا في سبتمبر 2014،  ثم سافرت بعد ذلك إلى المعرض الوطني في مدينة كيب تاون بجنوب أفريقيا، ومن هناك إلى المملكة المتحدة، وكان آخر معارضها في مكتبة مانشستر المركزية، ويأمل فريق SKA أن يعرض قريبا في إسبانيا وباقي الدول الأعضاء.

ورغم أن أعمال السماء المشتركة جذبت انتباه المشاهدين ولاقت اهتماما عالميا، إلا أنه قد نشأ نزاع ساخن في هاواي، فقد قاطع المتظاهرون حفل TMT  الرائد في أكتوبر 2014، ويعود أصل ذلك النزاع إلى عقود.

وقد اعتقد الفلكيون في بادئ الأمر أنها مسألة وقت وتنتهي هذه الاحتجاجات، لكن بدلا من ذلك تزايدت أعداد المتظاهرين، وحاصروا طواقم البناء في أبريل 2015، ما أدى إلى سلسلة اعتقالات تداولتها الصحافة العالمية، وفي أواخر 2015 ألغت محكمة هاواي العليا تصاريح بناء التلسكوب، لأنه لم يتبع الإجراءات القانونية الواجبة في إصدارها.

وتمتد جذور الاستيلاء على جزيرة هاواي إلى عام 1778، عندما هبط الكابتن جيمس كزك إليها جالبا العديد من الأمراض، التي قللت من تعداد السكان الأصليين بنسبة 90%، وبعد فترة وجيزة من الإطاحة بحكم هاواي الملكي عام 1893، أصبحت اللغة الإنجليزية هي اللغة الرسمية للجزيرة، وتم منع الأطفال من التحدث بلغتهم الأصلية، الأمر الذي أدى إلى انخفاض حاد في استخدامها حتى حدثت النهضة في سبعينيات القرن الماضي .

وفي منتصف القرن العشرين وجد علماء الفلك أن قمة جبل موانا كيا الباردة والجافة كانت موقعا ممتازا لمشاهدة النجوم، فوضعوا تلسكوباتهم دون النظر للقيمة التاريخية والروحية للمكان وارتباط السكان الأصليين به.

وفي عام 2005 صدر بيان بمقدار التأثير البيئي لـ30 عامًا من النشاط الفلكي على الجبل، الذي كان له أثر تراكمي وسلبي على موارده الثقافية والطبيعية.

وأعلن بعدها فريق TMT معاودة استخدام الجبل مرة أخرى كموقع للتلسكوبات في عام 2009، ومن هنا بدأت المعارضة الأولية، يقول جوشوا لانكيلا، مثقف محلي من هاواي، “كان هذا الأمر مثل القشة التي قصمت ظهر البعير، فوضع قسم الأراضي والموارد البيئية لولاية هاواي 8 قواعد من أجل حسم الخلاف، من بينها واحدة تنص على أن البناء لا يجب أن يسبب تدهورًا كبيرًا للموارد الطبيعية الموجودة، وأخرى تنص على الحفاظ على جمال المنطقة وتحسينها.

لكن المتظاهرين وجدوا الفلكيين غير ملتزمين بهذه المعايير، ذلك بعد أن جرفوا ما مساحته ثمانية أفدنة من الموقع وتجاهلوا الآثار الأخرى مثل انسكاب المياه العادمة المتحللة، وهو ما زاد الأمر سوءا وحدة واسترعت هذا الاحتجاجات الانتباه في هاواي.

عقدت المحكمة العليا في هاواي جلسة استماع للبث في الأمر وتقرير إذا ما كانت ستسمح باستمرار بناء TMT أم لا، فقد يكون على المشروع العملاق أن يتخلى عن هذا الموقع، وأعلن المسؤولون عن مشروع TMT بالفعل عن موقع احتياطي في جزر الكناري، على أن يبدأ البناء فيه بحلول أبريل 2018.


مادة مترجمة:

Science and Culture: Looking at a shared sky, through the lens of art

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى