الزتونةبيئة

رحلات الملاح الصغير| ماذا فعل الأصدقاء مع عين الإعصار؟

رحلات الملاح الصغير، قصص علمية للأطفال يكتبها الدكتور طارق فرج، أستاذ جغرافية البحار والمحيطات بجامعة حلوان

تأتى الرِّيح بما لا تشتهي السفن، هذا ما ينطبق على حال اليوم الثاني عَشْر من رِحلة المَلاَّحُ، فها هي السفينة تقترب من حائط الإِعْصَار…

حائط الإِعْصَار هو حائط ضخم من الغيوم الكثيفة والعواصف الرعدية المدمرة، ذو رياح قوية عاتية صاعدة، تحرك معها أمواج البَحْر في كل مكان، فيا لها من كارثة، فقد صار الجميع  في قلب الخطر وأضحى الكل مهددا بالموت غرقا.

تساءل المَلاَّحُ ورفاقه عن طريق النجاة، فما كان من المَيْمُونُ إلا أن اقترح أن تعاود السفينة أدراجها وترجع للخلف مبتعدة عن حائط الإِعْصَار ومصدر الخطر، فى حين رفض المَلاَّحُ اقتراح الميمون، فقد فات الأوان لمثل هذا الاقتراح، فطريق العودة للوراء لن يكون سهلا على الإطلاق، بل هو طريق شاق وطويل ملىء بزخات  الأمطار الغزيرة.

الملاح طلب من الجميع أن يكون هدفهم هو عَيْن الإِعْصَار ومركزه، بالاتجاه إلى الأمام مخترقين كل الصعاب والأهوال بما فيها ذلك حائط الإِعْصَار، فهناك حيث الأمن والأمان والسلام، ووجود الريح الهابطة، ومياه البحر الهادئة، والسماء الصافية.

وعلى الرغم من إدراك الملاح ورفاقه خطورة هذا الطريق وما يعترضه من صعوبات، إلا أنهم يدركون في ذات الوقت أنه لا بديل آخر لديهم، فهم في خطر محدق في كل الأحوال، سواء تقدموا للأمام أو تراجعوا للخلف.

وخلال رحلتهم الصعبة صوب عَيْن الإِعْصَار، جاءت أمواج البحر من جديد تنادي على الرَّفِاق الأربعة بأعلى صوتها، وما أن سمعها المَيْمُونُ حتى صار أكثر خوفا.

–      المَيْمُونُ: وما العمل الآن أَيُّها المَلاَّحُ، فها هي الأمْوَاج العاتية قد جاءت مهاجمة من جديد، جاءت لتنتقم على ما يبدوا مما قلته في حقها سابقا، وتقتلني كما قتلت من قبل أهلي أجمعين.

–      الأمْوَاج: لست أنا أَيُّها المَيْمُونُ من يأتي للانتقام، بل جئت إليكم كصديق لتقديم العون والمساعدة لكم أجمعين، وأنقذكم مما أنتم فيه من خطر.

–      المَلاَّحُ: هيا اسرعي أيتها الأمْوَاج العاتية، فالسفينة صارت في مهب الريح، وصرنا كما ترىن قاب قوسين أو أدنى من الغرق الأكيد، فهيا أخبرينا كيف ننجو من حائط الإِعْصَار؟

–      الأمْوَاج: عليك أنت أَيُّها المَيْمُونُ أن تتولى دفة القيادة، ومعك لُؤْلُؤة، في حين يتولى المَلاَّحُ نزح ما يتسلل فوق سطح السَفِينة من المياه، ولا تَنْسَ كذلك أَيُّها المَلاَّحُ أن تضع نُصْبَ عينك على تلك المَحَارة الصغيرة الطيبة، حتى لا تلقي بها العاصفة إلى مياه البَحْر العميق، ونحن مشغولون هكذا بأمر السفينة الغارقة.

–      المَلاَّحُ: لك الأمر والطاعة أيتها الأمْوَاج العاتية، فها نحن جميعا قد نفذنا أوامرك بكل دقة، فماذا بعد أيتها الأمْوَاج؟

–      الأمْوَاج: عليك أنت أيضا أَيُّها المَيْمُونُ أن تتذكر دائما، أنك أقوى من أية أمْوَاج عاتية قد تهاجمك مدفوعة بأمر الأعْاصَير القوية المدمرة، فإذا ما أقدمت إليك تلك الأمْوَاج، فلا تخف بل اثبت مكانك، وحاول أن تصعد فوقها بسفينتك ولا تجعلها هي من تصعد فوقك، مهما حدث.. هل فهمت أَيُّها المَيْمُونُ؟

–      المَيْمُونُ: نعم فهمت، ها هي المَوجَة قد اقتربت مني أيتها الأمْوَاج الناصحة، فأخبريني كيف أصعد إذن فوقها؟

–      الأمْوَاج: لا تخشَها، وتذكر دائما المثل الذي يقول إن “الربان الماهر هو من يركب ويصعد فوق الأمْوَاج ولا يدع الأمْوَاج يى من تركب وتصعد فوق سفينته”، وإلا تسلل الماء فوق السَفِينة، وثقل وزنها، وصارت مياه البَحْر غير قادرة على حملها، فتغرق في النهاية، بدل أن تطفو، فكن أنت ذلك الربان الماهر أَيُّها المَيْمُونُ.

–      لُؤْلُؤة: انظرى أيتها الأمْوَاج الصَّدِيقة، فهناك مَوجَة تالية قادمة من بعيد تبدو عالية، دفعتها رياح البر العاصفة، فأنا أخشى هذه المرة أن تتفوق على المَيْمُونُ، وتصعد فوق السَفِينة، فيتسلل الماء إلى سطحها فنغرق أجمعين.

–      الأمْوَاج: هيا احترس وكن حذرا أَيُّها المَيْمُونُ هذه المرة من تلك الموجة القادمة.

–      المَيْمُونُ: لكن هذه الموجة تبدو كالجبال الشامخات أيتها الأمواج ، فهى تتحرك وتَخطُو تجاهنا بسرعة فائقة، فهل أستطيع هذه المرة تفاديها والصعود فوقها؟

–      الأمْوَاج: بالفعل تستطيع أَيُّها المَيْمُونُ الماهر، وتذكر دائما أن تلك الأمْوَاج قد تبدو لك بالفعل أنها تتحرك من مكان لآخر فوق سطح البَحْر، لكنها في حقيقتها لا تتحرك على الإطلاق، فلا تَخف، فهي كسنابل القمح حين تهب عليها رياح عاصفة، هل رأيت سنابل القمح يوما تتحرك وتنتقل من حقل لآخر؟ بالقطع لا أَيُّها المَيْمُونُ، فهكذا تفعل الأمْوَاج.

–      المَحَارة: مع الأسف أيتها الأمواج، فقد تفوقت أمواج البَحْر على المَيْمُونُ هذه المرة، وها هي مياه البَحْر قد تسللت إلى سطح السَفِينة شبه الغارقة.

–      الأمواج: هيا يا لؤلؤة، أتركِ صَّدِيقك المَيْمُونُ، واذهبِ إلى صَّدِيقك الآخر المَلاَّحُ وساعديه سريعًا في نزح المياه من سطح السفينة، وإلا غرق الجميع.

–      لُؤْلُؤة سعيدة: لقد نجحنا بالفعل أيتها الأمواج، ولم يتَبقَ شيء من المياه فوق السفينة.

–      المَحَارة: ها هي الرِّيح العاصفة قد عادت من جديد، وقد ولدت معها أمْوَاج أراها عالية خطيرة، فهيا تشجع أَيُّها المَيْمُونُ، وابذل كل ما فى وسعك للإفلات منها هذه المرة، ولا تجعلها تنتصر عليك كالموجة السابقة.

–      الأمْوَاج: تذكر أَيُّها الربان الماهر أن الأمْوَاج لا تتحرك، بل هي تتذبذب فقط، وكل ما تستطيع أن تفعله هي بسفينتك أن تجعلها كقطعة من الفلين ترتفع تارة لأعلى ثم تنخفض تارة أخرى لأسفل، فإذا رأيت سفيتك وقد صارت كذلك، فلا تخف ولا ترتعد، ودع الأمواج تفعل ذلك، ولتكن سفينتك أيضا تلك القطعة من الفلين.

المهم هو ألا تسمح بمياه البَحْر أن تركب فوق سفينتك وتتسلل إلى سطحها.

–      المَيْمُونُ سعيدا: لقد نجحت هذه المرة أيتها الأمواج العاتية الناصحة، فلولاكِ لكنا الآن غرقى تأكلنا كائنات البَحْر المتوحشة في قاع البَحْر العميق.

–      المَلاَّحُ فرحا: حمدًا لله، لقد نجحنا ونجونا أَيُّها الرفاق، وعبرنا حائط الإِعْصَار ووصلنا بسلام إلى عَيْن الإِعْصَار، وها هي الرياح قد هدأت من جديد، وصارت المياه صالحة للإبحار، فهنيئا لنا أَيُّها الأصدقاء على النجاح، وشكرًا لك أيتها الأمواج على المساعدة .

–      الأمواج: الشكر لكم أنتم أَيُّها الأصدقاء، ولك كذلك أَيُّها المَيْمُونُ، ومنذ ذلك اليوم أصبحت أمْوَاج البَحْر العاتية والمَيْمُونُ أصدقاء وليسوا أعداء، ورغم كل هذه الصعاب، إلا أن الرَّفِاق الأربعة قرروا مواصلة المسير حتى قطعوا أميالا وأميالا طوال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى