الزتونةبيئة

رحلات الملاح الصغير| ماذا جرى للأصدقاء مع صخرة كليوباترا؟

رحلات الملاح الصغير، قصص علمية للأطفال يكتبها الدكتور طارق فرج، أستاذ جغرافية البحار والمحيطات بجامعة حلوان

بناء على طلب مَحَارة البَحْر الطيبة توجه الأصدقاء الأربعة فى يومهم الحادي عَشْر إلى صَّخْرَة كِلْيُوبَاتْرَا الساحرة، وما أن وصلت المَحَارة الطيبة ورأت حَمّامها الشهير في قلب الصَّخْرَة الساحرة من الداخل حتى اندهشت وتعجبت.

واختلف الرَّفِاق الأربعة، من يا ترى أنشأ هذا الحمام، ففي حين صمم المَيْمُونُ على أن أمواج البَحْر هي من فعلت، رأت المَحَارة ولُؤْلُؤة أنها ليست سوى الملكة كِلْيُوبَاتْرَا، ملكة مصر الجميلة، أما المَلاَّحُ، فرغم تأكده من عدم قدرة الأمواج على فعل ذلك، إلا أنه كان محتارًا بشأن من صمم هذا الحَمّام من بني البشر؟

ترى هل هى فعلاً الملكة كِلْيُوبَاتْرَا أم شخص آخر؟ وأثناء اختلاف الرَّفِاق الأربعة في هذا الأمر،  لمح المَلاَّحُ من بعيد فتاة جميلة في أحلى زينة تخرج من داخل الحَمّام وتقترب منهم، فَخُيل للملاح- أو هكذا تمنى- أن تكون هي المَلِكة كِلْيُوبَاتْرَا، قد جاءت بنفسها لتحسم أمر ذلك الحمام المثير..

–     المَلاَّحُ: هل تعرفين أَيُّتها الملكة العظيمة، قصة هذا الحَمّام، ومن أنشأه هنا في قلب صَخْرَتك الساحرة؟

–     المَلِكة مبتسمة: بالفعل أَيُّها المَلاَّحُ، فأنا من أقمته وأشرفت بنفسي على بنائه في قلب الصخرة .

–     المَلاَّحُ: ولماذ فعلتِ ذلك أيتها الملكة الجميلة؟

–     المَلِكة: فعلته لأصبح دوما جميلة ورائعة في عَيْن زوجى مارك أنطونيو .

–     المَلاَّحُ: وما قولك أيتها الملكة فيمن يقول إن الأمْوَاج هي من نحتت وشكلت ذلك الحَمّام الرائع الجميل؟

–     المَلِكة متعجبة: مستحيل أَيُّها المَلاَّحُ،  فهذا الحَمّام مياهه دوما متجددة، تأتيه مياه البَحْر من فتحة صخرية جانبية، تنصرف عنه المياه الزائدة من خلال فتحة جانبية أخرى، تدخله أشعة الشَمَس من فتحة ثالثة علوية لتدفئة مياهه، فكيف يمكن للأمواج غير العاقلة أن تصممه بهذه الدقة المتناهية؟

–     المَلاَّحُ: وما قصة حَياة صَّخْرَتك تلك منذ أن كانت طفلة وليدة حتى صارت هكذا شابة جميلة، يا ترى؟

–   المَلِكة: من زمن فات، أَيُّها الصَّدِيق، كانت جزءًا من جَزِيرَة صخرية كبيرة، ومع توالي ضربات الأمْوَاج للجَزِيرَة، تكون على إثرها قوس بَحْرى يتدفق منه المياه، حتى صارت أجمل من تلك الجَزِيرَة السابقة، و بمضي الوقت، انقسمتُ الجزيرة إلى صخرتين متجاورتين، كالمحب وحبيبه، المحب هو أنا، والحبيب هو زوجي مارك أنطونيو، لنقف معا، وجها لوجه، محبين، عاشقين، إلا أننا هذه المرة، قد وعَيْنا الدرس جيدا، فصرنا أمام أخطار الطبيعة، ومكائد البشر صامدين.

–     المَلاَّحُ: وما هي يا ترى نهاية قصة صَّخْرَتك الساحرة، هل ستكون نهاية حزينة، كنهاية قصة الحب التي كانت بينكِ وبين ومارك أنطونيو حين انتحرتما أنتما الاثنين؟ أم ستكون سعيدة جميلة هذه المرة، وستعيش شامخة صامدة أطول فترة ممكنة؟

–     المَلِكة:  بل هي نهاية سعيدة ورائعة يا صَّدِيقي، فصخرتي ما زالت شابة يافعة، قادرة على مقاومة قوى الإنْسَان والطبيعة، خاصة مع وجود الفتحات الثلاث، فهي من تمتص وتفرغ دوما طاقة غضب الأمْوَاج، التي تصر وتُصمم على زيارة صخرت باستمرار مع كل شتاء.

ثم غادرت وعادت الملكة كِلْيُوبَاتْرَا من جديد إلى حَمّامها الشهير، بعد أن حَكَت هي بنفسها قصتها مع حمامها الشهير، أو لنقل كما تمنى المَلاَّحُ طيلة حياته منذ أن كان صغيرا، أن تكون هكذا هي قصة الملكة كِلْيُوبَاتْرَا مع حمامها الشهير، ولم تكن إلا دقائق حتى ذهب المَلاَّحُ إلى الصَّخْرَة المقابلة، ثم تبدل حاله من حال إلى حال، فصار حزيناً بعد أن كان سعيدا.

–     المَيْمُونُ: ما بالك قد حزنت هكذا أَيُّها المَلاَّحُ حين نظرت للصَّخْرَة الأخرى المقابلة لصَّخْرَة كِلْيُوبَاتْرَا الساحرة؟

–     المَلاَّحُ: ذهبت أبحث عن حبي الآخر المقابل لصَّخْرَة كِلْيُوبَاتْرَا، قوس الصخرة السعيدة، الذى أحببته عمرا وعشت معه زمنا، فوجدته مع الأسف قد مات ورحل عني، وصار حاله حزينا وليس كما كان دائما سعيدا.

–     المَحَارة: وما هذا القوس السعيد الذي تتحدث عنه أَيُّها المَلاَّحُ؟

–     المَلاَّحُ: هي صخرة مستديرة، رائعة وجميلة، تشبه فتحة الشباك، يمكن لمن يقف أمامها أن يرى ما وراءها، وقد كانت دوما سعيدة بسبب وجود من كان يهتم بجمالها، ويهوى التصوير بجوارها، وبعد أن ماتت وزال جمالها سارت الآن صخرة غريبة منبوذة لا يهتم أحد بزيارتها على الإطلاق.

 

–     المَحَارة متعجبة: وهل صخور البَحْر مثل بقية مخلوقات الله، تحيا وتموت أَيُّها المَلاَّحُ؟

–     المَلاَّحُ حزينا: بالفعل أيتها المَحَارة، فالصخور مثلنا تماما تحيا وتموت، فكل صَّخْرَة تبدأ حياتها طفلة صغيرة، ثم ما تلبث أن تصير شابة جميلة، لتصبح في النهاية عجوزًا.

–     المَحَارة متعجبة: وهل صخور البَحْر أيضا تشعر وتتألم مثل بني البشر والحيوان؟

–     المَلاَّحُ: قلوب بعض الصخور بالفعل أيتها المَحَارة الطيبة أكثر رأفة ولينا من قلوب العديد من بنى البشر.

وأخيرًا حاول الأصدقاء الثلاثة إخراج المَلاَّحُ من حالته السيئة، التي سببها فقده للقوس السعيد، وبالفعل نجحوا في ذلك، خاصة بعد أن ذكرته لُؤْلُؤة بحلمه وأمله في الحَياة منذ أن كان صغيرا لزيارة مَملِكة المَرْجَان، ودعته للأمل والتفاؤل وعدم اليأس، فما زال لديه الكثير من العمل، الذي يجب إنجازه في طريق الوصول إلى مَملِكة المَرْجَان.

وما أن تذكر المَلاَّحُ  حلمَه وحلَم الأباء والأجداد حتى عاد يقظا نشيطا أكثر مما كان، ورأى عدم الذهاب إلى صخرة الغرام الرائعة التي لا تبعد سوى بضعة كيلومترات عن صخرة كليوباترا، والتي كان يتمنى دوما زيارتها، فما تبقى من وقت، لن يسمح إلا بمواصلة المسير بأقصى سرعة ممكنة في اتجاه مَملِكة المَرْجَان، فقرر العمل على مدار اليوم، ومواصلة الإبحار في الليل والنهار، ففي حين يتولى المَلاَّحُ برفقة المَحَارة قيادة السفينة أثناء النهار، يستلم المَيْمُونُ ومعه لُؤْلُؤة القيادة أثناء الليل، وبالفعل نجح المَيْمُونُ في مساء هذا اليوم في قطع مسافات طوال.

وحين استلم المَلاَّحُ والمحارة مهامهما في النهار، كان المَلاَّحُ على ما يبدو ما زال مجهدا متأثرا بالأحزان، فغفت عَيْناه، في حين رأت المحارة سحابة سميكة مظلمة تأتي فجأة من بعيد، وحين تدنت واقتربت تدلى منها قمعا على هيئة خرطوم الفيل، وكان هذا الخرطوم يرتفع تارة ويتدلى تارة أخرى، يضرب معه كل كبير وصغير، فأيقظت المحارة الملاح فورا بصوتها الخافت الضعيف من داخل حوضها الزجاجي، وحين استفاق الملاح لم يجد السفينة، إلا وهى تقترب من خرطوم الفيل، فاعتقد لبرهة أنه ليس سوى حلما مخيفا، ثم أدرك بعد ذلك أنه الإِعْصَار الخطير، وها هي السَفِينة بالفعل باتت في مهب الرِّيح ترقص رقصة الموت الأخيرة وتغرق مترنحة في المياه، فقد أوشكت على الدخول إلى حائط الإِعْصَار، وهنا صاح الملاح طالبا النجدة من المَيْمُونُ ولُؤْلُؤة.

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى