وجوه

“عبدالصبور” صديق النخل يروى رحلة 20 عامًا في “التفليق”

تصوير- أحمد دريم

عشرون عامًا قضاها عبدالصبور أحمد برفقة النخيل، ليحترف وهو فى سن الأربعين “التفليق”، أى شق جذوع النخل وصنع “أفلاق”، ليصير النخيل صديقه الصدوق يحكى معه تارة ليؤنسه فى مشاق عمله ويشكو له تارة أخرى أحوال الحياة ويودع أسراره فى قلب جذوعه.

عبدالصبور يروى رحلته مع “التفليق”

المكان

فى قرية الخوالد بمركز ساحل سليم، وعلى ضفاف الترعة الرئيسية تراه واقفا يشق قلب النخلة بمدقة حديدية ليفلقها نصفين ثم إلى أجزاء، وحوله تتناثر مشتقات النخيل من ليف وجريد وسعف.

زيه المعتاد رداء الجيش الزراعى القديم وحذائه “كازلك” بلاستيكى أبيض، وعلى رأسه غطاء لصد وهج الشمس صيفا وبرد الجو شتاءً، وحوله طفله الصغير الذراع الداعم والمساعد له فى حرفته.

عبد الصبور يشق قلب النخلة بمدقة حديدية

الرحلة

بدأ عبدالصبور شارحا مهنته: عمرى أربعون عاما ومهنتى “مقلم نخل”، تعلمت المهنة وأنا فى سن العشرين ولم تكن مهنة متوارثة بل أحببتها نظرا لدخلها الكبير، وتعلمتها فى بستان كان لنا على يد عمال مختصين فى المجال.

تبدأ رحلة عملى من رأس النخلة فأتسلق إلى قبتها وأنزع عنها جريدها ثم نربطها بحبل حتى تُقتلع جذورها من الأرض وتسقط كما هى على حالها الآن.

عبد الصبور “تعلمت المهنة وأنا فى سن العشرين”

أدوات

لم تتوقف أيدى عبدالصبور عن عمله طوال حديثه الشيقة، فكان فم ينطق ويد تفلق جذع النخل، وأوتاد تشق طريقها فى الجذع لتصنع منه أطوالا وأقساما متفاوتة ليستأنف حديثه: أدواتى هى كاسور وبلفظ آخر مدقة وأوتاد ومشتل حديد، والكاسور وندق به والمشتل “بيفتح أول النخلة”، وبعدها نضع الأوتاد وهى عشرة أوتاد بأحجام متفاوتة تبدأ من الأصغر ثم الأكبر فالأكبر.

مدقة وأوتاد ومشتل حديد أدوات عبد الصبور فى التفليق

الصناعة

ما بين جذع نخيل مفلوق لنصفين وجذع آخر تحول لأجزاء طولية بأطوال متساوية يشرح صديق النخيل: نشق جدع النخلة إلى نصفين أو أربعة أجزاء أو ستة.

ونصفين فى حالة استخدامها كمعدية على ترعة للمرور عليها أو لعقد سطح بيت أو مزرعة دواجن، وتقطع أربعة أجزاء فى حال استخدامها كتعريشة للحيوانات، أما ستة أجزاء ففى حال استخدامها لتكون كمسند يعدل أشجار الرمان المائلة.

عبد الصبور “نشق جذع النخلة إلى نصفين أو أربعة أجزاء أو ستة”

المصدر

حول كيفية الحصول على النخيل من البداية يروى عبدالصبور: لا نقطع إلا الأشجار التى نخر فيها السوس وأصحابها استغنوا عنها فأنا لا اشتريه بل هم يريدون التخلص منه “بيبقوا عايزين ينضفوا المكان فأنا بشيله” أو يكون وجود النخلة له ضرره الكبير فمثلا مائلة على بيت وتهدد أرواح ناس.

وهناك من يحادثنى من أماكن عديدة ليس بالخوالد فقط، بل فى أكثر من مكان ويطلب منى إزالة النخيل ولا أدفع له ثمن شراء فجميعها أشجار نخيل يريد أصحابها التخلص منها لأنها عديمة الفائدة ومن المستحيل قطع نخلة غير مصابة وسليمة “ده ذنب كبير”.

عبد الصبور “لا نقطع إلا الأشجار التى نخر فيها السوس وأصحابها استغنوا عنها”

منتجات

مشتملات عدة لنخلة واحدة تتراص جميعها حول الصانع وحولها يقول: الليف أحد المنتجات التى يخرجها النخيل وله استخدامه الخاص وزبائنه وطلابه ويستخدم لعمل الحبال وكذلك مكانس ومساند، والجريد له جانب آخر فى الاستخدام يستخدمه البعض فى عمل شعاب للرمان والعنب ويستخدمه أيضا القفاصون لعمل أقفاص العيش والطماطم والمانجو، وأصل بمنتجاتى حتى مدينة أسيوط فهناك زبائن منها لهم طلباتهم الخاصة. وحاليا مثلا مطلوب منى 500 قطعة.

الليف أحد المنتجات التى يخرجها النخيل

مشاق

لكل مهنة مشاقها الخاصة وحلوها ومرها، وعن مرها يذكر عبدالصبور: ” فى مطلع البلح بنتعب عشان بندلى على إيدينا والجذوع بتاكل إيدينا”

ربح

أما عن حلوها فيروى: ربحها كبير فأحيانا يدخل جيبى من 200 إلى 300 جنيه فى اليوم، ومهنتى الأساسية مبيض محارة ولكنى آثرت احتراف تلك المهنة لأن ربحها ودخلها أكبر بكثير.

عبد الصبور “فى مطلع البلح بنتعب عشان بندلى على إيدينا والجذوع بتاكل إيدينا”

توريث

يتابع: أولادى جميعهم متعلمون وحاصلون على دبلومات فنية ويصرون على استكمال مسيرة حرفتى وكلما قلت لهم توجهوا للسيراميك يرفضون “يقولوا لا  دى رزقها حلو”.

عبد الصبور “أولادى جميعهم متعلمون”

راحة

يد تشققت وحَفر جذع النخيل القاسى ملامحه بها وتغير لونها من كثرة مجابهة الشمس، وظهرٌ اعتاد الإنحناء، وقدمٌ لا تعرف وقتا للراحة سوى بضع دقائق مسروقة لينهى حديثه قائلا: “بنتعب بس الحمد لله لما بقبض فلوس برتاح”.

عبدالصبور “بنتعب بس الحمد لله لما بقبض فلوس برتاح”

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى