الزتونةبيئة

رحلات الملاح الصغير| الأصدقاء في جزيرة الأنهار الآسرة

رحلات الملاح الصغير، قصص علمية للأطفال يكتبها الدكتور طارق فرج، أستاذ جغرافية البحار والمحيطات بجامعة حلوان

ما إن وصل الرَّفِاق الأربعة فى صباح اليوم التاسع إلى جَزِيرَة الأَنهار الآسِرة حتى نزل المَلاَّحُ ومعه لُؤْلُؤة إلى سطح الجَزِيرَة، في حين ظل المَيْمُونُ هذه المرة حارسًا للسَفِينة والمَحَارة الطيبة.

وفي طريقهما للتزود بالوقود ظهرت فجأة، سُحب ركامية تسير بسرعة فائقة، ليصير لون قاعدتها بعد ذلك معتمة مظلمة، مصاحبة لوميض برق أضاء السماء، وأصوات قَعْقَعَةُ وكركبة وتصفيق من الرَّعد، وكأنه قصف مدافع فى معركة حربية.

ومع هبوب نفحات شديدة من الهواء البارد، انحنت أمامها الأشجار الصغيرة، فارتعدت لُؤْلُؤة خوفا، في حين أدرك الملاح أنها ليست سوى علامات قدوم العاصفة الرَّعدية، التي عادة ما تأتي فجأة على حين غرة وتذهب أيضاً فجأة.

وخلال رِحلة البحث عن الوقود، بين قرى البدو المبعثرة فوق سطح الجَزِيرَة، ازدادت الأمطار غزارة حتى امتلأت بطون الأودية عن آخرها بالمياه، فصارت سيولا جارفة، تكتسح معها كل من يحاول الوقوف في وجهها سواء كانت صخورًا أو حيوانات أو حتى إنْسَان.

فما كان على المَلاَّحُ وصَّدِيقته لُؤْلُؤة، إلا وابتعدا عن مخراتها ومجاريها الخطيرة، ودعوا الله الأمن والحماية، وبعد ساعة أو ساعتين هدأت العاصفة، وامتنع المطر عن الهطول، وتوقفت السيول عن الجريان.

ونجح الرَّفِيقُان أخيرا، فى الحصول على وقودهما المطلوب، فقررا العودة ثانية إلى مياه البَحْر العميق في نفس عصر اليوم حتى لا تتعرض المَحَارة الطيبة للخطر على ظهر السَفِينة، كما حدث بالأمس القريب.

وأثناء عودتهما سيرا على الأقدام،  نظرت لُؤْلُؤة لأعلى صوب السماء، ثم سألت عن سبب تلك الأضواء العالية التي ظهرت فجأة فى السماء، فأجابها الملاح أن ذلك الضوء هو ضوء البرق، الناتج عن تصادم سحابتين لهما خصائص مختلفة.

أما ذلك الصوت فليس إلا صوت الرَّعد الناتج عن التمدد الفجائي للهواء، عندما ترتفع درجة حرارته بمرور البَرْق فيه…

ثم سألت لُؤْلُؤة بعد ذلك عن سبب مشاهدتها البَرْق أولا قبل سماع صوت الرَّعد، فأجابها الملاح لأن سرعة الضوء أكبر من سرعة الصوت، بالتالي يصل إلينا الضوء أولا، في حين يتأخر الصوت بضع ثوان، ثم نظرت لُؤْلُؤة بعد ذلك لأسفل نحو سطح الأرض وتعجبت لحال تلك المجاري المائية التى  شاهدتها فى الصباح جافة ثم صارت ممتلئة بالمياه قائلة:

–      ماذا تعرف أَيُّها المَلاَّحُ عن تلك الْمَجَارِي المائيَّة التى كانت جافة هادئة فى الصباح، ثم امتلأت فجأة بمياه السيول الجارفة المدمرة؟

–      المَلاَّحُ: هذه المجاري المائية يا لُؤْلُؤة، كانت منذ زمن بعيد في العصر المطير عامرة ممتلئة بالمياه، ثم جفت عنها المياه منذ زمن بسبب الجفاف، ثم عادت وامتلأت مؤقتا برخات الأمطار الفجائية، كما تجدينها الآن، وما هى إلا أيام وربما ساعات قادمة، حتى تجف مياهها من جديد، وتعاود سيرتها الأولى، كما كانت جافة قاحلة خالية من المياه بسبب شدة الحرارة والجفاف .

–      لُؤْلُؤة: وهل هذه الْمَجَارِي المائية الصغيرة، أَيُّها المَلاَّحُ هي التى كونت يوما مَجَارِي الأَنهارٌ الكبيرة المتدفقة دائما؟

–      المَلاَّحُ: بالفعل يا لُؤْلُؤة، فكثير من الأَنهار الكبيرة دائمة الجريان، لم تكن يوما سوى هذه الْمَجَارِي الصغيرة، فغذتها وما زالت تغذيها مياه الأمطار الدائمة، فتجمعت واتحدت مع بعضها حتى صارت تلك الأَنهار الضخمة الكَبيرة التي تراها اليَوْم أمامك ..

–      لُؤْلُؤة متعجبة: ولماذا تبدو بعض أنهار الدنيا الدائمة متعرجة ملتونة كأنها ثعابين؟

–      المَلاَّحُ: هي ملتوية هكذا بعد أن شاخت وضعفت وأصبحت على مواصلة الرحلة والمسير غير قادرة، فترنحت والتوت هكذا كما ترين يا لُؤْلُؤة.

وبعد لحظات نظرت لُؤْلُؤة من بعيد، فلمحت عددا من مَجَارِي الأَوْدية وقد اقتربت بشدة من بعضها بعضًا، بعد أن كانت قبل هطول الأمطار بعيدة، فسألت لُؤْلُؤة عن السبب ، فأجابها المَلاَّحُ  قائلًا:

–      لقد اقتربت هذه الْمَجَارِي من بعضها بعضًا يا لُؤْلُؤة، لا لشيء سوى لتلتهم وتأسر بعضها، بسبب قوة  تدفق المياه الجارية

–      لُؤْلُؤة متعجبة: وهل تلك الْمَجَارِي المائية الآسِرة، أَيُّها المَلاَّحُ، حين تفعل ذلك وتأسُر أخوة لها تفعله حبا وغراما؟

–      المَلاَّحُ: لا يا لُؤْلُؤة، فهذه الْمَجَارِي الآسِرةٌ، حين تفعل ذلك، إنما تفعلها لطبيعة زرعها الله في سلوكها، حتى تسود وتصبح هي الْمَجَارِي المائية السيدة السائدة بين كل الْمَجَارِي المائية المجاورة!

–      لُؤْلُؤة غاضبة: وكيف للأَنهار الرائعة الرقيقة أن تفعل ذلك فيما بينها دون رحمةأو شفقة؟! وما ذنب تلك الأَنهارٌ الضعيفة الأَسِيرة..؟! وكيف لهذه الأنهار أن تجمع هكذا بين المتناقضات ؟! كيف لها أن تكون آسِرةٌ وقاتلة، وفي نفس الوقت جميلة ومسالمة..؟ ثم وجهت لُؤْلُؤة بعد ذلك حديثها للأنهار متسائلة:

–      ألم يكن في الإمكان أيتها الأنهار أن يتم الأَسرُ بينكم حبا وغراما، وليس كرها وقهرا؟

وفى هذه الأثناء نظرت مَجَارِي المياه إلى لُؤْلُؤة وهى غَاضِبُة من كلماتها الجارحة، إلا أنها لم ترد ولم تعلق على الكلام، وكل ما فعلته فقط أن نظرت حزينة إلى صَّدِيقها المَلاَّحُ منتظرة أن يدافع ويرد بنَفْسِه على كلام صديقته لُؤْلُؤة…

ففهم المَلاَّحُ  الرِسالةُ، ونظر إليها نظرة صامتة حزينة وكأنه يرجوها الصفح والعفو والغفران، ليس له فقط ، بل أيضا لتلك اللُؤْلُؤة على ما بدر منها من سوء ظن، وربما أيضا سوء فهم.

إلا أن لُؤْلُؤة لم تتوقف عن الإساءة للأَنهار، واستمرت في اتهاماتها واصفة ما تقوم به الأنهار بأنها عمليات قرصنة، كتلك القرصنة التى يقوم بها السفلة والسفاحون في أعالى البحار، حين يهجمون على الضعفاء ويستولون على سفنهم وأغراضهم ثم يقتلونهم بعد ذلك، وهنا لم يستطع  المَلاَّحُ  الصمت والصبر حيال ما تقوله لُؤْلُؤة أكثر من ذلك، فخاطبها غاضبا:

–      كيف لك يا لُؤْلُؤة أن تلومي الأَنهارُ على أشياء نحن أنفسنا أول ما نفعلها مع بعضنا بعضا في اللَّيل والنَّهار ومع سبق الإصرار؟ وكيف لك أن تتهمي الأنهار بالتناقض، وأنت وأنا والمَيْمُونُ نفسه أول من يجمع بين هذه المتناقضات؟

–      لُؤْلُؤة حزينة: لماذا أَيُّها المَلاَّحُ تهاجمني هكذا؟ وما بالك تدافع عن صديقتك الأنهار بكل قوة، بل وتلتمس لها الأعذار تلو الأعذار؟!! ألستُ أنا أيضا صديقتك الوفية المخلصة؟

–      المَلاَّحُ: بالقطع يا لُؤْلُؤة، فأنتِ صديقتي المخلصة، كما أن الأنهار صديقتى أيضا، لكن ألا تعلمين يا لُؤْلُؤة أن تلك الأَنهار هي صانعة النماء والأرض الطيبة على ضفافها، التي نحيا ونموت فوقها، بل يكفيها فقط يا لُؤْلُؤة  أن “أم الدنيا”، هي هبة أحد أَنهارٌها العظام.

–      لُؤْلُؤة متعجبة: ومن تكون أم الدنيا هذه أَيُّها المَلاَّحُ؟ ومن يكون هذا النَهَرَ العظيم؟

–      المَلاَّحُ: أم الدنيا هي مصرنا الغالية، يا لُؤْلُؤة، أما نَهرها العظيم فهو نيلها الخالد الأصيل…

وهنا توقفت لُؤْلُؤة عن الجدال والنقاش وأدركت قيمة الأنهار وأهميتها ليس لمصر فقط بل ولكل دول العالم، فهي بالفعل مصدر المياه العذبة النقية والتربة الخصبة، ومصدر للترويح عن النفس والاستجمام، ومهد كل الحضارات على سهولها ودالاتها.

ولم يمضِ وقت طويل حتى سارعت لُؤْلُؤة الخطا مع صَّدِيقها المَلاَّحُ حتى وصلا سريعا إلى السَفِينة الراسية هناك عند شاطيء الجَزِيرَة قبل منتصف اللَّيل بقليل، حيث كانت المَحَارة الطيبة والمَيْمُونُ هناك بكل الأمن والخير، وقرر الرَّفِاق الأربعة مواصلة الرِحلة والمسير والاتجاه صوب الصَّخْرَة العجيبة…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى