بيئةتحقيقات

أسباب اختفاء زراعة القطن في قنا.. أين ذهب “الذهب الأبيض”؟

حتى منتصف السبعينيات، كانت زراعة القطن تنتشر في قنا بشكل كثيف، وبعد عام 1975 بدأت تنحسر زراعات الذهب الأبيض شيئًا فشيئًا حتى اختفت تماما.

بحسب مركز الإحصاء الزراعي فقد قدرت نسبة إنتاج محافظة قنا من إجمالي الإنتاج نحو 1.1% عام 1937، وارتفعت بين 1.3 إلى 1.5% بين عامي 1954 و1956، وكان الانخفاض الأكبر عام 1975 إذ بلغ إنتاج قنا نحو 0.5% من الإنتاج الكلي.

يمكن أن نعتبر الخمسينيات هي الفترة الذهبية لزراعة القطن ليس لقنا وحدها بل لمصر عموما، وفي 23 فبراير 1951 قال تقرير نشرته إجيبشيات جازيت إن هذا المحصول الاستراتيجي تأثر عالميًا بشكل بالغ رغم وفرة الإنتاج.

القطن
حقل قطن- المصدر: مجلة الزراعة المصرية نوفمبر 1959

وأرجع تقرير الصحيفة إلى سياسة التخزين التي انتهججتها مصر، لسد احتياجاتها من المواد الأولية عقب نشوب الحرب الأهلية في كوريا (الحرب الأهلية الكورين 1950- 1953).

القطن في الخمسينيات

عندما نُشر تقرير إجيبشيان جازويت ضمن عدد خاص بمناسبة مؤتمر القطن، كان هذا المحصول الاستراتيجي يسهم بنحو 6 إلى 7% من جملة الإنتاج العالمي، ومع أن هذه النسبة ضئيلة، إلا أن الشعبية العالمية التي كان يتمتع بها القطن جعلت الطلب عليه أكبر عالميا.

سمعة القطن جعلت منه محصولًا عالميا يسهم بنحو 86% من جملة الصادراتت المصرية، ويدير نحو 84 مصنعًا، تنتج سنويًا أكثر من 16 مليون قطعة قماش وملابس من القطن المصري الأصيل.

وبين عامي 1952 إلى 1992، كان زراعات القطن تراجعت من 1967 ألف فدان، إلى 840 ألف فقط، ليحتل نسبة 7% من الزراعات فقط.

[googleapps domain=”docs” dir=”spreadsheets/d/e/2PACX-1vS0w172cL5SxcbouAFuqE4iKmlr66vrGe0csTKo3wVx7r35zqDxEY7q6qIIW8bk45KJU7QzePFy7z20/pubchart” query=”oid=1428366581&format=interactive” width=”600″ height=”371″ /]
أسباب اختفاء الذهب الأبيض

الدكتور جمال حمدان في كتابه “من خريطة الزراعة المصرية” يقول إن قنا من المحافظات التي تشهد زراعة القطن بسبب المناخ وطبيعة الأرض الزراعية وخصوبتها، وأنها تنتح في المتوسط نحو 4.1 قنطار.

بحسب حمدان فإن الصنف الذي كان يزرع في قنا كان يطلق عليه “دندرة”، وهو نوع من البذور متوسط التيلة، ويستطيع تحمل الحرارة الشديدة ويمتاز بالنضج المبكر، وهو ما كان مناسبًا للصعيد.

وارجع حمدان أن استمرار انخفاض زراعة القطن في جنوب الصعيد وخاصة محافظتي قنا وأسوان بعد عام 1975 إلى عوامل المناخ في الأساس، تتعلق بحرارة وجفاف التربة، إلى جانب توطين الري الحوضي، كل ذلك أثر بشكل سلبي على الإنتاج، ولذلك انكمشت زراعة القطن في تلك المناطق، وحل محلها زراعة القصب.

الدكتور حسنى مبارك، الأستاذ بكلية الزراعة جامعة جنوب الوادي، يقول إن زراعة القطن تجود في المناطق التي لا يقل فيها متوسط درجة الحرارة عن 25 درجة مئوية.

ولأنه محصول صيفي يُزرع في الربيع، ويستمر في الحقل ناميًا نحوأكثر من ستة أشهر، لذلك يتحتّم ضبط مواعيد الزراعة لضمان نضجه بصورة كاملة قبل حلول موسم الخريف وانخفاض درجات الحرارة.

التغيرات المناخية

بحسب مبارك فإن أسباب اختفاء زراعة القطن في محافظة قنا، وفقا للبحوث الزراعية، ترجع إلى عوامل المناخ المختلفة والمتقلبة، بالإضافة إلى أنه يحتاج إلى مناخ ليس جافا، بعكس ما أصبح عليه جنوب الصعيد.

ويشير إلى أن التغيرات المناخية ومنها درجة الحرارة والرطوبة الرياح، ودرجة السطوع الشمسي والصقيع غيرت الخريطة الزراعية في الجنوب، واختفت زراعات منها القطن وحل محلها زراعات أخرى كالقصب.

درجة الحرارة المناسبة لإنبات القطن في التربة هي 35 درجة مئوية، تكون عملية النمو أكثر بطئًا عندما تنخفض إلى 17 درجة مئوية، أما إذا وصلت إلى 15 درجة فعندئذ يتوقف الإنبات تمامًا.

أما درجة الحرارة المثالية لزراعة القطن تتراوح بين 24 إلى 28 درجة مئوية، لأن درجات الحرارة المنخفضة تسهم في إصابته بالتعفّن، كما أن الصقيع يعد ألد أعداءالمحاصيل الحساسة كالخضراوات والقطن.

توقف زراعة القطن  في قنا

ويرى أشرف عبدالرازق، وكيل وزارة الزراعة بمحافظة قنا، أن زراعة القطن في قنا توقفت فعليا بحلول عام 1976، عندما صدر قرار وزاري بتوقف زراعته، واستبداله بالقصب كما أن القانون الزراعي كان يحتم زراعته على مساحة لا تقل عن 50 فدانا، بينما كانت مساحات الأراضي صغيرة لا تسع الزراعتين معا.

يتابع أن هناك 120 ألف فدان من تلك الأراضي التي كانت تزرع بالقطن، أي بما يعادل نصف أراضي قنا تقريبا تزرع بقصب السكر، الذي يُزرع في 38 % من جملة الأراضي الزراعية في مصر.

زراعة القصب

يرى عبد الرازق أن المزارعين الذين اعتادوا زراعة القصب، لن يجازفوا بزراعات أخرى مثل القطن، لا سيما أن زراعة القصب أصبحت من أهم الزراعات التي تشتهر بها المحافظة في الوقت الحالي.

يشار إلى أن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء قال إن نسبة المساحة المزروعة بالقطن في مصر تبلغ نحو 216 ألفًا و800 فدان، وبلغت كمية الصادرات نحو 86.2 ألف قنطار خلال الربع الرابع من موسم 2016/2017

وبلغت كمية الاستهلاك المحلي من القطن في الفترة من يونيو حتى أغسطس 2017 نحو 43.8 ألف قنطار متري، مقابل 117.8 ألف قنطار متري بين نفس الفترة عام 2016، بنسبة انخفــاض قدرها 62.8%، ويرجع هذا الانخفاض إلى انخفاض زراعة القطن، وتوقف بعض مصانع الغزل والنسيج عن الإنتاج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى