الزتونةبيئة

رحلات الملاح الصغير|كيف نجت المحارة من افتراس القرش؟

في اليوم الخامس من الرحلة  كان لِزامًا على الرَّفِاق الأربعة، وهم في طريقهم إلى مَملِكة المَرْجَان، اجتياز منطقة رأس القِرْش، وهي منطقة شديدة العمق عالية الأمواج، يأتى إليها أحد قروش البَحْر المهاجرة صاحب الأَسْنان المنشارية، ليبحث عن طعامه، ثم ينصرف مرة أخرى عائدا من جديد إلى مياه البَحْر البعيد حيث يسكن.

وكان الجميع خائفا من أن يكون ذلك القِرْش قد عَرَف موعد الرحلة، فيكون لهم بالمرصاد، ويهاجمهم أثناء المسير، وقد صدق بالفعل حَدْثَ الأصدقاء.

وقبل أن تصل السَفِينة إلى منطقة رأس القِرْش نفسها، كان القِرْش بالفعل في الانتظار، فهاجم السَفِينة، فدافع الجميع عنها بشجاعة وجسارة، غير أن القِرْش المُفْترِس لم ييأس على الإطلاق، وحاول الهجوم على السَفِينة بكل الطرق، فتارة يهاجم من جهة اليسار، وتارة أخرى من جهة اليمين.

وفجاة توقف القِرْش عن مهاجمة السَفِينة، فتعجب الجميع، وتساءلوا: أين يا ترى قد ذهب القِرْش المُفْترِس؟ اعتقد الجميع أن القِرْش من شدة المقاومة، قد يأس وآثر الابتعاد.

فما كان من المَلاَّحُ ، إلا أن طلب من رفاقه أن يرسوا بالسفينة بجوار ساحل أحد خلجان البحر القريبة المناسبة، من حيث هدوء الأمواج وقلة العمق للراحة، وتناول الطعام والتقاط الأنفاس، وبالفعل كان ما أراد المَلاَّحُ  ورَست السَفِينة فى الخليج المطلوب.


–      المَلاَّحُ: هيا أَيُّها المَيْمُونُ، أطلب من الرَّفِاق الثلاثة المجيء لتناول الطعام، وإحضار خريطة المكان لمراجعة خطة اجتياز وعبور منطقة رأس القِرش.

–      المَيْمُونُ: الكل جاهز لتناول الطعام باستثناء مَحَارة البَحْر الطيبة، فهى لم تُلَبَ بعد النداء…

–      لُؤْلُؤة  صارخة: مصيبة أَيُّها الرَّفِاق، فقد بحثت عن مَحَارة البَحْر، ولم أجدها فوق ظهر السَفِينة على الإطلاق ..

–      المَلاَّحُ: هل بحثت عنها قرب الشاطيء يا لُؤْلُؤة، فربما قد غادرت بيتها الزجاجي لالتقاط بعض الطعام..

–      لُؤْلُؤة: لقد بحثت عنها فى كل مكان، إلا أنها مع الأسف غير موجودة على الإطلاق ..

–      المَيْمُون: يبدو أننا قد فقدنا صَّدِيقتنا المَحَارة الطيبة أَيُّها المَلاَّحُ ..

–      المَلاَّحُ غاضبا: وكيف ذلك أَيُّها المَيْمُونُ؟

–      المَيْمُونُ: يبدو أَيُّها المَلاَّحُ أن قرش البَحْر المُفْترِس قد ابتلع القفص الحديدي وبداخله مَحَارة البَحْر الطيبة…

–      المَلاَّحُ غاضبا: ألم تتأكد من وجودها على ظهر السَفِينة قبل أن نغادر مياه البَحْر العميق أَيُّها المَيْمُون…

–      المَيْمُونُ حزينا: لا أَيُّها المَلاَّحُ، فقد نسيت أن أفعل ذلك، فقد شغلنا أمر هذا القِرْش اللعَيْن…

–      لُؤْلُؤة منفعلة: كيف لك أن تنسى مثل هذا الأمر الخطير يا ميمون؟

–      المَيْمُونُ مترددا: وما العمل الآن إذن أَيُّها المَلاَّحُ، هل نعود ثانية إلى مياه البَحْر الخطيرة، لنجدة مَحَارة البَحْر الطيبة؟ أم نكتفي بما حدث لنا اليَوْم، ونمكث على الشاطِئ مبتعدين عن الخطر؟ ونترك مَحَارة البَحْر تواجه مصيرها بنَفْسِها ..

–      لُؤْلُؤة غاضبة: ما كنت أعرفه عنك قبل الأن أَيُّها المَيْمُونُ أنك فقط جبان، ولم أكن أتوقع منك على الإطلاق أن تكون نذلًا وضعيفا…

–      المَلاَّحُ صارخا: كيف لك أَيُّها المَيْمُونُ أن تقول مثل هذا الكلام السخيف الخطير، فماذا لو كنت أنت أَيُّها المَيْمُونُ مكان مَحَارة البَحْر الطيبة، هل كنت تتوقـَّع منا أن نتخلى عنك، ونتركك فَريسةُ سهلة وحيدة فى بطن القِرْش؟ أم أنك كنت تتوقـَّع أن نعود مجددا، لنجدتك وننقذ حياتك من أنياب تلك السَّمَكة المتوحشة؟

–      المَيْمُونُ نادما: سامحني أَيُّها المَلاَّحُ، فلو كنت بالفعل مكان مَحَارة البَحْر الطيبة، لانتظرت عودتكم لانقاذي بفارغ الصبر.

–      لُؤْلُؤة: وهكذا هو حال مَحَارة البَحْر الطيبة الآن أَيُّها المَيْمُونُ، فهي صَّدِيقتنا الطيبة التي عاهدتنا وعاهدناها من قبل على أن نبقى معا في السراء والضراء أصدقاء أوفياء، فكيف لنا الآن أن نخلف وعدنا وننقض اتفاقنا؟

وكيف نترك هذه المَحَارة المسكينة تواجه مصيرها وهى هكذا فى حوضها الزُجاجي حبيسة وفى بطن القِرْش أسيرة؟ وماذا نقول إذا ما قابلنا مَحَارة البَحْر العجوز يوما؟ هل نقول لها لقد ضيعنا أمانتك مَحَارة البَحْر الطيبة، بسبب ضعفنا وخوفنا من القِرْش المُفْترِس؟


–      المَيْمُونُ باكيا: لا والله يا لُؤْلُؤة، لن نترك صَّدِيقتنا حبيسة أسيرة فى بطن القِرْش، مهما كلفنا الأمر، فهذا أبدا لن يكون، حتى ولو كان الثمن حياتنا أجمعين، فإما أن نعيش معا نحن الأربعة أو أن نموت معا..  ثم طلب المَيْمُونُ من المَلاَّحُ العودة على الفور إلى المياه العميقة لمواجهة القِرْش المُفْترِس، وإنقاذ محارة البحر الطيبة، وهنا رد عليه المَلاَّحُ قائلا :

–      لا والله أَيُّها المَيْمُونُ، فهذا ما يريده بالفعل القِرْش اللعين، فالحل الوحيد لنا للقضاء عليه أن نجعله هو من يأتي إلينا في منطقة الخليج الضحلة، ولسنا نحن من نذهب إليه فى بيته في مياه البحر العميقة.

فسألت لُؤْلُؤة عن الخطة؟ فأجابها المَلاَّحُ قائلا:

–      هذا الخليج الذى نحن فيه يا لُؤْلُؤة يوجد عند نهايته من جهة البر بحيرة ضحلة منعزلة، يقل عمقها عن المتر، أشبه ببركة المياه الموحلة، حيث يتراكم بها الرمل والطين، وهي لنا بمثابة “المصيدة” للقرش، فإذا ما نجحنا في استدراجه  إليها، واحتجازه داخلها ، ستكون بالنسبة له بمثابة المستنقع ولن يستطيع منها الإفلات أو الفكاك، مهما بلغت قوته وحنكته، وحينها فقط يمكننا حصاره والهجوم عليه وقتله في الحال.

وكيف لنا أن نجذب ذلك القرش القاتل إلى هذه البركة الضحلة من المياه؟ هكذا سأل المَيْمُونُ

فما كان من المَلاَّحِ إلا وأخرج سكينا من جيبه وجرح ذراعه جُرْحا بسيطا.. ثم التقط قطرات من دمه وألقى بها فى مياه الخليج ..! فتعجب المَيْمُونُ وسأل لُؤْلُؤة عما يفعله المَلاَّحُ؟

–      لُؤْلُؤة: ما تراه بعَيْنك أَيُّها المَيْمُونُ،  فسَمَكة القِرْش هذه، يمكنها أن تشتم قطرة صغيرة من الدماء عن بُعد، وعاجلا ستجدها تأتي إلى هنا جامحة عطشانة لمزيد من الدماء!

وبالفعل ما هي إلا ثوان قليلة حتى ظهر القِرْش وجاء إلى مياه الخليج مسرعا، وقد بدى عليه هذه المرة العنف والشراسة أكثر من المرة السابقة، إلا أنه لم يشأ أن يذهب إلى بحيرة المياه الموحلة، وكأن القرش بالفخ الذي نصب له من قبل المَلاَّح مطلع عليم.

وهنا تسألت لُؤْلُؤة، وما الحل الأن أيها المَلاَّحُ، لقد رفض القرش على ما يبدو السباحة إلى البحيرة، فما كان من المَيْمُونِ إلا أن ركب القارب الخشبي الصغير واتجه به مسرعا صوب مياه البحيرة الموحلة، ثم أخرج سكينه وجرح يده بها جرحا غائرا، فإذا بالدماء الغزيرة من يده تسيل وتتجمع داخل بحيرة المياه، ثم بدأ ينادي على القرش بأعلى صوت له محاولا استفزازه قائلا:

–      ها أنا ذا أيها القرش اللعين، داخل مياه البحيرة وحدي جريحا ، ودمى كما ترى فيها يسيل، فهيا تعال إلىَ وافترسنى، إن كنت حقاً قرشا شجاعا ..

–      لُؤْلُؤة متعجبة: ماذا يفعل ذلك المَيْمُونُ، فهو بذلك يلقى بنفسه في التهلكة؟

–      المَلاَّحُ: يبدو أن هذا المَيْمُونُ قد شعر بالذنب الشديد، فقرر أن يضحي بحياته من أجل تصحيح خطئه الذي كان، وينقذ المحارة الطيبة، وبالفعل لم تكن إلا ثوان حتى استُثِير القرش المفترس من استفزاز المَيْمُونُ، وقرر الاتجاه صوب مياه البحيرة الموحلة لافتراس المَيْمُونُ عقابا له.

وما كاد القرش يصل إلى هناك حتى غاص جسمه في الوحل والطين، وأصبح لا يمكنه العودة لبيته في المياه العميقة، ولا التقدم أكثر صوب مياه البحيرة الموحلة.


هنا أيقن المَلاَّحُ أن اللحظة المناسبة للانقضاض على القرش قد حانت، فها هو ذا القرش المفترس أصبح فريسة سهلة داخل المصيدة ، فما كان منه إلا أن ألقى المَلاَّحُ شباكه ذات الخيوط المتينة على القِرْش، وهو واثق من النجاح…

وبالفعل نجحت الشبكة في اصطياد القِرْش، فاتجه إليه المَلاَّحُ والمَيْمُونُ في الحال وسط المياه، وأخذا يطعناه بالسكين من اليمين ومن اليسار حتى أصبح القرش غارقا في الدماء، وصارت مياه البحيرة نفسها بركة من الدما.

وفي الأخير قام المَلاَّحُ بشق بطن القِرْش إلى نصفين، فإذا بالمَحَارة الطيبة، ما زالت على قيد الحَياة، آمنة لم تمسها أسنان القِرْش بسوء، لقد حماها قفصها الحديدي، وخرجت مسرعة صوب مياه البَحْر لاستنشاق هواء جديد، فقد كادت أن تختنق وتموت داخل بيتها الزُجاجيّ، وما أن عادت المَحَارة حتى شكرت الجميع لما فعلوه تجاهها، فهم بحق نعم الأصدقاء الأوفياء.

ولم يشأ المَلاَّحُ ولا لُؤْلُؤة أن يخبرا مَحَارة البَحْر بموقف المَيْمُونُ تجاهها، لأنه قد اعترف بذنبه وعاد ودافع عن المَحَارة الطيبة بكل جسارة وشجاعة، وأنقذوها جميعا من الفك المُفْترِس، وفي هذه اللحظة نظرت لُؤْلُؤة إلى وجه المَلاَّحُ، فوجدت سعادته تشوبها بعض الحزن والألم.

–      لُؤْلُؤة متعجبة: لماذا آراك حزينا هكذا يا صَّدِيقى المَلاَّحُ؟

–      المَلاَّحُ: والله يا صَّدِيقتي الوفية لُؤْلُؤة، رغم أن هذا القِرْش هو بالفعل حيوان قاتل ومُفْترِس، إلا أن صورته وهو مقتول وغارق في دمائه داخل البحيرة الموحلة، لا بد أن تترك في النفس أيضا، شيئا من الحزن والألم والشفقة، وقد يكون درسا للجميع يا لُؤْلُؤة، فالقويُ مهما بلغ من القوة والجبروت، فهناك دوما من هو أقوى منه، وإذا لم يكن هناك ذلك الأقوى، فإن الله دائما مع الضعيف بما يجعله أقوى وأقوى من الجميع.

فردت لُؤْلُؤة على المَلاَّحُ قائلة : معك حق بالفعل أَيُّها المَلاَّحُ، لكن دعنا نفرح الآن ونحتفل بعودتنا نحن الأربعة سالمين آمنين، وبغنيمتنا من لحم سَمَكة القِرْش مسرورين، وباستمرار مسيرتنا إلى مَملِكة المَرْجَان بنجاح فرحين مستبشرين.

 

رحلات الملاح الصغير| الأصدقاء يكتشفون سر موت الصخور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى