أخبار وتقاريربيئة

هل يزيد تغير المناخ تدفقات المياه بنهر النيل؟

يتسم التدفق السنوي غير المتوقع لمياه نهر النيل بأنه أسطوري، تمامًا كما أظهرته قصة النبي يوسف الذي تنبأ بسبع سنين من المجاعة التي تأكل مخزون الحبوب في الدولة المصرية القديمة التي كانت وما تزال تقوم على الزراعة، تليها سنوات الغوث والنجاة.

 القصة ذكرت القرآن الكريم “ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ” يوسف (49).

هذا التباين الأسطوري في تدفقات النهر الذي يصفه هيرودوت بأن مصر هبته، كان مؤخرًا محل دراسة أجراها باحثون بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في الولايات المتحدة الأمريكية.

أظهرت الدراسة أن التغيرات المناخية قد تزيد إلى حد كبير من مخاطر هذا التباين في معدلات التدفق السنوي لمياه نهر النيل.

إن القدرة على التنبؤ بكمية التغير في تدفقات المياه، أو حتى السنوات السنوات التي يتوقع أن ينخفض فيها معدل التدفق، تكتسب اليوم أهمية كبيرة أكثر من أي وقت مضى، نظرا للارتفاع المضطرد في أعداد سكان حوض النيل بشكل عام، وخاصة مصر التي تعد مخزنا بشريا يصل مجموع سكانه لأكثر من 90 مليون نسمة، والسودان، وإثيوبيا.

وتتوقع الدراسة أن يصل مجموع سكان هذه الدول الثلاث المليار نسمة بحلول العام 2050.

وتوضح الدراسة التي اعتمدت على مجموعة متنوعة من النماذج المناخية العالمية، وسجلات التساقط المطري، ومعدلات تدفقات المياه خلال الخمسين عاما الماضية، أن تغيرا مقداره 50% سيطرأ على كمية تدفق المياه من عام لآخر.

الدراسة التي نشرت حديثا في دورية “نيتشر كلايمت تشينج” وأجراها أستاذ الهندسة المدنية الفاتح الطاهر، والباحث محمد صيام، أوضحت أنه نتيجة لتأثير التغير المناخي، فإن ثمة زيادة متوقعة في تأثير ومدة ظاهرة المحيط الهادئ المعروفة باسم “إل نينو”.

وتشير الدراسة إلى أن “إل نينو” ترتبط ارتباطا وثيقا بالتغيرات السنوية في كمية التساقط المطري على الهضبة الحبشية في إثيوبيا وأحواض تصريف رواد نهر النيل المتاخمة للهضبة، وهذه الروافد هي المصادر الرئيسية التي تزود النيل بإيراده من المياه بإجمالي 80% من إجمالي تدفقاته.

يقول الباحث الرئيسي للدراسة الفاتح الطاهر، أستاذ الهندسة المدنية المتخصص في دراسات الهيدرولوجيا والمناخ، إن دورة فيضان نهر النيل كانت ذات أهمية بالغة بالنسبة للحضارة الإنسانية منذ آلاف السنين.

ويضيف أن علاقة الترابط التي أظهرتها الدراسة بين دورة “إل نينو” وهطول الأمطار على الهضبة الإثيوبية تهدف إلى المساعدة في التنبؤات الموسمية قصيرة الأجل لتدفقات النهر، من أجل التخطيط لمرحلة نقص التدفقات ومحاولة مواجهتها من خلال خزانات السدود على سبيل المثال.

“إل نينو”.. ظاهرة تُغير النظام البيئي كل 4 إلى 12 عامًا

ويتوقع الطاهر أن يوفر التحليل الجديد الذي أخرجته الدراسة، معلومات مفيدة لإعداد استراتيجيات طويلة الأجل لوضع السدود الجديدة والقائمة وتشغيلها، بما في ذلك سد النهضة الإثيوبي، الذي هو الآن قيد الإنشاء بالقرب من الحدود الإثيوبية مع دولة جنوب السودان.

ورغم تزايد الجدل بشأن سد النهضة الإثيوبي خاصة فيما يتعلق بكيفية ملء خزان السد الذي تتشكك دولة المصب (مصر) في تأثير سلبي محتمل له على مائيتها، فإن الدراسة تشير إلى أهمية التركيز على التأثيرات المحتملة لتغير المناخ بالتزامن مع النمو السكاني المتنامي كأهم محركات التغير البيئي في حوض النيل.

 وتقول الدراسة إن تغير المناخ يشير إلى الحاجة إلى مزيد من التوسع في تخزين المياه في المستقبل

واستعان الباحثان بعدد من النماذج والسيناريوهات المحتملة، مفترضين حدوث انخفاض في انبعاثات غازات الدفيئة، وتوصلا إلى أن أنماط هطول الأمطار المتغيرة من المرجح أن تؤدي إلى زيادة متوسط التدفق السنوي لمياه النيل من 10 إلى 15%، مفترضين نموا محتملا مقداره 12% في التدفقات السنوية، لترتفع من 80 كيلومترا مكعبا في السنة إلى حوالي 92 كيلومترا أو أكثر خلال القرن الحادي والعشرين، مقارنة بالقرن الماضي.

وتتوقع نتائج الدراسة زيادة عدد السنوات ذات التدفقات المائية المرتفعة التي تزيد على 100 كيلو متر مكعب، وسنوات أخرى أيضا من الجفاف، ما يعزز فرضية التغير بطريقة الطفرات.

وقد بدأ هذا النمط على مدى العامين الماضيين منذ عام 2015، وهو العام الذي شهد دورة شديدة لظاهرة إل نينو، وشهد ظروف الجفاف في حوض النيل، في حين شهد عام 2016 فيضانات عالية، وفق الدراسة.

وكما هو الحال حين نصح يوسف عليه السلام فرعون مصر، فإن معرفة مثل هذه التغيرات المحتملة يمكن أن تساعد المخططين على الاستعداد، عن طريق تخزين المياه في خزانات ضخمة ليجري استخدامها عند الحاجة إليها في سنوات الجفاف.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى