بيئة

رحلات الملاح الصغير| حديث الأصدقاء مع أمواج البحر العاتية

رحلات الملاح الصغير، قصص علمية للأطفال يكتبها الدكتور طارق فرج، أستاذ جغرافية البحار والمحيطات بجامعة حلوان

فى ظهيرة اليوم الثالث والسفينة فى طريقها إلى مَملِكة المَرْجَان ، مَاجَت مياه البَحْر، وهاجت أمْوَاجه العاتية، فاهتزت وتزلزلت السَفِينة بشدة، وارتعد المَيْمُونُ خوفا ورعبا، وحاول أن يُثنى المَلاَّحُ عن الرِحلة، ويعود إلى شاطيء البَحْر من حيث جاء من جديد .

–      المَيْمُونُ مرعوبا:  هيا نرجع أَيُّها المَلاَّحُ من حيث جئنا وأتينا ..! فها هى الأمْوَاج تحيط بنا من كُلِّ جانب، وأنا أكثر من يعرف، كم هى قاتلة، وليس لها أمان..!!

–      المَلاَّحُ متعجبا: كيف تقول ذلك أَيُّها المَيْمُونُ؟ وكيف لك أن تطالب بإلغاء الرِحلة وهى من الأساس لم تبدأ بعد؟ تريث قليلا أَيُّها المَيْمُونُ! ولا تنس ما قلته لك من قبل، فأمْوَاج البَحْر صَّدِيق وليس عَدُوّ!! فدعك من مخاوفك وشكوكك، وهيا نذهب إليها، ونتحدث معها، لعلها تخبرنا عن سبب ثورتها علينا هكذا ، ونطلب منها الهدوء، ولو قليلا، حتى يمكننا الإفلات والنجاةُ من ضرباتها المتتالية ..!!

–      لُؤْلُؤة : دعك من هذا الكلام الغريب أَيُّها المَلاَّحُ الشجاع، فهذا المَيْمُونُ على ما يبدو جبان، فهيا نستكمل رحلتنا بلا خوف أو رعب ..

–      المَيْمُونُ مندهشا: هل فقدتَ عقلكِ أَيُّها المَلاَّحُ..؟ هل تريد أن نذهب إلى عَدُوّنا بأقدامنا ..؟ ألا تعرف أَيُّها المَلاَّحُ أن تلك الأمْوَاج  كثيراً ما أغرقت السفن،  وقتلت من بنى الانسان الكثير؟

–      المَلاَّحُ محذرا: عليك أَيُّها المَيْمُونُ أن تتذكر ما تحكم به أُسْطورة الجَانُ والمَرْجَان، ومصيرك المجهول فى قاع البَحْر غريقاً صريعا، إذا ما تم نقض الاتفاق ..!!

وما إن سمع المَيْمُونُ هذا الكلام  حتى وافق فى الحال على كلام المَلاَّحُ، مجبرا فى ذلك منصاعا لحكم أُسْطورة الجَانُ والمَرْجَان، وليس لرأى ونصيحة المَلاَّحُ، إلا أن المَيْمُونُ قد اشترط على الجميع أن يتحدثوا هم مع الأمواج فى حين يقف هو بعيدا يستمع فقط لحديثهم، ليحكم ويقرر بعد ذلك، هل أمْوَاج البَحْر كما يقول المَلاَّحُ صادقة أم كاذبة؟ فوافقه المَلاَّحُ على ما أراد، وذهب الرَّفِاق الأربعة إلى أمْوَاج البَحْر العاتية، التى ما زالت عليهم فى ثورة عارمة ..!!

–      المَلاَّحُ معاتبا: يقول الإنسُ والجَانُ عنكِ أيتها الأمْوَاج أنكِ قد قتلتِ المئات وشردتِ الآلاف، وأغرقتِ الزرع والعباد ..

–      الأمْوَاج متعجبة: ومنذ متى أَيُّها المَلاَّحُ ، والناس عندكم فوق سطح الأرض قد صمتوا ولو قليلا، ولم يتحدثوا عن  أحد؟

أليست هذه عادةُ الناس وطبائعُهم؟ وهل صدَقت أنت أيضاً أَيُّها المَلاَّحُ الحبيب، يا من تعرفنى منذ سنين أكاذيب الناس عني؟

–      المَلاَّحُ : كل ما أعرفه أنا عنك أيتها الأمْوَاج  أنك جميلة رقيقة، يلهو معك الأطفال الصغار حين تأتي بك الرِّياح الهادئة اللطيفة.!! شَرِسة عنيفة  حين تحركك الرِّيح العاصفة والأنواء!! شريرة قاتلة حين تكونِين غَاضِبٌة ..!!

–      الأمْوَاج: ومتى وجدتني أنت من قبل هكذا يا صَّدِيقي المَلاَّحُ  كما تقول شريرة قاتلة؟

وبمجرد أن نادت الأمْوَاج المَلاَّحُ بالصَّدِيق بعد أن كان قبلها الحبيب، حتى أدرك مقدار حزنها وألمها وتأثرها بما قاله لها.

–      المَلاَّحُ: نعم رأيتك هكذا شريرة قاتلة أيتها الأمْوَاج حين تأتين فجأة من قاع البَحْر العميق..

–      الأمْوَاج: أنت تقصد إذن يا صَّدِيقى أمْوَاج “تسونامى” الزلزالية القادمة من البحار العميقة، والأخاديد، أليس كذلك..؟!!

–      المَلاَّحُ:  نعم هذا بالفعل ما قصدته أيتها الأمْوَاج، فنظرت الأمْوَاج من جديد للملاح نظرة كلها ألم…

–      الأمْوَاج معاتبة: ماذا يا صَّدِيقي لو دفعتك رياح البر يوما من قمة جبل، فانزلفت، وهويت منه ميتا؟ هل يقول عنك الناس حينها أنك قد انتحرت ومت آثما؟

–      المَحَارة حزينة: بالطبع لا أيتها الأمْوَاج، فالمَلاَّحُ في تلك الحالة، يصبح المجني عليه.

–      الأمْوَاج: وأنا أيضا يا صَّدِيقتي المَحَارة الطيبة في كثير من الظروف، أكون مثله تماما مجنى علي لا جانية ..

ى هذه الأثناء شعر المَيْمُونُ بالاستياء الشديد، والغضب البالغ، تجاه حديث المَلاَّحُ اللين اللطيف، مع صَّدِيقته أمْوَاج البَحْر العاتية، ولم يستطع الصمت كثيرا، فاقترب منهما حتى صار على بعد خطوات قليلة بعد أن كان على بعد أمتار كثيرة  ..

–      المَيْمُونُ غاضبا: كاذبة أنتِ حقا أيتها الأمْوَاج المخادعة ..!! أنظرى في وجهي جيدا؟ هل تعرفين؟ هل تتذكرين ..؟ ألم تهاجمي قاربي من قبل، هنا في نفس تلك المياه العميقة؟ وقتلتِ أهلي أجمعَيْن، ونجوت أنا منك بأعجوبة حينها، فلماذا تأتين اليوم، وتتعمدين الكذب والخداع، وتحاولين تبرئة نفسك، من تهم أنت أول من يعلم أنها حقيقية، وليست محض أكاذيب كما تدعَيْن …

–      المَحَارة غاضبة: كيف لك أَيُّها المَيْمُونُ أن تتحدث مع أمواج البَحْر الرقيقة بهذه اللهجة الفجة المهينة، وتذكرها بهذا الكلام المسيئ، فهى صَّدِيقتي المخلصة عشت معها عمرا، ولعبت معها دهرا، ولم تكن فى يوم من الأيام كاذبة كما تقول أنت عنها وتدعي؟

–      الأمْوَاج حزينة: قد يكون ما قلته صحيح أَيُّها المَيْمُونُ، فربما بالفعل قد أغرقت الكثير، وقتلت أيضا الكثير، لكن ليعلم كل بني الإنسُ والجَانُ أن كثير من التصرفات حين أقوم بها أكون عليها مجبرة غير راضية، فانت أَيُّها المَيْمُونُ، حين تراني عنيفة مهاجمة، فأنا وقتها لا أكون أنا بل أكون الرِّياح العاصفة العاتية، هي التي تدفعني رغما عني، وحين تراني شريرة قاتلة، فأنا لا أكون أنا أيضا، بل أكون زلزال البَحْر العنيف الذي يحركني كرها وليس حبا، فإذا ما أردت أنت أذن أَيُّها المَيْمُونُ أن تلوم أحد، فلا تَلُومْ أمْوَاج البَحْر، لكن لُم فقط رياح البر وزلزال البَحْر…

–      لُؤْلُؤة: لا عليك أيتها الأمواج ، فقد فهمنا قصدك ومرادك، فأنتِ بالفعل فى كل الحالات مظلومة لا ظالمة…

–      المَيْمُونُ ساخرا: ما بالك يا لُؤْلُؤة قد انخدعتِ وانجذبت لحديث أمواج البَحْر هكذا، وما بالك أنتِ الأخرى، أيتها الأمْوَاج الغادرة تتحدثين بلين ورِقة، وكأنك ملاك رحيم ولست شيطانًا رجيما؟

–      الأمْوَاج غاضبة: نعم أَيُّها المَيْمُونُ، أنا بالفعل لستُ شيطانِا رجيما، بل ملاكُ رحيمُ ، بك وبكل بني البشر والجام أجمعَيْن، ألم أقُم ببناء شواطيء البحار لتقيمون بها وتعيشون؟ ألم أكن مصدرًا لتوليد الكهرباء التى بها تنيرون بيوتكم وتستأنسون؟ ألم أكن سببا في تنقية مياه بحاركم من الرواسب والأوساخ؟ ألم أكن سببا في سعادتكم حين تلعبون وتتزلجون معي في المياه؟

–      المَحَارة: أرأيت أَيُّها المَيْمُونُ كم كنت ظالما ومتجنيا على أمْوَاج البَحْر العاتية، أليس من الأجدى لك أن تعترف بخطئك وتعتذر لها على ما بدر منك، قبل أن تغادرنا وحالها هكذا حزينة مهمومة؟

وما هي إلا دقائق حتى هدأت الرِّيح، وتوقفت العاصفة، وتوقف معها حديث الأمْوَاج العاتية، ونجت السَفِينة، وتحركت لمواصلة رحلتها إلى مَملِكة المَرْجَان.

وقبل أن تغادر من حيث أتت، شكرت الأمواج وودعت المَلاَّحُ ، ولُؤْلُؤة، والمَحَارة الطيبة، في حين نظرت للمَيْمُونُ وهي حزينة من سوء ظنه بها، ووعدته بلقاء آخر قريب فى يوم جديد، تثبت له فيه أنها بريئة من تهمة إغراق سفينته، وقتل أهله.

وحينها نظر المَلاَّحُ في وجه المَيْمُونُ ، فوجده ، قد بدى عليه الحزن والتأثر الشديد بكلام أمْوَاج البَحْر، إلا أنه قد استمر على ما يبدو من أمْوَاج البَحْر خائفا ومرعوبا، وغير مقتنع بكل ما قالته رغم تعاطفه الشديد…

فكيف له أن ينسى، ما فعلته الأمْوَاج  به يوما وأهله أجمعَيْن، فى مياه البَحْر العميق؟ هي ما زالت حتى اليوم بالنسبة للمَيْمُونُ مجرد عَدُوّ لا صَّدِيق.

رحلات الملّاح الصغير| عندما غضب المحّار من الرفاق الثلاثة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى