بيئة

رحلات الملّاح الصغير| عندما غضب المحّار من الرفاق الثلاثة

رحلات الملاح الصغير، قصص علمية للأطفال يكتبها الدكتور طارق فرج، أستاذ جغرافية البحار والمحيطات بجامعة حلوان

بعد أن نجح الرَّفِاق الثلاثةُ في الإفلات بأعجوبة من الذِّئْب اللَئِيم، ووصلوا إلى ساحل البَحْر، بدأوا رحلتهم إلى مَملِكة المَرْجَان في عصر اليوم الثاني، ليجدوا أمامهم مجموعة هائلة من المَحَار  يقف أمامهم، ويعترض طريقهم نحو ركوب السفينة.

– المَلاَّحُ: إذهبي سريعا يا لُؤْلُؤة إلى هذا الَمَحَار، واطلبي منه أن يفسح لنا الطريق، فقد حان وقت الإِبْحار إلى مَملِكة المَرْجَان.

وبالفعل ذهبت لُؤْلُؤة سريعا إلى مَحَار البَحْر، وطلبت منه إفساح الطريق أمام رِحلة المَلاَّحُ، وما هي إلا لحظات حتى عادت لُؤْلُؤة سريعا كما ذهبت سريعا .

–     لُؤْلُؤة: لقد رفض مَحَار البَحْر فتح الطّرِيق إلى السَفِينة أَيُّها المَلاَّحُ، وقد تجمع كما ترى، على ما يبدو غاضب معترض .

–     المَلاَّحُ : وما هو سبب غضبهم هكذا، وعلى أي شيي هم معترضون؟!

–     لُؤْلُؤة : لقد رفض الَمَحَار الإفصاح عن السبب، وطلبوا منك أنت شخصيا أَيُّها المَلاَّحُ أن تذهب وتتحدث مع مَحَارتهم العجوز.

فما كان على المَلاَّحُ إلا أن اتجه بالفعل إلى مَحَارتهم العجوز ..

–     المَلاَّحُ: ما اسمك أَيتها المَحَارة، وكم يبلغ عمرك؟

–     الَمَحَارة: اسمي مَحَارة البحر العجوز، وعمري ست سنوات .

–     لُؤْلُؤة  مندهشة: كيف يكون عمرك ست سنوات فقط أيتها الَمَحَارة، وتكونين كما يقولُ عنكِ أقرانك أنكِ عجوز؟

–     الَمَحَارة : هذا العمر يا لُؤْلُؤة  بالنسبة للعديد من بنى الَمَحَار  هو عمر الشيخوخة، وما هي إلا سنون قليلة وربما شهور وبعدها أموت.

–     المَلاَّحُ: وما هو سبب غضبك أيتها الَمَحَارة، ورفضك السماح لنا بمغادرة الساحل والإبحار إلى مَملِكة المَرْجَان؟

–     الَمَحَارة: نحن لسنا غاضبين منك أَيُّها المَلاَّحُ، ولسنا ضد تحقيق حلمك في الحياة، بل على العكس تماما، فمنذ أن انتشر خبر رحلتك إلى مَملِكة المَرْجَان، مع صديقك هذا المَيْمُونُ، وعَرَفَه الْقَاصِي وَالدَّانِي،  وما أن سمعنا به نحن مَحَار البَحْر، حتى فرحنا وسعدنا، إلا أننا في نفس الوقت تَعجبنا وصُدِمنا، فلماذا أَيُّها المَلاَّحُ لم تطلب من ذلك المَيْمُونُ أن تكون رحلتك صوب مَملِكة الَمَحَار بدلا من مَملِكة المَرْجَان؟

–     المَيْمُونُ متعجبا: وهل لكم أنتم أيضاً يا بنى الَمَحَار  شِعاب ومَملِكة من الجير كشِعاب ومَملِكة المَرْجَان؟

–     الَمحَارة: ألا تعلم أيها المَيْمُونُ أننا بني المحار لنا شِعاب من الجير هي أصدافنا الجيرية الصلبة التي فيها ننام ونعيش ونحتمي من مفترسينا الكبار.

–  المَلاَّحُ: لكن هل شِعابكم أنتم يا بني الَمحَار، كشِعاب بني المَرْجَان في جمال ألوانها، وتنوع أنواعها، وتعدد أشكالها، وعظم أحجامها، وأهميتها لكل بني النبات والحيوان في قيعان البحار حتى تكون رحلتى إليها كما تريد…

– الَمَحَارة حزينة: بالفعل لا أَيُّها المَلاَّحُ، فشِعاب مَملِكة الَمَحَار  ليست بقدر حجم  شِعاب المَرْجَان وروعتها وأهميتها.

– لُؤْلُؤة: ولماذا أنتم إذن يا بني الَمَحَار لم تتمكنوا حتى الآن من بناء شِعاب مملكتكم في حجم شِعاب مَملِكة المَرْجَان وروعتها؟

–  الَمَحَارة: رغم أهميتنا الكبيرة فى مجال استزراع “اللؤلؤ” يا لؤلؤة، إلا أننا بني الَمَحَار مع الأسف غير متعاونين وغير مترابطين كبني المَرْجَان.

 فبني المَرْجَان في قاع البَحْر ملتصقين لا يبرحونه على الإطلاق حتى يموتوا، وهو ما مكنهم من بناء أعظم البنايات الصخرية التي أمكن لكائن حي بناؤها من شِعاب الجير في بِحار ومحيطات الدنيا كلها.

 أما نحن بني الَمَحَار، فنتحرك متجولين تارة فوق الشاطِئ، وتارة أخرى قرب الصخور، هذا بجانب هؤلاء البشر الذين عكفوا دوما على اصطيادنا عنوة، سواء من على شاطيء البَحْر أم بين صخوره، واستخدامنا في الغذاء والعلاج والزينة حتى قَل عددُنا وقاربنا على الفناء…

– المَيْمُونُ: أين أنت أَيُّها المَلاّحُ، فأنا أرى أن حديث هذه المَحَارة اتهام صريح وخطير لك ولكل بنى الانسان.

– المَلاَّحُ آسفًا: لقد صدقت والله هذه المَحَارة فيما قالته، لقد كان بنو البشر سببا دائما فيما تشهده الآن مياه البحار والمحيطات من خراب وتدمير، بسبب صيدهم الجائر للعديد من كائنات البَحْر المختلفة، وفي مقدمتها المَحَار .

– الَمَحَارة: الأهم من كل ذلك أيها الأصدقاء، أننا نحن بنو المَحَار نبني شِعابنا دون مساعدة من كائنات البَحْر الأخرى المجاورة، في حين تساعد كل كائنات البَحْر المَرْجَان في بناء شِعابه من صخور الجير مثل الطحالب والقواقع والإسفنج ..

–     لُؤْلُؤة: إذا كانت كائنات البَحْر الأخرى لا تساعدكم أَيُّها المَحَار  فى بناء شعابكم، فلماذا لم تساعدوا أنتم مراجينكم في مياه البَحْر، وتساهموا معهم في بناء شِعاب المَرْجَان كبقية الكائنات الأخرى المجاورة كما تقولين؟

– الَمَحَارة مبتسمة: وهذا ما نرجوه ونطلبه منكم أَيُّها الأصدقاء، حتى نفسح لكم طريق البَحْر مجددا للإِبْحار ومواصلة الرِحلة والمسير إلى مَملِكة المَرْجَان…

– المَلاَّحُ متعجبا: وما هو طلبكم تحديدًا إذن أيتها الَمَحَارة العجوز؟

–  الَمَحَارة:  كل ما نريده منكم أَيُّها الأصدقاء أن تساعدونا في تحقيق أملنا في هذه الحياة، وتصطحبوا تلك الأنثى من الَمَحَار، التي تحمل فى بطنها بيضها معكم في رحلتكم إلى مَملِكة شِعاب المَرْجَان البعيدة، وعندما تصلوا هناك، تطلقوا سراحها، لتضع هناك بيضها، ليكبر ويتحول إلى يرقات صغيرة ثم مَحَار كبار، لنساهم بعد ذلك في بناء شِعاب جديدة جنبا إلى جنب مع المَرْجَان كبقية الكائنات .

–     المَيْمُونُ: لا نستطيع أيتها الَمَحَارة،  فطريقنا صعب وطويل، فكيف لنا أن نتحمل مسؤولية الحفاظ على حَياة هذه الأنثى الصغيرة من الَمَحَار؟

–     الَمَحَارة حزينة: وهل هذا قرارك أنت أيضا أَيُّها المَلاَّحُ؟

–     لُؤْلُؤة  متوسلة: بالله عليك أَيُّها المَلاَّحُ، لا تكسر قلب هذه الأنثى الضعيفة من الَمَحَار، فلنأخذها معنا، ورزقنا ورزقها على الله ..

–     المَلاَّحُ: لا أستطيع أن أرفض لك طلبا يا لُؤْلُؤة، فأهلا وسهلاً بك معنا يا أنثى الَمَحَار  الطيبة ..

– المَيْمُونُ متعجبا: لكن ما فائدة ذلك كله أَيُّتها الَمَحَارة العجوز، فأنتم بحاجة إلى ملايين من إناث الَمَحَار، وليست أنثى واحدة من الَمَحَار، حتى يمكنكم المساهمة سريعاً فى بناء شِعاب المَرْجَان …

–  الَمَحَارة  مبتسمة: ألا تعلم أَيُّها المَيْمُونُ أن الأنثى الواحدة من بنى الَمَحَار تضع ملايين وملايين البيض في السنة الواحدة، ولا تستغرق وقتا طويلا حتى يفقس .

–     المَيْمُونُ متعجبا: وهل يعيش كل هذا العدد من مَحَار البَحْر الوليد حتى يكبر ويصبح مَحَارا يافعاً كبيرا؟

–     الَمَحَارة: لا أَيُّها المَيْمُونُ، فرغم أنه غالبا ما يموت الكثير والكثير من مَحَار البَحْر الوليد، إلا أن ما يتبقى منا أيضا ليس بالعدد القليل، ويمكنه العمل وإنتاج المزيد من صخور الجير وشِعابه…

فتعجب المَيْمُونُ ومعه المَلاَّحُ والكلبة لُؤْلُؤة من كلام الَمَحَارة  العجوز، إلا أنهم في الأخير اصطحبوا أنثى المَحَار معهم، وقام  المَلاَّحُ بوضعها داخل حوض زُجاجيّ مملوء بالمياه، مُؤَمَن داخل قفص من الحديد، حتى تكون آمنة طِوال الرحلة من الكائنات المُفْترِسة، خاصة نجوم البَحْر الآكلة للمَحَار.

وما أن فرغ المَلاَّحُ من أمر مَحَار  البَحْر الغاضب حتى حل الليل وأظلمت السماء، إلا أن المَلاَّحُ ورفاقه قد قرروا عدم الانتظار للصباح للإبحار في ضوء النهار، وبدأ المسير والرحلة في مساء هذا اليوم، حتى لا تحدث مفاجآت أخرى تعترض طريقهم أو يعود الذِّئْب لمهاجمتهم من جديد.

وبعد أن سارت السفينة ليلا في طريقها إلى مَملِكة المَرْجَان، تعهد الرَّفِاق الأربعة على متن السفينة المَلاَّحُ الشجاع، ولُؤْلُؤة  الوفية، والمَحَارة الطيبة، والمَيْمُونُ، بأن يكونوا أصدقاء أوفياء في السراء والضراء طيلة رحلتهم إلى مَملِكة المَرْجَان.

رحلات الملاح الصغير| اليوم الثاني.. الأصدقاء الثلاثة داخل الكهف المهجور

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى