بين الناستحقيقات

آيات القتال في القرآن.. بين فهم الإرهابيين وتفسير رجال الدين

اشتمل القرآن الكريم على العديد من الآيات التي قد يفهمها البعض تحريضا على قتال الكافرين بشكل عام، ولعل أشهرها الآيات التي وردت في سورة التوبة، التي يتخذها الإرهابيون دليلا على جواز قتال الكافرين، ومنها آية “قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ” (التوبة- الآية 29)، وآية “فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ” (التوبة- الآية 5)، وهي الآيات التي ربما كان فهمها الخاطئ من جانب المتطرفين والمتشددين السبب الرئيسي في ما نعيشه اليوم من عمليات إرهابية ضد المسيحيين المشار إليهم في الآية الكريمة بأهل الكتاب، وأيضا ضد قوات الجيش والشرطة، الذين يكفرهم الإرهابيين وبالتالي يعتبرونهم ضمن المشركين الواجب قتالهم في القرآن.

ونظرا لخطورة هذا الفهم الضيق لآيات القتال في القران الكريم، “ولاد البلد” التقت عددا من رجال الدين من الأزهر والأوقاف لبيان حقيقة المعنى في هذه الآيات، ومن هي الفئة التي يجب على المسلمين قتالها طبقا لظاهر هذه الآيات، ومن جانب آخر كيف يرد رجال الدين على الفهم الخاطئ للإرهابيين بدءا من تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” ومرورا بجماعة “بيت المقدس” و”القاعدة” وأخيرا “حسم”.

من هم المعتدون؟

بداية، يقول الشيخ سيد زايد، مدير مجمع الديري الإسلامي، أحد رجال الأزهر، إن الله تعالي أمر بقتال فئة من الناس بدأت بالاعتداء والطغيان على الأمة الإسلامية، وهم من يسمونهم الآن مجرمي الحرب، ولكن في المقابل نجد سماحة الإسلام مع غير المسلمين في قولة تعالى “لا يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُقْسِطِين”، فالبر لغير المسلمين والتسامح معهم والعدل واجب أيضا، وهذا من سماحة الإسلام، ولا يجوز قتل أحدا أو الاعتداء عليه، لأن الله تعالى يقول “وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا”.

وتابع “زايد” بأن من قتل يقتل ولكن الاعتداء على الآخرين لا يجوز، مستدلا بقولة تعالى “لكم دينكم ولي دين” (سورة الكافرون) ولكن المرتزقة والمسحلين يفهمون هذة الآية فهما خاطئا على غير مراد الله، وهناك دليل علي ذلك حيث كان الرسول صل الله عليه وسلم يتعايش مع اليهود والنصاري في المدينة المنورة.

ويضيف الشيخ عادل حيدر، رئيس قسم الإرشاد الديني بمديرية الأوقاف، أن الآيات التى يستخدمها الإرهابيون المخربون والمتطرفون، في قوله تعالى “قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالله وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ” فهذه الآية تتحدث عن ضريبة يدفعها أهل الكتاب في البلاد الإسلامية نظير التمتع بخدمات الدولة، وهى نظير الزكاة على المسلم، وهي مبلغ ضئيل للغاية، مقارنة بنظام الضرائب الحديثة، وللعلم فإن مانع الزكاة من المسلم يعتبر مخالف لتعاليم الإسلام، فهي حق الدولة على الفرد، بل إن سماحة الإسلام أوجبت أن دفع الجزية في بعض الحالات للأطفال وغير القادرين من مال الزكاة.

البر لغير المسلم

ويتابع رئيس قسم الإرشاد الديني، بأن القران اشتمل أيضا على العديد من الآيات التي تأمرنا بالبر والقسط لغير المسلمين ومن ذلك آية “لا يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ” فالله أمرنا أن نبر ونقسط إلى من لا يقاتلنا، أما من يقاتلنا فقد قال الله “يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ” فهذة الآية يصف بها الله عز وجل الكافرين الذين بيينا وبينهم حرب، فإذا جنحوا للسلم أي أرادو عمل معاهدة سلام فلهم ذلك، ولكن المسلين يأخذون حذرهم منهم، مشيرا إلى أن القتال الذي يحرض النبي صل الله عليه وسلم المؤمين عليه هو قتال من نقضوا العهد وخدعونا.

ويوضح الشيخ محمد نور، وكيل وزارة الأوقاف، الفرق بين القتل والقتال، الوارد في هذه الآيات، فيقول أن القتال صفة مفاعلة، مشيرا إلى أن هناك من يعتدي علي الإنسان فيقاتله، واسمة قتال، مستدلا بقول الله تعالى “وقاتلوا” فلم يقل “اقتلوا” وفى الحديث الشريف “أمرت أن أقاتل الناس” ولم يقل “أن أقتل” مضيفا أن الغزوات رد القتال، حيث إن غزوة بدر جاء فيها الكفار للقتال والاعتداء علي المسلمين، وغزوة أحد جاء فيها المشركين للاعتداء على المسلمين، وغزوة الأحزاب جاء فيها الأحزاب للاعتداء على المسلمين، مبينا أن مشروعية القتال في الإسلام هو الدفاع عن المقدسات والأرض والوطن والدين، وليس قتل الناس والاعتداء على الآبرياء.

ويتابع وكيل وزارة الأوقاف بأن جميع آيات القتال الواردة في القرآن الكريم توضح أن القتال في الإسلام رد للعدوان وحماية الأوطان والبشر وليس اعتداءا على الأبرياء، مشيرا إلى أنه يوجد العديد من أعداء الإسلام من التيارات المختلفة تفسر القتال مفهوما خاطئا، ليبرروا جرائمهم، وهؤلاء أضروا بالإسلام ضررا بالغا.

قتال وليس قتل

ويقول الشيخ رمضان عزام، مدير عام الوعظ سابقا، أن آيات القتال في القرآن الكريم مفهومة وغير ملتبسة، وكل من يخالف فهمها الصحيح فهو غير مسلم، مبينا أن القتل هو قطع الحياة بنقض البنية، مثل كسر لمبة الكهرباء فيكون التيار موجودا ولكن البنية التى يظهر بها النور غير صحيحة، كذلك الذي يعتدي على إنسان بنقض بنيته تنتقض الحياة لعدم وجود بنية تقوم الروح بها، وهنا العقاب والجزاء يكون على نقض البينة، وأما الموت فالبنية موجودة وصحيحة لكن الروح قد خرجت لانتهاء الأجل، وهذا في توضيح معنى قولة تعالى “وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ”.

وأشار “عزام” إلى أن الجزاء والعقاب على القاتل مقابل فعله بنقض البنية للمقتول، أما المقاتلة التي أشار إليها في قوله تعالى “وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين” فمعناها مفاعلة بين طرفين موضحا أن من نص الآية يتبين أن هذا القتال قتال دفاع، حيث إنه ردا على مقاتلة فهو مفاعلة بين طرفين الإثم فيها على البادئ بالقتال المعتدى على الحدود التى حددها الله عز وجل بحفظ النفس والدين والعرض والنسل والعقل، كما هو واضح من مقاصد الشريعة الإسلامية بما فيها الحدود، مستدلا بقطع يد السارق عقوبة له على السرقة مصداقا لقوله تعالى” وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، فقطع يد السارق عقوبة له على فعله والقصاص من القاتل عقوبة له على فعله ولردع غيره عن القتل، وكذلك باقي الحدود فقتل القاتل يردع ويمنع من تكرار هذة الجريمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى