بين الناستحقيقات

صور| حضارة قفط المنسية.. قمامة وروث مواشي تحاصر المعابد والشواهد الأثرية

أسوار وأقفال حديدة تفصلنا عنها

حضارة قفط المنسية

قمامة وروث مواشى تحاصر المعابد والشواهد الأثرية…

رئيسة البعثة الفرنسية للحفائر: المنطقة لها أهمية كبيرة وتاريخ يدفعنا للاهتمام به وإبرازه

شوارع غير مؤهلة للسيارات، وممرات ضيقة تفوح منها رائحة التاريخ تقودك إلى معابد لا تبعد عن بعضها كثيرًا، فهي تصطف كعقارب الساعة حول متحف مفتوح لكنائس ومعابد رومانية لم يتبقى منها إلا “كولات” من الطوب اللبن تكسوها الحشائش ونبات شوك العقول، ويحيطها سور ضخم يمر على 7 قرى ويفصلها عن بعضها، حيث تبلغ مساحة المتحف المفتوح أكثر من 40 فدانًا، فهنا قلب مدينة قفط إحدى مراكز محافظة قنا.

أصل تسمية قفط

يرجع أصل تسمية قفط إلى جبتيو ومعناه طريق القوافل، وهو اسم فرعوني، كما كان يُطلق عليها باليوناني “كوبتوس”، وفي القبطية تسمى جبط أو كفت ومنه اشتق الاسم الحالي للمدينة (قفط).

وكان الاسم القديم للإقليم “جبتيو” هو عاصمة المقاطعة الخامسة من أقاليم مصر العليا، ويرجع تاريخ قفط إلى أوائل الأسرة الأولى في عصر الملك مينا، وكانت منذ ذلك التاريخ مدينة هامة حتى العصر الروماني لوقوعها على طريق القوافل المُسمى (وادي الحمامات) الموصل بين النيل والبحر الأحمر وخلال الأسرتين 11 و12 زادت أهمية هذا الوادي لوجود المحاجر القديمة المختلفة، وبالقرب منه منطقة الفواخير التي تحتوي على مناجم الذهب القديمة المشهورة عبر التاريخ وفي عصوره المختلفة وحتى الآن، وبالتالي زادت أهمية المدينة لذا كانت قفط ومنطقة الحمامات على طريق “قفط – القصير” في نشاط دائم ومستمر.

وكانت مدينة قفط في أوج شهرتها في عصر الدولة الفرعونية الحديثة لذا زارها وفد من أمراء وأميرات الحيثيين في عهد الملك رمسيس الثاني، أما في العصر الروماني فكان طريق التجارة بين البحر الأحمر وقفط نشطًا وقد عُثر على تعريفة الضرائب التي كانت تُفرض على الأشخاص والبضائع التي تمر بالمدينة في الرحلة الصحراوية، ومما يؤكد أهمية المنطقة الصحراوية التي تقع بين البحر الأحمر ومدينة قفط أن معظم ملوك الأسرات الفرعونية أرسلوا بعثات التعدين إلى هذه المنطقة لاستثمارها في الحصول على الذهب والحجارة اللازمة لبناء معابدهم، وكذلك استغلال مناجم الذهب الموجودة بالمنطقة والمشهورة باسم “منطقة الفواخير”.

أكوام القمامة

تحيط بـ “كولات” قفط الرومانية كما يطلق عليها الأهالي تلال من أكوام القمامة وروث المواشي، وتقول عزيزة جميل، 50 عامًا، إنهم يعانون من إهمال مجلس المدينة في رفع القمامة وقدموا شكاوى عدة مرات للتضرر منها، وكل ما يحدث هو إرسال سيارة ولودر يرفع بعضها ويترك البقية منها وهكذا، حتى تحولت إلى تلال من القمامة وجميعها تحيط بالمنطقة الأثرية.

وتضيف أن مسؤولي الآثار عندما يأتون للتفتيش يحررون محاضر للأسر المحيطة بالمكان، وهنا يقع الأهالي ضحية ما بين مجلس المدينة والآثار.

مواشي على الجدران

ويقول طه علي عتمان، 55 عامًا، مزارع، إن الأرزاق ضيقة للغاية في مركز قفط وحركة البيع وشراء ضعيفة، ما يضطر الأهالي إلى تربية المواشي كمشاريع صغيرة، ونتيجة ضيق المنازل يتم ربطها أمامها.

ويشير عتمان، إلى أنه في حالة مرور لجنة تفتيش من الآثار أو مجلس المدينة، يطالبون الأهالي بإزالة المواشي وأحيانًا يُحررون مخالفات مالية ضدهم مما يزيد الضغوط والعبء على الأسر البسيطة التي تسكن حول المنطقة الأثرية، فهم ما بين الحاجة إلى دخل ومخالفات و إزالات الآثار والمجلس دون استغلال يعود عليهم بالنفع.

هدم المنازل

أم فهد عبدالحكيم، وهي سيدة بقامة سمراء يبدو عليها ملامح الشقاء والخوف من تحقيق تهديدات الآثار بإزالة منزلها الذي يقع ما بين معبد الإله “مين” وبين معبد العويضات أو الكنيسة الرومانية كما يطلق عليها الأهالي، تقول إنها تسكن مع أسرتها منذ أكثر من 39 عامًا، وتتلقى من الحين للآخر تهديدات من الآثار بإزالة المنزل، وهم لا يستطيعون شراء منزل بديل أو قطعة أرض للبناء عليها، إذ يعمل زوجها عامل أجري باليومية.

وتُكمل أم فهد، أنها تأمل في الاستفادة من الآثار بتحويل المنطقة إلى منطقة سياحية أو مزار، مما يساعد على توفير فرص العمل لأبناء المنطقة في عدة مجالات تخدم السياحة، مؤكدة أن هناك بعثات تزور المنطقة وتعمل في حوض الآثارات أمام منزلهم ولكن بشكل علمي ليس سياحي.

مقابر من ذهب

على بعد خطوات يلهو بعض الأطفال بملابس بالية وأقدام حفاة حول سور المنطقة الأثرية دون وعي منهم بأن أقدامهم الحافية قد تكون تخطو على كنوز وآثار أجدادهم التي لم تقدم لهم حتى الآن سوى غلظة مفتشي الآثار ومخالفات مجلس المدينة ورائحة القمامة الكريهة التي تحيط بسور الحوض الأثري على مساحة كبيرة.

آمال بإحيائها

ويسرد خلف الله عبدالهادي، مُعلم مقيم بالقرب من المنطقة الأثرية، أن المنطقة تحولت إلى مقالب للقمامة خاصة بعد التعديات السكانية، فضلًا عن تحويلها إلى وكرًا للكلاب الضالة ومدمني ومتعاطي المواد المخدرة، حيث يختبئون وسط المنطقة للتخفي من أعين الشرطة، مشيرًا إلى أن وزارة الآثار لم تفعل شيئًا سوى إقامة سور حول المدينة لحمايتها من قطاع الطرق ومحاولة إعادة قيمتها الأثرية.

ويحلم أهالي المنطقة بالتدخل وسرعة إنشاء متحف مفتوح لجمع ما تبقى من الآثار وترميمها وتكليف حارس وموظفين من شؤون الآثار لحراسة المنطقة، وكذلك البدء في تشييد قواعد للأعمدة الرخامية بدلًا من تركها ملقاة على الأرض وإضاءة المعروضات الأثرية لتوضيح قيمتها الفنية والأثرية والزخارف والنقوش المكتوبة عليها بعد أن تعرضت للإهمال.

البعثات والبركة المسحورة

توافدت على مدينة قفط عدة بعثات أجنبية أبرزها البعثة الفرنسية التابعة للمعهد الفرنسي التي عملت لمدة 15 عامًا في حفائرها بالمنطقة الأثرية بقفط في معبد الإله “مين”، وبالقرب من “البركة المسحورة”، المطمورة حاليًا في باطن الأرض.

وذكر المؤرخ المقريزي في القرن الـ15 الميلادي، أنه في هذا المكان كانت تقبع بحيرة صائدة للطيور التي تطير فوقها، مؤكدًا أن هذه البحيرة إذا مر عليها طائر شلت حركته وسقط ولم يقدر على الحركة، حيث أكد في كتابه أنها موجودة في عصره، وأن لها فاعلية كبيرة في شل حركة أي طائر.

وفي تصريحات سابقة قالت الدكتورة لورا بنتلاتشى، رئيسة البعثة الفرنسية التي تُجري أعمال حفائر أثرية بمعبد الإله “مين” بمنطقة حوض الآثارات بمدينة قفط، إن البعثة استطاعت أن تبرز أهمية المنطقة الأثرية لمدينة قفط العريقة، التي كانت من أهم المدن في الصعيد، والتي تم تدميرها بسبب الصراعات في العصر البطلمي والروماني، رغم أهميتها الاقتصادية والثقافية.

والإله “مين” هو إله الخصوبة، وسيد الصحراء الشرقية والأراضي الأجنبية، ومدخل المعبد الجنوبي الذي يوجد في العويضات، يضم مقصورة الوحي لكيلوباترا والغرض منه، كما يقول المؤرخون هو استشارة الوحي، وهو لم يكن مقصورًا على أوقات الاحتفالات الدينية، وإنما في كل وقت، مما يدل على أهمية المقصورة للعامة والخاصة.

شواهد برتيتوس من أهم إنجازات البعثة الفرنسية، وتقول لورا منذ عامين إن برتيتوس كان مديرًا للمنطقة، وعاصر 3 ملوك، وله 25 نصًا، وأن هناك نصوصًا له موجودة من قديم الزمان في أوروبا، مثل النص الذي كتبه للملك نيرون، مشيرة إلى أن البعثة تقوم بإبراز المقاصير الأثرية وكافة ما في المنطقة من آثار قديمة، قائلة إن كل ذرة تراب تضم أثرًا في هذا المكان الذي تهدم منذ العصر اليوناني والروماني بسبب الصراعات السياسية.

وتتابع “المنطقة التي تبلغ مساحتها 45 فدانًا تحوي معوقات كثيرة للبعثة الفرنسية؛ بسبب وجود نباتات الحلفا والشوك، الذي يعرف بـ”العقول” باللهجة الصعيدية وهي معوقات كبيرة تراها البعثة بسيطة؛ بسبب ضخامة ما في باطن الأرض، واصفة المكان بأنه لابد أن يتحول إلى متحف مفتوح”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى