بين الناسوجوه

صور| أحمد خلف.. صانع المطارح في زمن الإتيكيت: أخشى على الصنعة من الانقراض

ببشرة خمرية، ورأس يكسوها الشعر الأسود الكثيف، وابتسامة شديدة الاتساع ذو الأسنان ناصعة البياض، يجلس أحمد محمد خلف في سوق الجمعة، منذ أكثر من 20 عامًا بدون انقطاع، حيث يفضل خليفة ابن الثلاثين عامًا أن ينصب خيمته في وسط الشمس الساطعة، حتى يحتل منتصف الطريق ذهابًا وإيابًا للمترددين عليه، من أجل شراء المطارح أو تصليحها، ويفترش فرشته وحوله ركائز من الجريد والعصيان المتنوعة الأحجام، وعلى جانبه الأيمن قليل من صبغة الصنفرة الوردية اللون، وعلى الجانب الأيسر أدواته التي تتمثل في “المنشار، شاكوش صنعه من الخشب كمدق، وإناء من الصاج ممتلئ بمسامير الشيش”، حتى يلبي طلب الأسرة الريفية، ما بين تصليح وصناعة المطرحة المتعددة الأشكال، والتي تطورت كما تطورت البيئة.

أحمد محمد خلف، ابن قرية العجميين التابعة لمركز أبشواي بمحافظة الفيوم، تعلم هذه المهنة منذ كان في الخامسة من عمره عند أحد جيرانه، عندما توفي والده وأخذه هذا الرجل رأفة بحاله العسير، وتعلم على يده مهنة المطارح من صناعة وتصليح حتى أتقنها، حيث كان يسير في الأسواق حاملًا جوال من “الخيش” ويذهب خلف معلمه على دابته الخاصة، مناديًا بصوته الطفولي الحاد “مطارح للبيع”، “اللي عايزه تصلح مطرحة”، “عندي الداير ومطرحتك هترجع زى الأول”.

مراحل صناعة المطرحة

يقول خلف، إن المطرحة لها عدة مراحل مرت بها، متذكرًا أول شكل ظهرت عليه المطرحة تعلمه من معلمه، وكانت حينها مربعة الشكل، تتخللها مسافات متوسطة من الوسط، لإخراج الردة الزائدة في الرغيف أثناء الخبيز، وكانت ملائمة للشكل الذي كانت عليه الأفران البلدي قديمًا.

وخلال حديث خلف، قاطعته سيدة كبيرة في السن، يبدو عليها الكبر الذي بدا من خلال التجاعيد الكثيرة وظهور شعيرات بيضاء، خرجت صدفة، وهي تستدير للحديث قائلة “زمان يا بنتي الناس كانت بتخبز بدقيق القمح كنا ننقي القمح ونغسله ونطحنه ونخبز منه، وكانت الرد حرشة شوية والفرن كان مستطيل ومصنوع من الطين اللبن، فكان الصنايعية يصمموا المطرحة على شكل الفرن والرغيف كبير والخير كتير، لكن دلوقتي الأفران دي اتهدت وظهرت الأفران الغاز اللي كلها أمراض ودقيق المخابز، حتى الرد بقت ناعمة أوي وتجري من تحت الرغيف أثناء الخبيز”.

ويتابع خلف، ومن هنا ظهرت المرحلة الثانية من شكل المطرحة التي طالت قليلًا وموائمة مع العصر، حيث صارت مستديرة الشكل وقليلة في الحجم ولا يوجد مسافات في المنتصف حفاظًا على الرد، التي باتت ناعمة ولا تستمر تحت الرغيف، مما تجعله عرضه للتلف.

مدى الإقبال على شراء المطرحة

وعن الإقبال يعتدل في جلسته ملوحًا برأسه يمينًا ويسارًا، قائلًا “مفيش إقبال كل حين ومين لما حد يشترى مطرحة وغالبًا لما تكون واحدة بتجهز بنتها بتجيب لها مطرحتين بدل الأربعة قديمًا”، مبررًا ذلك أن أدوات الخبيز جزء من مستلزمات الزواج في بعض العزب الريفية.

ويضيف “مخابز التموين ريحت السيدات ومحدش يخبز غير في المناسبات وبس”، مبينًا أنه لا يبيع في اليوم أكثر من ثلاث مطارح، ويعتمد على تصليح المطارح كمصدر للرزق، معبرًا عن سعادته البالغة وهو يصلح مطرحة أو يبيع مطرحة حتى تكون فرصة لعدم الانقراض وضياع كافة الأشياء المرتبطة بالزمن القديم.

أسعار المطارح

ويشير إلى أن أسعار المطارح غير مرتفعة وفي متناول الجميع رغم المجود الذي أبذله في صناعتها بداية من تحضير الجريد وتقطيعه إلى أجزاء متعدد الأطوار، فمنها المستقيم لصناعة المطرحة والمستدير الذي استخدمه لاستدارة المطرحة والحفاظ على ترتيب القطع وتثبيتها بالمسامير حتى تكون مقيدة في يد سيدة المنزل، متابعًا كل هذه المراحل وثمن المطرحة الكبيرة لا تتخطى الـ 12 جنيهًا، وذلك مراعاة لإحضار الجريد من الأرض الزراعية التي تركها والدي لي، والمطرحة المتوسطة تتراوح ما بين 7 جنيهات و9 جنيهات، والمطرحة الصغيرة تباع بـ5 جنيهات.

ويختتم خلف حديثه قائلًا “خوفًا على مستقبل ولدي الوحيد رفضت أن يساعدني، حتى لا يتعلم الصنعة وتقود لحالة نفسية مستقبلًا، لأنها لم تعد حرفة مثمرة على الإطلاق، وفضلت أن يتعلم حرفة تركيب الزجاج عند أحد الصنايعية في البلد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى