أصل و فصلاخر الأخباربين الناستحقيقاتثقافة و تراث

الحج في الحضارات والشرائع القديمة.. سياحة ودين وسياسة

تبدو شعيرة الحج للوهلة الأول مقصورة فقط على أصحاب ديانات معينة، لكن ما قد يخفى على كثيرين، هو وجود طقوس مماثلة في حضارات العالم القديم، وديانات أخرى سماوية ووضعية، بطقوس مختلفة، لا تتشابه فيما بينها إلا في كونها قربانا للإله تارة أو نزهة لقصد التريض والترويح تارة أخرى، بينما في حالات أخرى كان الحج يتم بقصد سياسي، ما قد يفتح الباب لرحلة أخرى من البحث، واستقراء الأحداث التاريخية، والطقوس العقائدية.
يقول إبراهيم سيد، الباحث في الآثار والتاريخ الإسلامى وتاريخ ما قبل الإسلام أن الحج في اللغة هو القصد والزيارة والإتيان والانتقال من مكان إلى مكان من أجل الزيارة، أما في الديانات المختلفة غالبا ما يعرف بأنه رحلة طويلة أو بحث عن دلائل معنوية عظيمة، وأحيانا هو رحلة إلى مزار أو ضريح ذو أهمية أو قدسية في ديانة معينة. يمارس العديد من أتباع الديانات طقوس الحج ويسمى الشخص الذي يؤدي هذه الطقوس بالحاج.
حجة آدم
ويضيف “سيد” أن الحج ليس حكراً على الإسلام. إذ يحج أصحاب المذاهب والديانات الأخرى إلى مناطق متعددة من العالم ليمارسوا شعائر دينية مختلفة، وقد كان في الشرائع القديمة؛ فقد ورد أن آدم عليه السلام حج وهنأته الملائكة بحجه.
ويضيف الدكتور محمد إبراهيم، أستاذ الآثار المصرية والتاريخ المصري القديم والاثرى بمنطقة آثار بني سويف، أنه كانت تقام مراسم الحج في مدينة أبيدوس بسوهاج وتعتبر هذه المدينة أهم عاصمة دينية آنذاك ، وكان يتم الحج بالطواف حول مقبرة أوزيريس ” إله الموتى ” ويقدمون له القرابين والهدايا لكى يأخذون البركة ويشفع لهم إله الموتى يوم الحساب ، وكان يوجد أيضا الحج ويقام فى معابد الأقصر والكرنك.
ويوضح محمد عاطف، المتقش الأثري، أن الحج في العصرين اليوناني والروماني كان يمارس بشكل نادر وغير منتظم ، وكان تقام مراسم الحج في نهر الجانج كان هذا النهر يحجون إليه الهندوس أيضا ، لكى يتطهروا ذنوبهم عند مدينة الله ، ولم يكن الهدف من الحج خلال هذا العصر دينياً فقط وإنما كان يقام لأهداف أخرى سياسية و رياضية.
عند اليهود
ويشير الدكتور أحمد سعيد، الباحث في الديانات القديمة والتاريخ القديم أن الحجّ عند اليهود هي رحلة يقوم بها الحاج إلى مكانٍ مُقدَّسٍ وأهمُّ أماكنهم المقدّسة: القدس المحتلّة، ويحُجُّ اليهودُ إليها سنويًا في عيدِ الفصحِ، كما يَحُجُّون إلى المكانِ الذي أودعوا فيهِ تابوت العهد، وكذلك إلى قطعةٍ من السورِ القديمِ لهيكلِ سليمان عليه السلام في الجِهَةِ الغربيّةِ من المَسجدِ الأقصى، ويُسمّونَهُ بالمبكى Wailing وهو محلّ البراق، لافتا إلى أن الحج في الديانة اليهودية مفروض على الذكور فقط، دون الإناث والقاصرين والعميان والعرجان والمسنين، والمريض في العقل والجسم”، وكل شخص عليـه أن يقدم صدقـة ويستخدم اليهود الآلات الموسيقية المختلفة فيصعودهم إلى أورشليم؛ للتخفيف من متاعبهم بالترنم وإلى جانب الموسيقى ينشد الحجاج اليهود بعض الأناشيد الدينية، كمظهر من مظاهر الحج والزيارة.
ويضيف أنه يكاد يتفق اليهود جميعًا على أداء فريضة الحجّ إلى بيت المقدس ويسمى الزيارة إلا فرقة السامريّين، فهم يتوجهون إلى جبل يُقَال له: غريزيم بين بيت المقدس ونابلس؛ إذ يعتقدون أن يهوه أمر داودَ عليه السلام أن يبني بيت المقدس بجبل نابلس، فتحوّل إلى بيت المقدس، وبنى البيت فيه مخالفًا أمر الرب، كما يحجُّ السامريُّون إلى الهيكل الذى بنوه في جرزيم الذى ظلّ مُنافسًا لهيكل القدس حَوَالَيْ مائتي عام من وقت بنائه إلى أن هدمه رئيس كهان بيت المقدس حنا هيركانوس قبل الميلاد بأكثر من مائة عام، ثم أعاد السامريُّون بناءه حتى هدمه الرومان بعد ثورة السامريين فى القرن الخامس للميلاد وقد أعطى اليهود بعض الجبال منزلة خاصة، وأحاطوها بهالة من القُدسيّة والاحترام، باعتبارها أماكن للعبادة، مثل: – جبل حوريب في طور سيناء، وعليه كلّم الله تعالى موسى عليه السلام.
في المسيحية
ويلمح الباحث مصطفى بكرى جاب الله، الأثرى بمنطقة الآثار الإسلامية والقبطية ببني سويف، إلى أن الأناجيل لم تفرض الحج إلى جهة بعينها، كما أنّ عيسى عليه السلام لم يُنَوِّه إلى هذا الواجب الديني، لكنه عند بلوغه سن الإثني عشر يُقَال: إنه ذهب مع أمه إلى أورشليم؛ تنفيذًا لأمر الشريعة اليهودية. ويخبرنا الإنجيل أنّه بعد رفع المسيح عليه السلام إلى السماء بخمس وعشرين عامًا أدّى بولس حج العنصرة، وسِجِلّ التاريخ النصراني الأول لم يُشِر من قريب أو بعيد إلى ضرورة زيارة الأماكن التي ارتادها وعاش فيها المسيح عليه السلام ، والنّصارى ينظرون إلى جسد المسيح على أنه بديل عن هيكل اليهود؛ لذا اقتصروا فى البداية على زيارة ما يمثل رمزه، وهو المكان الذي يمثل مكان صلب المسيح بزعمهم الموجود في كل كنائسهم، فيعتبرون هذا المكان مكانًا مُقدّسًا، ويعتقدون أَنّ جسد المسيح المصلوب بزعمهم يُمَثّل الذبيحة الكاملة للرَّبِّ، والتي تقدّس ذاتها بذاتها، وقد اتجه المسيحيون في رحلة الحج إلى قبورِ الصالحينَ، ثمَّ تحوّلوا إلى القدسِ فأخذوا يقصدونَها ، واتجهوا كذلك في رحلة الحجّ إلى بيتِ لحم الذى وُلِدَ فيهِ المسيح عليه السلام ويقصدونَ كنيسةَ القيامة، كما أنَّهم يَحُجُّونَ إلى كنيستَيْ بطرس، وبولس في روما، وكذلك كنيسة لورد في فرنسا، ومدينة فاطمة في البرتغال، وكان الحج يبدأ بالحصول على البركات من الكاهن الذي يرتدى ملابس خاصة مميزة لهذه الشعيرة.
طريق الحج
ويؤكد “بكري” على أن المسيحيين عرفوا الحج أنهم امنوا طرق الحج للحجاج فقد أمّن الإمبراطور قسطنطين الكبير “323-337م” طريق الحج المسيحي إلى القدس وطور سيناء، وبدأت رحلات الحج بعد زيارة الإمبراطورة هيلانة أم الإمبراطور قسطنطين للقدس حيث بنت فيها كنيسة القيامة 336م وزارت جبل سيناء وأمرت ببناء برجين وكنيسة العليقة بطور سينا منطقة سانت كاترين حالياً.
ويضيف “بكرى” أنه كان يوجد طريقان مشهوران للحج المسيحي بسيناء طريق شرقي وطريق غربي: فالطريق الشرقى هو للحجاج القادمون من إيلياكابيتولينا (القدس) إلى جبل سيناء ، أما الطريق الغربي، فيبدأ من إيلياكابيتولينا عبر شمال سيناء وشرق خليج السويس إلى جبل سيناء، ومنذ عام 1967 أثناء الاحتلال الإسرائيلى لسيناء زار منطقة وادى حجاج التى تقع على طريق الحج المسيحى عدة علماء إسرائيليين وقاموا بتصوير أكثر من 400 نقش منها نقوش نبطية ، يونانية ، لاتينية ، أرمينية ، قبطية آرامية ولا يوجد أى نقوش عبرية ورغم ذلك.
يذكر عالم الآثار الإسرائيلى أفينير نجف أن هذا الطريق كان للحجاج اليهود وحاول الإسرائيليون ترسيخ هذا المفهوم إبان احتلالهم لسيناء فقاموا بحفر بعض الرموز اليهودية بهضبة حجاج التى تقع على هذا الطريق تمثل المينوراة وهى كلمة عبرية تعنى الشمعدان وذلك لإثبات أحقيتهم وحدهم بهذا الطريق كطريق لخروج بني إسرائيل وبالتالي فهو طريق للحج اليهودي لأغراض استيطانية ليس إلا ولا علاقة لها بالدين أو التاريخ أو الآثار مع اعتبار هذا تشويه لنقوش أثرية قديمة بعمل هذه الرموز الحديثة مجاورة للنقوش الأثرية والمؤكد أثرياً من خلال الآثار والنقوش المسيحية المكتشفة على طول هذا الطريق أنه طريق حج للمسيحيين ولاعلاقة لليهود به نهائيا.
وأردف بكرى أن الحج المسيحي استمر في العصر الاسلامى حيث ازدهر طريق الحج المسيحي في العصر الإسلامي واستخدم ميناء الطور في العصر المملوكي طريقاً للحج المسيحي منذ القرن الرابع عشر الميلادي وكانت السفن تبحر من موانئ إيطاليا جنوة أو البندقية (فينيسيا) إلى الإسكندرية ثم تتوجه بالنيل إلى القاهرة وبعد أن يحصلوا على عهد الأمان أو الفرمان من سلطان المماليك يقيم الحجاج فترة فى استراحة للحجاج بالقاهرة حيث يتم إعطاء أطعمة للحجاج الفقراء المتوجهين إلى سانت كاترين ويعود الحجاج المسيحيون إلى أوربا عن طريق الإسكندرية على سفن البندقية.
وفي البوذية..
ويضيف ياسرعبد الرحمن، الباحث في الديانات والآثار القديمة الاثرى بمنطقة ثار بني سويف أن الحج في الديانة البوذية كان فريضة إلزامية ويختلف فروضه وتفسيره باختلاف البلاد التي تعتنق مذهبه، وكان البوذيين يتوجهون لأداءِ مناســكِ الحـجِّ إلى الهــندِ، والنـيـبـال ، وسـنّ بـوذا فـي كانـدى، وتيان شان ، وفوجـي يامـا وغيرها من الأماكن المقدّسة، والحج في البوذية يهدف إلى تهذيب النفس وطهارتها. ويدور مِحْورُ العبادات البوذية حول التأمل والتفكر الروحي في حقيقة الوجود والبوذيون يعترفون أنَّ طقوس العبادة فى الصلاة والصيام والحج لم يأت بها بوذا، وإنما هي من وضعهم بعد وفاته .
ويؤكد “عبد الرحمن” على أن مفهوم الحج فى الديانة الهندوسية يسمى ياترا، أى عبور النهر، وشدُّ الرحالِ إلى الهند، متمثِّلًا في أماكنها المقدّسة”دواركا، جكنات بورى، بادركا شرم، راميشور” كذلك يحج الهندوس إلى أحد الأنهار المطهرة، فيغتسلون فيه، مثل: نهرى كنكا، جامنا، وبالذات نهر الكنج ، وسرُّ تقديسِهم لنهرِ الكنج، يُعْزَى لكونِهم يعتقدونَ أنَّ أحد الآلهة قد استحمَّ فيها، إضافةً إلى أنَّ البددة (Al-badada اختلفت الآراءُ فى معنى (البد) عندهم؛ فهو شخص في العالم لا يأكل، لا يشرب، لا يولد، لا ينكح، لا يهرم، لا يموت.
وأولُ (بد) ظهر فى العالم اسمــه (شــاكمين)، وتفسيرُه السيد الشـريف، ومن وقتِ ظهورِهِ إلى وقتِ الهجرةِ خمسة آلاف سنة و قد أتوهم عند نهر الكنج، وأعطوهم العلوم، وظهروا لهم في أجناسٍ وأشخاصٍ شتّى.
ويضيف عبدالرحمن ان الحج فى الديانة الهندوسية تطوع وفضيلة، وليس مفروضًا عليهم، وهو القصد إلى أحد البلاد المقدّسة لديهم أو أحد أصنامهم المعظمة، أو الأنهار المطهرة، فيغتسلون بها، ويؤدون فروض الطاعة لمعبودهم، ويسبحون له، ويدعون، ويحلقون رءوسهم ولحاهم وعلى الهندوسيّ أنْ يتركِ الأهل.
أمّا ما يَخُصُّ الميقات وهو مسافة كيلومتر من بيته، فعليه أن يتخلّى عن لباسه، فيغتسل ويختار لباس الإحرام، وهو قميصٌ طويل وإزار بلون أصفر، ويأخذ عصا من القصب الهندى، ويعلق عليه نوعًا خاصًا من الآنية للماء، ويخرج مُرتلًا الوِرْد الخاص، وهو (هرى كرشن هرى رام)، ومن الأفضل أن يمشي على قدميه وهو واجبٌ على البرهمي، وتطوعٌ لغيرهِ.
عند العرب 
يقول مؤمن مخلوف، مدير عام مناطق آثار بنى سويف للآثار الإسلامية والقبطية أن العرب فى شبة الجزيرة العربية كانو ينظمون رحلتين للحج كل عام رحلة الصيف ورحلة الشتاء وكان الهدف منها التجارة والحج حيث كانو يتوجهون ال مكة حيث بيت الله الحرام
ويضيف “مخلوف” أن العرب قبل دخول الإسلام كانوا يحجون إلى الكعبة من جميع أنحاء الجزيرة العربية كالهنود والصابئة والفرس وغيرهم وكانوا يحرمون الشهر الذي يقام فيه الحج ولا يسمح فيه بالقتال وكان الحج في عصور ما قبل الإسلام يقام لأغراض دينية وتجارية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى