رأي

د. محمد فاروق يكتب: سبوبة الوظيفة العامة

لو سألت أي موظف في مصر عن واجباته أو حقوقه الوظيفية  لا تجد إجابة شافية وعلى الرغم من هذا تجد أن الشعار الذي يرفعه جميع المصريين “لو فاتك الميري اترمغ في ترابه” ، فالكل يسعى نحو التوظيف  الحكومي أو الحصول على عقد للعمل في وظيفة مؤقتة بالحكومة تمهيدا للتثبيت وخط السير معروف للوصول لهذه المحطة. ورغم سخونة المسعى للعمل الحكومي في كل مراحله نجد فتورا في الأداء الوظيفي وترهلا وعدم إلتزام ينعكس على مستوى مايقدم من خدمات للمواطنين،  وبالتالي تنشأ حالة من عدم الرضاء العام بين الناس ببلدنا عن معظم الخدمات المقدمة لهم في العديد من القطاعات، ولا عجب أن تكون هذه الحالة سائدة بين متلقي هذه الخدمات سواء كانت تعليمية أو صحية أو تموينية أو خدمات النقل والسفر  والتواصل أو حتى على مستوى المعاملات المختلفة في قطاعات مثل الكهرباء والغاز والمياه والصرف الصحي والري … إلخ، ولكن الأعجب أن حالة عدم الرضا هذه توجد أيضا بين من يقدمون هذه الخدمات أي بين العاملين الذين يؤدون ما يؤدون من خدمات وهم لما يفعلون كارهون، ويبررون هذا بعدم  مناسبة الدخل لما يبذلون من جهد، وإذا سألتهم لماذا يسعون لمثل هذه الوظائف مع عدم قناعتهم بالدخل؟ تكون الإجابة التي يعطيها الجميع “الوظيفة الحكومية هي السبوبة المضمونة”،  أما عدم الرضا أو سوء معاملة الجمهور والتمنع عليهم فقد أضحى مفتاحا وطريقا لسبوبة أخرى هي في مجملها – كما يضمرون – أفضل وأحسن.

ولقد كان عدم الرضا هذا أو التمنع في السابق يعبر عن نفسه في شكل أداء روتيني يستمتع الموظف العام فيه بوضع العوائق أمام طالبي الخدمة حتى كان في وقت ما يصل الأمر إلى الحد الذي يبدو فيه الطالب وكأنه يستجدي الخدمة، ويبدو الموظف وهو يؤديها وكأنه يجود بها من لدنه  ويتفضل بها من كرم أخلاقه ونبل أصله، ولكن – والحق يقال – كانت الخدمات تؤدى بشكل معقول في عمومها … فكان المعلم يعلم طلابه والطبيب يرعى مرضاه  والموظف العام يستقبل طالبي الخدمات ويؤديها لهم و ذلك بغض النظر عن الهالة التي يحيط كل منهم بها نفسه … وكان الجميع سواء خادمون أو مخدومون يتمسكون بحبل الاحترام  الذي تفرضه الدولة القوية، وكان التوصيف الوظيفي  لكل وظيفة له محددات عامة يتوارثها الموظفون ويلتزمون بها في إطار المحاسبية المعمول بها في ذلك الوقت.

غير أنه مع تدهور اقتصادنا – وليس هنا مجال للخوض في أسبابه في هذا المقال – بلى حبل الاحترام الذي كان يتمسك به الجانبان وبدءا معا في غزل حبال أخرى لعلاقة أخرى تقوم على أساس الانتفاع المتبادل، وعلى أساس أن الخدمة يوفرها الموظف العام بشخصه وليس بوظيفته العامة وبالتالي يستحق أن يحاسب عليها . فهو الذي خفض لك تقدير الجمارك مدعيا أنه سجل ما أتيت به من الخارج  على أنه مستخدم  وبالتالي يطالبك بأن تقسم معه التخفيض الذي كان سببا فيه، و الطالب يغيب عن المدرسة في مقابل أن يحصل على درس خصوصي يعين به المعلم على راتبه المحدود، والمريض يذهب للطبيب بعيادته التي يعمل بها في الوقت المخصص للعمل بالمستشفى أو الوحدة الصحية، والمريض يوهم نفسه بأن بمرعاته للطبيب بزيارته في عيادته الخاصة سيحصل على اهتمام بالغ منه والطبيب لا يمانع بأن يبيعه  هذا الوهم بإظهار بعض الاهتمام والحميمية في تعامله معه . أما الموظف العام فيعطيك إحساس بأنه أعطاك أولوية في الاستجابة لطلبك يستحق عليها المكافأة، وإذا استجاب لك لإصلاح انقطاع المياه أو توصيل الكهرباء أو التعامل مع انسداد بالوعة صرف أو غيرها … فإنه حرك فريقه الخاص معك ويجب عليك أن تقدر هذا بدورك،  وإذا جاء تقديرك بأقل مما يتوقع أخبرك بأنه سيقسم مكافأتك على أربعة أو خمسة أفراد وهي بهذا غير مجدية .

أما موظفي شركات الطيران والاتصالات وغيرها فتجد أنهم يعاملون  طالبي الخدمة بتجهم وجفاء مادام أنه لايمكن له الانتفاع منه بشكل شخصي أو لا توجد بينهما معرفة أو واسطة من العيار فوق المتوسط وكأن لسان حالهم يقول: هذا ما لدينا سواء راق لكم أم لم يرق.

والسوال الذي يطرح نفسه:  هل نريد لمثل هذا الإهتراء أن يستمر؟ وإلى أين يأخذنا هذا الوضع بكل رداءته؟

 

إذا كنا لا نستطيع التخلص من إرث العهد الاشتراكي الثقييل في الجهاز الإداري للدولة فعلى الأقل بجب ألا نستمر في تضخيمه بما يمثل من عبء على آفاق التنمية في الدولة. فمعظم الدول تتيح التوظيف من خلال عقود محددة المدة مع تفعيل للضمان الاجتماعي والرعاية الصحية واللذين تقف وراءهما الدولة بمنتهى القوة، وهو ما يمكن أن نأخذ به لضخ عناصر شبابية واعدة لتطوير الجهاز الإداري.

كما أنه في بعض الدول يقوم العاملين الذين حصلوا من خلال العمل الدؤوب بنظام التعاقد على  وظائف دائمة بالتوقيع على ميثاق أداء وظيفي يتم تغيير معاييره وفق مستجدات متطلبات الوظيفة كل بضع سنوات (ثلاث سنوات كحد أقصى) بحيث يضمن هذا تعريف للموظف بما هو مطلوب منه  وأيضا بمثابة تجديد للعهد يضمن إلتزام العاملين بتجديد دماءهم من خلال التدريب على هذه المستجدات و المشاركة في ورش عمل و دورات تدريبية والاطلاع على تجارب مشابهة في الداخل أو الخارج، ولابد من تفعيل نظام المحاسبية لإعادة الفرز بحيث يقود حركة العمل العاملون الأكثر كفاءة.

لابد أبضا من رفع تعريفة الخدمات المختلفة مع تغيير اللوائح العتيدة التي مازالت تحكم منذ الحقبة الاشتراكية بحيث ينعكس هذا على دخول العاملين فلا يعقل أن تظل العلاوة السنوية 6 جنيهات وعلاوة انجاب طفل ثلاث جنيهات في عصرنا هذا. لابد من فكر جديد ورؤى شاملة للمشهد الإداري العبثي ببلدنا ولكن يتم تفعيلها بهدوء سياسي وتدرج اقتصادي يحافظ على النسيج الاجتماعي ويحميه.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى