رأي

د.أحمد صالحين البحيري يكتب: الطب اللذيذ (2)

إنما للطب حظوظ ، أتذكر حين كنت طالبا بالفرقة الثانية في امتحانات آخر العام وكان لكل مادة ندرسها امتحانا خاصا بالجزء الشفوي منها , وكان وقتها امتحان شفوي مادة الفسيولوجي ـ علم وظائف الأعضاء ـ  وكان الكل يرتعد خوفا من المجهول الذي نحن في انتظاره, وكنا ننتظر حتى نعرف توزيع الطلبة على الأطباء والأساتذة , فمن كتب له ممتحن لين هين كان يوم سعده ومن كتب عليه ممتحن غير ذلك كان كيوم لا ينفع مال ولا بنون.

وبينما أنا انتظر إذ علمت أن الممتحن الذي كان من نصيبي – أستاذة طبيبة من خارج كليتنا ومعروف عنها الشدة والتعنت نوعا ما , علمت وقتها أن حظي السئ لن ينفك عني أبدا ما حييت وإنه مازال أمامي الكثير من العقبات لأتخطاها في هذه الحياة.

وأنا انتظر دوري في الدخول عليها أرى زملائي الخارجين من غرفتها ليسوا كما دخلوا , وكلما سألت أحدهم عن طبيعة أسألتها أو عن كيفية التعامل ينظر إلي صامتا ويتركني ويذهب , حتى إذا خرج أحدهم , وما إن هممت أسأله إلا وقد وجدته ممسكا بكتبه يمزقها إربا ويلعثم بالشتائم ويدور حول نفسه , علمت حينها أن الداخل في هذه اللجنة مفقود وأن الخارج منها وإن خرج فقد يخرج مجذوبا.

استسلمت للأمر ووضعت أقلامي وصحفي وانتظرت صامتا موتي ودوري , وجاءت اللحظه وجاء السؤال , وقد وجدتها جالسة مسترخية تشرب كوبا من الشاي نظرة الموت في عينيها تخطط كيف تغتال حلمي وتقتل أملي , وما إن جلست حتى قالت لي ـ  مذاكر ولا هتقرفني زي اللي قبلك ـ حينها نظرت إليها وقلت لها ـ مش هتفرق كتير يادكتورة ـ وأقول في نفسي اقض ما أنت قاضية , ثم نظرت وبثرت وتفحصت وقالت ـ وكمان فزلوك ـ وبدأ السؤال , حقيقة لا أتذكر أني أجبت على شئ بصورة صحيحة في هذه اللجنه سوى اسمي ورقم جلوسي , حتى أني تلعثمت في رقم الجلوس وتذكرته بالكاد فلم أدري في أي فسيولوجي تتحدث حتى أنني أعتقدت أني أخطأت في اللجنة , ولما كان الأمر كما يبدو , رفعت صوتها وقالت لي ـ أنتو فشله أنتو إزاي هتعالجوا الناس ـ  وفي خضم المعركة ورفع الأصوات وجدت نفسي أتكلم ولا آبه بالعقبات , أقول لها كل ما اشتهيت وما يريح قلبي المتقد , وإذ بها تضع قلمها بجانب اسمي المكتوب لتخط به أكبر صفر قد يكتب , ولكن الله يأبى , إذ في هذه اللحظة يدخل علينا الأستاذ الدكتور الشاعر أحمد تيمور , وكان وقتها رئيسا للقسم وقد فطن ما قد حدث , فيقول لها ـ والله ماتتعبي نفسك يادكتورة دول عيال مش تمام ـ ويأخذ منها الورقه قبل أن تضع الصفر ويأخذني من أمامها إلى ممتحن آخر , ويربت على كتفي ويقول لي ـ أمك داعيالك ـ .

ذهبت إلى الممتحن الآخر وكان طبيبا محبوبا معروفا بلينه وطيبته , وحينما جلست أمامه , قام بسؤالي سؤالين فأجبته , فقام بهز رأسه وقال لي ـ أهو ياسيدي الدرجة النهائية , مرضي ياعم ـ , قمت من أمامه والذهول ما زال يعتريني ولا أدري ماذا حل ولا كيف حدث؟ , فقد جرت الأمور بشكل خيالي لا يصدقه أحد , فسبحان من يخرج من قلب الصفر نجاحا, ومن هول الموقف لينا وسلاما , ومن شدة الأزمات فرحا وارتياحا , فأعلم عزيزي القارئ أن الفرج يأتي من العدم وأن الله يعامل بالإحسان, وإن زهر الحظ قد يلعب مع أعتى المنحوسين , وليعلم القاصي والداني بأنه لا شرف في التعجيز ولا خير إلا باللين والتحفيز , لا شرف في التعقيد وهدم الآمال , لا شرف في قسوة وشدة غير مبررة , لا شرف في استغلال الكراسي والنفوذ , ولتعلم بأن لا شئ يدوم وأنك اليوم على كرسي الممتحن بكسر التاء غدا عند الله على كرسي الممتحن بفتحها , فأفعل خيرا تجده عند الله أكثر.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى