بين الناستحقيقات

قتل ذوي القربى| 160 جريمة دونتها الشرطة في 3 سنوات بالإسكندرية

يطالع المصريون يوميًا في صحف الصباح، والمواقع الالكترونية الصحفية أخبار الحوادث بعيون مفتوحة وبنصف وعي، يمرون سريعًا على الجرائم كأنما يقرآون خبرًا لمباراة كرة، لا يسترعي انتباههم شئ من الحوادث إلا جرائم الأسرة.

سقف واحد وأربعة حوائط خلف باب مغلق تعيش كل أسرة، لا يدري أحدهم أن الآخر سيقتله، لا يدب الشك في قلوبهم، فهم من دم واحد، لا أحد يسمع لهم صوتهم، يقول جيرانهم عنهم، أسرة هادئة، كل ذلك يتغير في لحظة يصفها المصريون بـ”ساعة شيطان”.

الاحصائيات التي حصل عليها “ولاد البلد” ترصد وقائع القتل الأسري التي تعددت بين أب يقتل إبنه والعكس، وأم تقتل أبنائها، من عام 2014 إلى 2017.

قتلى الأسرة الواحدة أكثر من مجرد رقم 

تقول مديرية أمن الإسكندرية، إن جرائم العنف الأسري وصلت لـ 82 واقعةٍ قتل في عاميّ 2014 و2015، وأن العدد بلغ فقط في عام 2016 والثلاثة أشهر الأولى من 2017 78 جريمة، فقط في 15 شهرًا، مقابل 24 شهرًا فيما سبق، بما يؤشر لارتفاع في عدد الجرائم، التي تنوعت بين المال والخلافات الأسرية.

أم قاتلة وأبٍ مقتول 

وشهدت الإسكندرية في عاميّ 2016 وحتى شهر مارس 2017، جرائم أثارت فزع مواطني الإسكندرية.

ومنها حينما تجردت الأم فايزة صابر 42 عامًا، ربة منزل، من كل مشاعر الانسانية و انهالت على نجلها فادى سمير، والذي يبلغ من العمر 13 عامًا، طعنًا بالسكين، حتى أن سقط غارقًا في دمائه، بعد مشادة كلامية بينهما لرفضها إعطاؤه مبالغ مالية.

واعترفت الأم في التحقيقات، أن نجلها هو من تعدى عليها بالضرب بسكين حاد، ليصيبها بجرح قطعي في اليد اليمنى، فأخذت منه السكين وطعنته بها، وبررت ذلك بأن القتيل أوقعها في ضغط نفسي كبير بسبب متطلبات الحياة الباهظة.

لكن علي عادل، 27 عامًا، لم ينفعه علمه وتخرج في كلية الصفوة، اقتصاد وعلوم سياسية في جامعة القاهرة، فقتل والده 62 عامًا.

ليته قتله في منزله كما فعلت فايزة مع نجلها، لكن علي طعن والده بسكين فسقط قتيلًا في شارع يقع بحي العطارين وسط الإسكندرية.

قتل علي والده، لخلافٍ مالي، وترك المنزل قبلها، لكنه حين التقى والده بالصدفة أثناء ذهابه للمبيت لدى عمته، عاتبه ثم اشتبكا في نقاش لاحظه المارة، ليخرج علي سكين من بيت ملابسه ويطعن والده، وسط ذهول المارة.

أزواج لكن قتلة 

يمتد القتل لينتشر بين الأزواج، وهو ما وثقّته مديرية أمن الإسكندرية في محاضرها.

استعانت عبير جابر، 25 عامًا، ربة منزل، بثلاثة أصدقاء لها، وبيتت النية على قتل زوجها وائل علي، سائق، وانهالوا عليه بالطعن بالأسلحة البيضاء والشنق بحبل، ثم ألقوا بجثته داخل ترعة المحمودية بدائرة قسم شرطة ثالث المنتزه، لكن سرعان ما طفت الجثة على سطحها وانكشف الأمر.

واعترفت الزوجة أمام النيابة العامة بأنها قتلت زوجها واستعانت بأصدقائها للتخلص من الجثة بسبب قيامه بالتعدي عليها وخلافاتهما المستمرة.

وفي 24 مارس الماضي، استيقظ السكندريون على قتل محمد. ب. 26 عامًا، سعودي الجنسية، وطالب بالأكاديمية البحرية لزوجته، م.ع.25 عامًا، ليبية الجنسية، بمنطقة المعمورة في دائرة قسم شرطة ثان المنتزه، وخنقها وقام بتقطيع جثتها بمنشار كهربي، ثم وضعه في أكياس، ونقل الجزء السفلي للجثة مع أصدقائه، واحتفظ بالعلوي في حقيبة بثلاجة شقة الزوجية، ثم سافر لبلاده.

لكن النيابة العامة اكتشفت الأمر، وواجهت صديقه المشترك، الذي قال أن المتهم قتل زوجته لخلافهما المستمر، بعد تزوجهما بعامين وانجابهما طفل هو علي، وقام القاتل بتسفيره لأهله، دون رغبة الأم، وتهديدها لها بقتلها لو أصرت على رؤية نجلها.

فيما واجهت النيابة العامة صديقه المشترك معه في الواقعة والذي قال أنه المتهم قتل زوجته بسبب خلافاتهم المستمرة منذ أن تزوجها من عامين وإنجابه منها طفل يدعى “على” وقام بتسفيره للخارج طرف أهله، دون رغبة المجني عليها وسابقة تهديده لأهليتها بقتلها بسبب إصرارها على طلب رؤية نجلها.

الخلفية النفسية

ذهبنا بأسئلتنا إلى الدكتور محمود عواض، أستاذ علم الاجتماع في جامعة الإسكندرية، والذي أرجع أسباب تلك الجرائم الأسرية إلى الخلفية النفسية إلى رب الأسرة والذي يتسم بالعنف الشديد في تعامله مع زوجته و أولاده، حتى أنه قد يفقد عناصر التفاهم والحب معهم، مؤكدًا أن هذا الأب يستخدم في تعاملاته اليومية مع أسرته الألفاظ البذيئة والنابية، ما ينتج عنه كره أفراد أسرته له وبالتالي تحدث الجريمة بسبب الحقد والكره وعدم وجود رحمة في التعامل بين أفراد الأسرة الواحدة.

ويضيف عواض، أن للمخدرات دور كبير في تلك الجرائم لكونها تٌذهب العقل لبعض الوقت، وأن هناك الكثير من الآباء والأمهات والأبناء يتناولون المخدرات بأشكالها المختلفة هربًا من مشاكلهم أو لكونهم مصابين بأمراض الفساد الأخلاقي، مؤكدًا أن أغلب مرتكبي هذه الجرائم يعلقون جريمتهم على شماعة الظروف الاقتصادية.

ويؤكد عواض، أنه يرفض تمامًا تعليق الأخطاء على شماعة الظروف، معتبرًا أن منتهى الجرم الإنساني أن تقتل الأم إبنها والإبن والده، ما جعلنا نفقد معنى وقيمة صلة الدم التي جعلها الله سبحانه وتعالي مقدسة.

مجتمع فقد صوابه

ويشرح الدكتور عاطف عبد الوهاب، أستاذ علم الاجتماع في جامعة الإسكندرية، أن تلك الحالات ليست حصرًا للعنف الأسري، بل هي عنوان لمجتمع فقد صوابه بسبب الجري وراء صخب الحياة، مؤكدًا أن في الماضي كنا نخاف من السير ليلًا، في الشارع ونخاف أن نسير في شوارع مظلمة، وكنا أيضا نغلق أبوابنا ليلًا خوفًا من الغرباء، لكن الأن نخاف من هؤلاء الذين نحيا معهم ونرتبط معهم بروابط الدم.

و يضيف عبد الوهاب، أن جريمة الأسرة، باتت ظاهرة مخيفة لكن لابد من تحليل أسبابها ودوافعها، وإننا إذا عرفنا سببها سوف نستطيع أن نلجم تلك النزعة السادية، مؤكدًا أنه لابد من تناول دراسة عن الإطار التشريعي الداعم للأسرة في المواثيق الدولية، والدستور المصري، مع تعزيز الإجراءات التي اتخذتها الدولة مؤخرًا لتعزيز الأسرة المصرية، وتعريف الأسرة، وتعريف العنف من المنظور الإجتماعي ومنظور علم النفس وأنواعه في الجامعات و المدارس.

اضطراب ذهني

الدكتور محمد عبد الحليم، طبيب الأمراض النفسية بالإسكندرية، يرى أننا أصبحنا أمام نوع من الجريمة لا يصدقه عقل، فالأن أصبح الإبن يقتل والده أو أمه والزوجة تقتل زوجها والزوج يقتل شريكة حياته، مؤكدًا أن تلك الجرائم وصفها العلمي بأنها لحظة اضطراب ذهاني حادة ومن الممكن أن تستمر للحظات وقت وقوع الجريمة، ثم يعود بعد ذلك لحالته الطبيعية.

ويوضح عبد الحليم، أن هذا المرض يصيب الإنسان في لحظات ويصاب وقتها باضطراب نفسي عنيف وحاد أدى إلى خلل نفسي داخله، أفقده صوابه وبعد ارتكاب الجريمة يندم ندمًا شديدًا على فعلته لدرجة تجعله يطلب من القضاء عدم رحمته.

ويؤكد عبد الحليم، أصبح بعض الأزواج لا يآمنون لزوجاتهم، وبعض الزوجات يقلقن من أزواجهن، مؤكدًا أن القضية تحتاج إلى معالجة من قبل الأطباء النفسيين وعلماء الاجتماع ورجال الدين، لمحاولة فهم وتحليل أسباب تلك الجرائم والوقوف على كيفية مواجهتها.

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى