رأي

د. الحملاوي صالح يكتب : أنا الدولة

” أنا الدولة ” ، شعار سياسي بسيط ! إلا أنه يحوي مفهوماً خطيراً وينطوي على سلوك ديكتاتوري غير مباشر مفاده: أن من يقوم بانتقاد الحاكم أو يقف في وجهه أو يعترض على قراراته ويخالفه في رأيه ، يعتبر خائن للدولة. ومن المعروف على صعيد الإنسانية عدم الكمال إلا لله (سبحانه وتعالى)، ومن البديهي أن نظرية الفكر الواحد لن تعود بالخير على الدولة ومستقبلها ومستقبل الحاكم معها ، إنما ستتحول إلى ما يشبه الإستعباد الفكري والعملي،  وكما نقول ” وجود رأيين أفضل من رأي “.

لكن على ما يبدو أن  مقولة لويس الرابع عشر: (أنا الدولة والدولة أنا) والتي تعني أن أي نقد لممارسات نظام الحكم ومؤسساته نقداً للدولة وانتقاصاً من هيبتها، وخدمة لأعدائها، وأن الدولة التسلطية المعاصرة تستند إلى حد كبير إلى أجهزة قمعية ومستشارين جل همهم تعميق عبادة الفرد الحاكم، وإقناعه بأنه قدر الأمة الأبدي وأن المواطن عدوه اللدود! فالفلاح حقير، والعامل وضيع، وصاحب القلم ذليل، والشاعر قوّال، والمفكر عبد لا يشترى إلا والعصا معه، وكلمة مواطن مفردة يجب أن تلغى من القاموس لتحل محلها كلمة عبد وعبيد، ومحسن عليه وفقير وشحاذ ؛ وبالتالي لا يحق للمواطن العادي البسيط أن يعبر عن حبه للوطن ولا أن يستخدم كلمة الوطن في أحاديثه ، لأن هذه الكلمة حصلت على ملكية حصرية خاصة لرأس الدولة ، والعشاق لا يحق لهم البوح بمشاعر خاصة بشيء اسمه الوطن، وإنما عليهم بل لزاماً عليهم التغني والتمجيد بالدولة وبعظمة الدولة وبمؤسسات الدولة، حتى لو كانت مؤسسات شكلية،.

والفرد الحاكم الذي يعتبر نفسه الدولة، له نوازع وميول نفسية منحرفة ومعيبة أبرزها ” تضخم الأنا ” ، ومن سمات ومؤشرات هذا التضخم والانحراف في الأنا، بروز مجموعة من السلوكيات والتصرفات الغارقة في الغرور والأنانية والفخر، والاعتزاز بالذات بشكل مَرضي وتعسفي على شروط الواقعية والموضوعية.

فالغرور مصدره العقل وغالبا ما يستعمل لإخفاء اخفاقات نفسية واجتماعية، وهو قناع لإثبات الذات، وشعور غير واقعي بالتفوق على الغير، وغالبا ما يكون هذا التفوق مبنيا على أمور ثانوية خارجة عن الإنجازات المؤثرة في المجتمع (أنا فعلت كذا… أقمت كذا… امتلكت…) وهذه التعابير والسلوكيات هي استخفاف ومزايدة على إنجازات الآخرين. أما الأنانية: فهي محاولة لإشباع الأنا المحرومة والغارقة في حب وتأليه الذات ورغباتها دون الاهتمام بمصالح الآخرين، وتبنّي مقولات ورفع شعارات واتخاد قرارات تحقق مكاسب سريعة ولها تكاليف مدمرة في المستقبل.

في حين يعتبر أن تمجيد الذات والتذكير بمنجزاتها وأعمالها ومحاولة تضخيمها وتعظيمها دون الآخرين، فعلا ذميما وسلبيا يساهم في إغراق الذات في عالم من الأكاذيب والأوهام التي لا وجود لها في أرض الواقع. فالتعالي والعجرفة والثقة الزائفة والمبالغ فيها في الذات، كلها عوامل ومؤثرات تدفع بمعتنقها إلى الهاوية والطريق المسدود.

ويشير التراث السيكولوجي في علم النفس أن تضخم أنا الفرد حالة نفسية مرضية تستدعي علاجاً نفسياً طويلاً وعاجلا. لأنها تخفي نقيصة عند صاحبها، وتدل على عدم انسجام صاحبها مع ذاته، وبالتالي فهي حالة من عدم التوافق النفسي والاجتماعي.

وتأخذ شخصية ” الأنا المتضخّم ” من الشخصية التسلطية : انفعالاتها الغاضبة واندفاعيتها المتطرفة،  والتعالي والعجرفة نحو من هم أقل منها منزلة ، وتصنيفها للناس بثنائيات ، وفي مقدمتها ثنائية الأصدقاء مقابل الأعداء؛ أي من كان معي فهو صديقي وما عداه فهو عدّوي ، والمفارقة أنها تتصرف بتواضع شديد وانصياع وتملّق لأصحاب القوة والمال!  وتأخذ من الشخصية الاحتوائية : السعي إلى السيطرة على الآخرين واحتواء وجودهم المعنوي وأفكارهم ، سواء بالإبهار أو بأساليب درامية إنفعاليه، فيها إلتواء وانحراف عن كل ما هو طبيعي وعادي.  وإجادة صناعة الكلام / البكاء، إضافة لقلّة  الأثمار / النتائج.

وأخيرا لاننسى أن ” الملك لويس الرابع عشر ” الذي عرفه التاريخ استبداديا ووصفه نظامه ” أنه نائب الله على الأرض”، تراجع  وهو يحتضر على فراش الموت ورجع إلى صوابه حيث نُسب إليه أنه قال :” أنا سأذهب أما الدولة فستبقى دائما “.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى