اخر الأخبارتقارير

خطبة الجمعة: حب الوطن لا يتوقف عند المشاعر بل تثبته السلوكيات

تصوير: أحمد دريم

أكدت خطبة الجمعة في مساجد أسيوط، أن من يفجر نفسه سواء آذى غيره أم لم يؤذ منتحر يعجل بنفسه إلى الهلاك، في الخطبة التي عممتها وزارة الأوقاف حول عنوان التضحية من أجل الأوطان.

وقال الخطباء إن الله عزوجل خلق الإنسان وفطره على حب الوطن والانتماء إليه والتضحية من أجله، والشهادة في سبيله، فمحبة الوطن فطرة فطر الله الناس عليها على اختلاف أعراقهم ومشاربهم، وعندما جاء الإسلام بشريعته السمحة جعل حب الوطن سبيلا للعمل الصالح وفعل الخيرات.

واقترن حب الوطن في القرآن الكريم بحب النفس، ومن ثم فليس بغريب أن يحب الإنسان وطنه ويحن إليه، فقد نشأ على ثراه، وشب على أرضه، وترعرع بين جنباته، وما ذلك إلا دليل على قوة الارتباط وصدق الانتماء.

وأشاروا إلى أنه خير دليل على ذلك ما أعلنه نبينا عن حبه لوطنه ومدى وفائه وتعلقه الكبير ببلده مكة، وهو يغادرها مهاجرا إلى المدينة حيث قال:”ما أيبك من بلدة وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك”، وفي رواية “ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت”.

وحين انتقل النبي مهاجرا بأمر ربه إلى المدينة سأل الله عزوجل أن يحببها إليه وأن ينعم فيها بالراحة والسكينة، والأمن والطمأنينة، فقال: “اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد”، هكذا ضرب نبينا أروع الأمثلة في حبه لوطنه.

وأكدوا أن حب الوطن لا يتوقف عند مجرد المشاعر والعواطف فحسب، بل يجب أن يترجم إلى عمل وسلوك صالح للفرد والمجتمع، ومن ثم لابد من التضحية لأجل بقائه قويا عزيزا، فالانتماء للوطن يوجب على أبنائه أن يعتزوا به، وأن يتكاتفوا جميعا للحفاظ عليه، وأن يسهموا بقوة في نهضته بالعلم والعمل والإنتاج، على أن للتضحية من أجل الوطن صورا عديدة منها

التضحية بالنفس، وهي أعلى صور التضحية من أجل المحافظة على الأوطان، فحراسة الأوطان والدفاع عنها واجب شرعي وضرورة وطنية عدها الشرع من أفضل الأعمال عند الله عزوجل، وأعلى درجات التضحية بالنفس أن ينال الإنسان الشهادة التي تعني بذل النفس والمال نصرة لدين الله ودفاعا عن الوطن والأرض والعرض والمال فالشهادة في سبيل الوطن منزلة تجعل صاحبها في صحبة الأنبياء والصديقين.

وبشر النبي عليه الصلاة والسلام كل من ضحى بنفسه دفاعا عن وطنه في سبيل الله وترغب فيها، وتبين مكانة الشهداء عند الله عزوجل ومنها تميز الشهداء يوم القيامة بهيئة خاصة وبريح تبعث من أجسادهم تتطاول لها الأعناق وتنحني لها الهامات إجلالا واحتراما، وكذلك رأينا الشهيد وحده من أهل الجنة هو من يتمنى أن يرجع إلى الدنيا لينال شرف القتل في سبيل الله عدة مرات ولأجل هذه المنزلة والكرامة رأينا الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يتسابقون ويتنافسون في التضحية من أجل وطنهم لبلوغ هذه المنزل.

وأوضحوا أنه هناك فرقا بين التضحية بالنفس في سبيل الوطن وبين من يفجر نفسه لإيذاء الآخرين، فليس هناك شرع يبيح أو يجيز ذلك، ففي العمليات الانتحارية تتعدد الجرائم، من يفجر نفسه سواء آذى غيره أم لم يؤذ منتحر يعجل بنفسه إلى الهلاك، وقد نهى الحق سبحانه وتعالى عن قتل النفس، أو الاعتداء عليها بأي لون من الألوان فقال تعالى:”ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما”، فكيف به إذا تسبب في قتل غيره من النساء والأطفال والبرءاء من ذوي الدماء المعصومة.

ومن صور التضحية التضحية بالمال، وهو أمر ليس بالسهل الميسور، بل هو صعب على أكثر الناس، لتعلق القلوب بحب المال، لذا كان بذله نوعا من التضحية والعطاء، وجعل الله عزوجل التضحية بالمال في أوجه الخير قرضا حسنا، وضرب الصحابة رضوان الله عليهم أروع الأمثلة في التضحية والفداء، فكانوا يضحون بكل غال ونفيس من أجل الحفاظ على وطنهم، فهذا هو أبوبكر الصجيق، يضحي بماله في سبيل تجهيز جيش العسره وشراء بئر رومة.

وتحدثوا عن مجالات التضحية من أجل الأوطان لا تنحصر في بذل النفس والمال فقط، بل تشمل كل مجالات التضحية بالجهد والفكر والوقت فالمعلم يضحي من أجل نشر العلم وبناء الأمة وصناعة القادة والعظماء، وكذلك التضحية بالوقت والجهد لقضاء حوائج الناس والصلح بينهم.

ومن التضحية من أجل الوطن، التعاون في العمل العام الذي يسهم في ناء الوطن ويرتقي بالمجتمع ونحن في هذه الأيام أمام قضية هامة هي قضية التعداد السكاني التي تسهم في تقدم المجتمع، والتاريخ يؤكد أن الأنبياء والرسل كانوا يهتمون بالتعداد السكاني، وعندما جاء النبي إلى المدينة طلب من أصحابه إجراء حصر بعدد المسلمين وذلك لتدبير شؤون الرعية وخاصة أن عددهم لم يكن معروفا لتعدد القبائل ووجود مهاجرين وأنصار، وأما باقي قبائل المدينة من أهل الكتاب فكان عددهم معروفا.

واختتموا أن المجتمع الذي يتخلق أفراده بالتضحية والمزيد من العمل والإنتاج هو مجتمع قادر على إنجاز أهدافه، وتحقيق آماله وطموحاته، والوصول إلى غاياته وتحقيق ازدهاره فتقوى شوكته فلا ينال منه الأعداء، ولا يعرف العداوة ولا الشحناء، ولا الحسد ولا البغضاء، وما أحوجنا إلى التحلي بقيمة التضحية من أجل الوطن لنرضي ربنا وليستعيد الوطن أمجاده، وننتصر على أعدائنا، فيسود الحق والعجل، ويعم الخير والأمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى