رأي

 تامر المهدي يكتب: الدقهلية مهبط الفنون

لست مؤرخا، ولست من الباحثين في التاريخ الفني، فقط أتذوق وأذوب عشقا في رقة الفن بكل أنواعه، إلا الفن التشكيلي الذي أجهله تماما مثلما يجهلني ويتجاهلني، ورغم أنني أعاني من ضعف في السمع إلا أن أذني لا تخطئ صوتا عذبا ولا موسيقى ملائكية، وعيوني لا تخطئ المشاهد الفنية والمؤثرة، والفن عموما امتلك كل حواسي، ولأنني تربيت على صوت الراديو والموسيقى والأصوات التي أثرت وكونت أحاسيسي تجاه كل ما هو جميل، ولا أنسى أبي – رحمة الله عليه- كان صاحب صوت لا بأس به، وكنت أنصت إلى ما يردده من أغاني، وتطورت علاقتي بأبي من خلال كتاباته الفنية، وأصدقائه أصحاب الذوق والفن الأصيل، لذا أحسب نفسي ضمن مستقبلي الفن الجميل وفقط.

محافظة الدقهلية دائما ما تفاجئ الجميع بأنها لا زالت تقدم الطرب والفنون بأنواعها، فسيدة الغناء العربي خير مثال بأن محافظتنا حبلى دائما بما تستقبله وتصدره من الفنون والأصالة والتاريخ، وبضغطة واحدة على رابط “أعلام محافظة الدقهلية” ربما ستتفاجأ مثلي بأسماء لا زال عطائها مستمر رغم رحيلها، في كل المجالات الفنية والسياسية والتاريخية والبطولية.

واليوم، أذوب عشقا من صوت محمد الشبيني ابن المطرب الجميل أحمد الشبيني، والشاب الجميل أدهم سليمان، الذي خط طريقا لنفسه فاحتل قلوب الجميع بأيقونته “الجيتار” الذي يحتل جانب القلب، وهيثم محفوظ، صاحب العود والقلب الوطني الرائع، وإسلام الملواني، الذي كلما تردد اسمه، أرى مستقبل مصر برغم الاحباطات، زاهر لا محالة، وأفضل من غنى “خدوا المناصب”، فهو عاشق لهذا الوطن وصوته خير دليل، وهايدي موسى وميرنا هشام، و…، القائمة طويلة جدا وأخشى نسيان أحد، فجميعهم يستحقون أن نفرد لهم صفحات في كتب لنصف مشاعرنا التي تأججت بالذكريات بسببهم، وألهبتها كلماتهم وأصواتهم وموسيقاهم في الحب والهجر والغدر والوطنية.

وإذا ذكرنا الشعر والكلمات التي تعزف ألحانا مختلفة داخلنا، وتدمي قلوبنا وتفرد جبهاتنا وتشفى أمراضنا العاطفية تارة وتؤججها تارة أخرى، فشاعرنا الرائع مصباح المهدي، يكفي أن أقول اسمه فتنطلق الكلمات الشاعرية المنمقة والمرتبة التي تشق جدار الأحلام والآلام، وشاعر” الغلابة” كما أحب أن أصفه، عم علي عبدالعزيز، الذى كلما ذكر اسمه أتذكر رائعته “كان للغلابة وطن” فهو رقيق المشاعر ومرهف الإحساس، والرائع سمير الأمير، الذى بمجرد أن تسمع أو تقرأ إبداعه الشعري يمس أوتار قلبك بكلماته العذبة، وأمجد القهوجي، اسمه يكفي أن يقول كل شيء فمجرد إطلاق الاسم، ستجد سيل من المشاعر أمامك، والشباب  الرائعين أصحاب الشعر الذي يقطر قضايا شبابية وطنية قلبية، مصطفى أبو مسلم ومحمود رأفت ومحمود الشوربجي.

أما في مجال التمثيل ستجد صديقي وزميل الدراسة جميل، وائل علاء، الذي صال وجال وحده ليقدم فنه لمصر، عانى وقاسى، وقدم أخيرا عشرات المسلسلات والأفلام كبطل يستحق أن يعرفه العالم كله، هذا بخلاف المئات من الفنانين الواعدين الذين ينطلقون وحدهم من أجل تقديم الفن اللائق لمصر، ومنهم على سبيل المثال الفنان الجميل، شادي رؤوف، هذا الفنان المتكامل الذي يكتب ويمثل ويقوم على إخراج أعماله بمشاركة فنانين واعدين آخرين، نجح وسينجح، وأذكر أنني كنت أقول له، ستشتهر ويعرفك الناس، فقال أنا أقدم الفن للفن والشهرة ليست مقصدي وأطمح في فن مختلف أنا  وزملائي، وأؤكد مرة أخرى أنك وزملائك ستغمرون الدنيا بفنكم.

معتز سالم وشريف مندور، ومحمد السعيد، ليست لدي كلمات تليق بكم، وتعرفون من أنتم لدي ولدى الجميع، ويكفي أنكم صغار في السن لكنكم كبار في العقل والفن والروعة، أحييتم فكرة الراديو وانطلقتم، رغم أن ثقافة الراديو تكاد تنعدم، ولكنكم تراهنون على ما تقدمون وعلى كل متابعيكم والمقتنعين بكم، وقريبا سيسمع كل العالم بفنكم الراقي.

الرسم، هكذا أعرف اسمه، إلا أن عمر السبع، عرفني معنى آخر وهو أن الرسم شارك وكان في مقدمة صفوف الثورة، وتيقنت أن الفن الذي يقدمه هو وأقرانه، يملك التأثير ومحملا بقيم الحب والجمال والخير والأمل، ثم عرفت أن للفن ألوانا أخرى تستطيع شابة مثل إيمان شاهين أن تخطها في أوراقها البيضاء لتبعث فيها الروح، ثم وصلت إلى أن الفن لا يتوقف عند الأوراق البيضاء، فقد وصل إلى فن “الجرافيتي” الذي أكاد أجزم أن تاريخه بدأ من عند الفنان “نيمو”، ذلك الفنان الثوري الذي رسم كل شيء تمنيناه يوما، واكتشفت أيضا أن الرسم ليس قاصرا على الأوراق والجدران والحديد بل هناك من استطاع الرسم على ما نأكله، فرأيت الإبهار عند سارة السيد وآية هاني، فنانتان حقيقيتان.

أما ندى العمروسي، أخاف أن أخطئ في وصفها فتحولني إلى “زومبي” بفنها الذي يبهر حتى حدود الرعب، لقد استطاعت أن تغير ملامح الوجوه وتحولها إلى أشكال مرعبة، ومن خلال الصور تدرك أنك أمام فن مختلف لن يتكرر كثيرا، فنظرة إلى الصور تبهرك وترعبك في الوقت ذاته، ولدي يقين بأن ألفريد هتشكوك، مخرج أفلام الرعب الأشهر، كان يخرج أفلاما لأشخاص تتحرك وبتأثيرات صوتية ليبث داخلنا الخوف والرعب والإثارة، أما ندى فيكفيك ان تشاهد إحدى صورها الفنية.

وفي مجال الموسيقى والعزف، القائمة طويلة جدا، الفنانين بمحافظتي يبثون أروع الألحان الموسيقية في ربوع مصر، ومعظم الفرق الموسيقية لابد وأن تجد أحد أعضائها ينتمي لمحافظتي “الدقهلية” ولأن القائمة طويلة جدا، سأذكر صديقي الفنان الجميل، أحمد سليمان سعد، الذي يعانق آلة “الأورج” حينما يعزف، رأسه لا تتوقف عن الانحناء والالتفات يمينا ويسارا، وكأنه يطوف هائما ليخرج لحنا وموسيقى تعزف على أوتار قلوبنا، ولا أنسى أنني كنت من أوائل جمهوره قبل أن يترك مصر ويطوف في الدول العربية يعرفهم على فنه الجميل.

القائمة طويلة جدا جدا، والمقال لا يكفي لسردهم، وربما تجاوزت عن فن المقال قليلا لسرد أسماء وأسماء، حقهم جميعا أن نحتفي بهم وندعمهم، حقهم أن يعلم كل الناس عنهم وعن فنهم، حقهم أن يفرد لكل منهم كتاب نحكي فيه عن تجاربهم وفنونهم وآلامهم وأحلامهم وطموحاتهم، أدعموهم، أدعموا أبناء الدقهلية، مهبط الفنون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى