رأي

د. محمد أبو الفضل بدران  يكتب: داعش تقتل عبدالله بن خباب

عندما دعاني الدكتور خالد عزب، لألقي محاضرة بدورة الثقافة الإسلامية بمكتبة مصر العامة بالأقصر اصطحبتُ معي نصاً أورده ابن الأثير عن مقتل عبد الله بن خباب، سأترك ابن الأثير يروي لنا ما حدث، قال: »لما أقبَلت الخارجة من البصرة حتي دنت من النهروان رأي عصابةٌ منهم رجلا يسوق بامرأة علي حمار، فدعوه فانتهروه فأفزعوه وقالوا له: من أنت؟ قال: أنا عبدالله بن خباب صاحب رسول الله صلّي الله عليه وسلّم، فقالوا له: أفزعناك؟ قال: نعم، قالوا: لا روع عليك، حدّثنا عن أبيك حديثاً سمعته من رسول الله صلّي الله عليه وآله وسلّم تنفعنا به فقال: حدّثني أبي عن رسول الله صلّي الله عليه وآله وسلّم انه قال: تكون فتنة يموت فيها قلب الرجل كما يموت فيها بدنه يمسي فيها مؤمناً ويصبح كافراً ويصبح كافراً ويمسي مؤمناً، قالوا: لهذا الحديث سألناك، فما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثني عليهما خيراً، قالوا: ما تقول في عثمان في أول خلافته وفي آخرها؟ قال: إنه كان محقاً في أولها وفي آخرها، قالوا: فما تقول في علي قبل التحكيم وبعده؟ قال: إنه أعلم بالله منكم وأشد توقياً علي دينه وأنفذ بصيرة، فقالوا: إنك تتبع الهوي وتوالي الرجال علي أسمائها لا علي أفعالها، والله لنقتلنك قتلةً ما قتلناها أحداً.

فأخذوه وكتفوه ثم أقبلوا به وبامرأته، وهي حبلي متم، حتي نزلوا تحت نخل مواقير، فسقطت منه رطبة، فأخذها أحدهم فتركها في فيه فقال آخر: أخذتها بغير حلها وبغير ثمن، فألقاها، ثم مر بهم خنزير لأهل الذمة فضربه أحدهم بسيفه، فقالوا: هذا فساد في الأرض؛ فلقي صاحب الخنزير فأرضاه، فلما رأي ذلك منهم ابن خباب قال: لئن كنتم صادقين فيما أري فما علي منكم من بأس، إني مسلم ما أحدثت في الإسلام حدثاً، ولقد آمنتموني قلتم: لا روع عليك، فاضجعوه فذبحوه، فسال دمه في الماء، وأقبلوا إلي المرأة فقالت: أنا امرأة ألا تتقون الله! فبقروا بطنها، وقتلوا ثلاث نسوة من طيئ، وقتلوا أم سنان الصيداوية.

فلما بلغ علياً قتلهم عبدالله بن خباب واعتراضهم الناس، بعث اليهم الحارث بن مرة العبدي ليأتيهم وينظر ما بلغه عنهم ويكتب به اليه ولا يكتمه، فلما دنا منهم يسائلهم قتلوه، وأتي علياً الخبر والناس معه، فقالوا: يا أمير المومنين، علام ندع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في عيالنا وأموالنا؟ سر بنا إلي القوم فإذا فرغنا منهم سرنا إلي عدونا من أهل الشام”.

انتهي كلام ابن الأثير وروايته التي فصلها الطبري في تاريخه، وألقيت هذا النص الذي كاد يتحول فيه الطبري إلي شاهد يصف لنا ما يحدث في سيناء وليبيا والعراق واليمن وسوريا، فهذا المشهد المتكرر في التلفاز اليوم هو ما حكاه ابن الأثير حتي ينبه أجيالا قادمة، ستفاجأ بمن يستهين بقتل الإنسان دون وازع من ضمير فهو ضال مضل، وهو أعمي، فالصحابي يُقتل وامرأته يُبقر بطنها لفهم منحرف لتعاليم الدين.

فلماذا لا نوجه أبناءنا للمعين الصحيح في فهم الدين والحياة، حاولت في محاورتي مع الجمهور أن نركز علي إعمال العقل حتي لا يتحول العقل إلي حالة إيقاف مؤقت سرعان ما يغدو إيقافا دائما، لأن الكوب يكتسب لون المشروب. كان الحوار صريحا وتحدث الشباب ناقدين الخطاب الثقافي والوعطي والتعليمي الذي صار التلقين دون تفكير مظهره الأجلي، لكن إعمال العقل إنقاذ للشباب والمجتمع، إن الخطر الحقيقي للعالم العربي هو تغييب العقل ونشر الاقتتال الداخلي والحروب الأهلية، وهذا ناتج عن تفسيرات مغلوطة للتعاليم الدينية وتوظيف سياسي لزرع الفتن الداخلية في الشباب العربي.

عدت أفكر فيمن سيملأ عقول شبابنا بضرورة إعمال العقل، وفكرتُ كيف يصل المُسْتَدْيِنون إلي إيقاف عقولهم وعقول غيرهم؟، ورحتُ أفكر كيف كانت جبال أحزان عبدالله بن الخباب وهو يري السيوف تنهش في جسده؟، كيف كانت امرأته وهي تري مقتله وتلمس السيوف والخناجر تفتح بطنها الحُبلي وتجهز عليها؟، ورحتُ أقول لشبابنا ما قاله أبوالعلاء المعري: “أيها الغرّ إنْ خُصِصْتَ بعقلٍ”

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى