اخر الأخبارتقاريرحوادث

عائلة ضحية قسم العطارين تتحدث لـ”ولاد البلد”: اشتبهوا فيه ثم حولوه لجثة هامدة

 

 

العائلة: لن نتلقى العزاء إلا بالقصاص 

صباح الإثنين الماضي، اقتادت قوة من قسم شرطة العطارين في الإسكندرية، الشاب محمود سعيد شحاته علي حسن، 28 عامًا إلى القسم، للتحقيق معه بتهمة سرقة ملفات وأوراق من مقر النيابة الإدارية في المحافظة، لكن سعيد خرج في نفس اليوم من القسم جثة هامدة.

نحيب أسرته لم يتوقف منذ وفاته، لكن قوات قسم الشرطة بالقسم، رأت أنه لا يجب لأصوات البكاء وصرخات العويل أن تتجاوز حدود جدران غرفة ضيقة كان يسكنها شحاتة وزوجته وطفلهما الرضيع، في بدروم عقار بمنطقة محطة الرمل الذي يفصل بينه وبين القسم بضعة أمتار، حسبما روت أسرته لـ”ولاد البلد”.

تقول والدة شحاته الذي يعمل كسايس جراج، أن أبيه هٌدد بأبنائه الثلاثة بأن مصيرهم كأخيهم، وأنه من السهل تلفيق التهم لهم وللمحامين الذين يتولون الدفاع عن الأسرة، لتنزوي الأسرة في ركن بعيد في غرفتهم، وغلقّوا الأبواب.

العجز أصاب الوالدين، تقول الأم: “ولدي مات بعد قصة غريبة وقعت يوم الإثنين الماضي، حين اقتحمت شرطة من القسم منزل الأسرة بمنطقة الورديان غرب المحافظة، بحثُا عنه، الأبواب تحطمت وحرمة المنزل تم انتهاكها أثناء نومنا وابنتي وأحفادي”، كما سألوا عن جهاز الكمبيوتر المحمول “اللاب توب، والهاتف اللوكي “التابلت”، و”الموبايل”، و”كارت ميموري ـ فلاشة”، وأوراق.

وتضيف الأم: “ضابط القسم انهال ضربًا على ابني، فاحتضنته ورجوت الضابط أن يرحمه، فقال: ” عشان خاطر أمك بس أنا هسيبك”، ولكنه سرعان ما عصّب عينيه واقتاده إلى قسم الشرطة وهو يقول: “مش هخليك تشوف الأسفلت تاني”.

لم يكذب الضابط ما وعد به، فلم يرى محمود الأسفلت مرة أخرى، فقد ألقي القبض عليه فجر الإثنين، و توفي الواحدة ظهرًا.

ساعات تتسارع، حتى تم إخطار الأسرة في الثانية عشر من بعد منتصف الليل بوفاته، ليٌدفن بعد خمس ساعات في الخامسة من فجر الثلاثاء، لا تدري الأم ماذا تقول: “هو ابني قاتل، حرامي، بلطجي، احكموه عليه بـ 10 سنين أو 15، لكن ليه تقتلوه؟، محدش قال لي ابنك مات؟”.

نعود للوراء لساعات، حين توجهت الأم صباح الإثنين قبيل وفاة نجلها إلى النيابة، وطلبت استخراج تصريح لرؤيته داخل حجز قسم شرطة العطارين، ولكن قوات القسم إدعت أنه غير متواجد لديهم، ثم رفضوا فيما بعد زيارة محاميه، تقول الأم: “أنه تعرض للتعذيب صعقًا بالكهرباء وبالضرب المبرح ما أدى إلى إصابته بفتح غائر في الرأس”.

لجأ شقيق شحاته لحيلة كي يطمئن على أخيه دون أن يسبب لوالدته أية صدمة، قال لها أنه سيتوجه للكشف الطبي على زوجته، ولكن قلب الأم حدثّها أن ابنها مات، بينما كان هاتف شقيقه يرن: “أخوك انتحر شنق نفسه بملابسه الداخلية داخل الحجز”، شقيقته: “الفانلة لو شدتها تتقطع شنق نفسه بيها ازاي؟”.

جرت الأم نحو مشرحة كوم الدكة، لتحتضن نجلها الحضن الأخير وتلقى عليه نظرة الوداع، لكنها مٌنعت من الدخول: “امشي من هنا”، قالها بغضب فرد أمن للسيدة راجيًا إياها الابتعاد، لكنها طلبت تسلم جثمانه لغٌسله وكفنه ودفنه، لكن فرد الأمن رفض أيضًا.

وأضافت: “ضابط اتصل بي وقاللي ابقى ردي على التليفون لو مردتيش لو في بطن أمك هجيبك، لافتة أن أبنائها الثلاثة مهددين أن ينالوا نفس المصير إذا أثاروا القضية، على الرغم أنهم قاموا بحماية القسم أثناء ثورة يناير من الهجوم عليه”، تقول الأم في دهشة.

تواصل الأم: “لا نعلم بواقعة سرقة مستندات من النيابة الإدارية ولا نعرف مقرها، ضباط القسم ومخبريه قتلوا ابني، وأنا شوفت آثار تعذيب في راسه ورقبته، والشرطة كانت مهتمة جدًا بسرعة إنهاء تصاريح الدفن وإقامة العزاء”، لكن الأسرة رفضت تقبل العزاء في نجلها إلا بأن ينال من قتله عقوبة.

“هو احنا عشان غلابة تدونا بالجزم، هو عشان غلبان مالوش ظهر يترمي كدة، ادوني جثته وأنا اكفنه، لابد من القصاص لنجلي، لما ابنه الرضيع يكبر اقوله فين بابا اقوله مات مقتول”، تقول شقيقته بينما لا يتوقف ابن شقيقها عن البكاء، وهو لا يدري لماذا ارتدت أمه وجدته وخالته الأسود ولماذا اختفت الألوان الزاهية من ملابسهن.

ما زاد الأم قهرًا هو دفن الإبن فجرًا وكأن لا أهل له ولا صديق، وما زاد الأمور تعقيدًا عندما أصر ضباط القسم على دفنه في مقابر غريبة غير تابعة للأسرة، ولكنها نجحت في دفنه في مقابر العائلة.

وقالت شقيقته، إن القسم أخطر الأسرة بأن محمود سيدفن فجرًا تجنبًا لاندلاع تظاهرات في حال تأخير الدفن إلى ما بعد الظهر، مضيفة:” فينك يا سيسي، احنا انتخبناك ووقفنا جانبك، عايزين حق اخويا”.

وفجرت معلومة، حين كشفت أن شقيقها ألقى القبض عليه نتيجة لتشابه شكله مع المتهم الحقيقي في سرقة الملفات، وأن الشرطة حين اقتحمت منزل والدتهم، فتحت دولاب ملابسه وفتشت عن ملابس تشبه ملابس المتهم وأجبروه على ارتدائها.

“ولدي لم ينتحر، قٌتل بالتعذيب، الشرطة خلصت الإجراءات واستخرجت تصريح الدفن في الفجر وكفنت ابني وغسلته وشرحته، وأقامت عزاء ظهر الثلاثء بحضور أفراد وقيادات مباحث قسم العطارين، احنا ارخص حاجة لما بتمسكوا حد بتموتوه”.

ويقول عم المتوفي، إن الشرطة قبضت على عدد كبير من شباب منطقة المسلة، التي كان يعمل بها محمود سايس جراج والتي تقع بالقرب من مقر النيابة الإدارية، للتحري واحتجزوا بعضهم 4 ساعات إلى 11 ساعة قبل إطلاق سراحهم، إلا محمود.

“سؤالين وهنسيبك تروح بيتكم” قالها ضباط مباحث ومخبري القسم لمحمد سعيد، الشقيق الأكبر للمتوفى، وأوكله الضابط في التحري عن الفاعل، ولكنه رفض لأنه لم يكن مرشدًا سريًا، مضيفًا أن ضباط القسم حاولوا إقناع محمود بالتوقيع على محضر سرقة النيابة الإدارية، وعندما رفض أبرحوه ضربًا حتى فاضت روحه، ثم حاولوا مرة أخرى أن يجبروه على التوقيع على استلام جثمان أخيه ورفض أيضًا، إلا أنهم نجحوا مع شقيقه الأصغر بإجباره على التوقيع.

وذكرت آية زوجة شقيقه، أن الجثمان تم تشريحه بدون إذن من أهل المتوفى، كما رفضت الشرطة استلام جثمانه في الواحدة صباحًا، أي بعد ساعة من إخطارهم بالوفاة، كما أن مأمور القسم والضباط و كل أفراد القسم والمخبرين أدوا صلاة الجنازة عليه، ونقلت أفراد الأسرة في سيارات أجرة من المنزل إلى المقابر فجرًا، وأحضروا مسئول الدفن من منزله.

وتابعت: “واحد لسه متعرفش مات إزاي ليه تدفنوه؟ سيبوه في الثلاجة وليه مانشوفهوش؟ لو شانق نفسه ليه تشرحوه؟” مضيفة أن الأمن كان يجري اتصالات متتابعة معهم كي يطمئنوا على هدوء الأوضاع وإقامة السرادق من أفضل محال الفراشة بمحطة الرمل، وأصحابه طردوهم من العزاء، مؤكدة أنهم لن يتلقوا عزائه إلا بعد القصاص ممن قتلوه.

وأشارت: “سبق وأن ألقت الشرطة القبض على محمود وآخرين للتحري في قضية سرقة وحدة سكنية بالعقار المقيم فيه، وحكم عليه بمقتضاها بالحبس 6 أشهر، ولكنه طعن في الحكم ولم يبت فيها حتى الآن، كما أن صحيفته الجنائية خالية من أي سابقة أخرى.

في النهاية مضى الأب ـ مبتور ساقه ـ وفي حالة صحية حرجة، ويجهل القراءة والكتابة إلا اسمه، على مستند لاستلام ابنه، ظنًا منه أنه حيًا، ولكن توقيعه في تلك الغرفة المغلقة كان على تسلم جثمانه دون أن يدري، وكي يرضخ للتعليمات تم تهديده بأنه لن يرى أيًا من أبنائه مرة أخرى، بحسب رواية الإبن.

بينما أكد محمد، صديق المتوفى، أن سبب الوفاة بحسب تقرير الطب الشرعي” قيد البحث” وبالرغم من ذلك تم دفنه قبل معرفة السبب.

إلى ذلك، توجه وفد من المحامين والحقوقيين إلى منزل محمود شحاتة بمحطة الرمل لتقديم الدعم القانوني لهم، من بينهم سوزان ندا، وكيل مؤسسي حزب العيش والحرية، وأسماء نعيم، محامية بالمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وماهينور المصري المحامية، وآخرين.

ويتولى مهمة الدفاع عن أسرة المتوفى، المحامي محمد رمضان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى