رأي

عصام الدين الزهيري يكتب: قراقوش في ميدان السواقي

من المحزن فعلا في بلدنا أن تشبه إرادة أصحاب المناصب والجالسين على الكراسي إرادة سلاطين الاستبداد المطلق في عصور الظلام وأن تحاكي قراراتهم أحكام قراقوش أو قرارات الساسة في عصور الكهنوت الديني وهي قرارات كان يتلاحم فيها ما هو بشري أرضي مع ما هو مقدس إلهي لتصير أحكاما لا ترد ومشيئة لا معقب عليها وإرادة تنزه عن الخطأ مهما بالغت في الغرابة وفي الفساد.

هذه الحكمة المحزنة هي كل ما يمكن أن يستمده الإنسان من قرارات السلطات المحلية في الفيوم بكل مستوياتها، بالذات مستوى المحافظين ورؤساء المدن والأحياء والوحدات المحلية، وأقرب مثال لها مؤخرا يخطر باستمرار هذه الأيام على بال كل من يعيش على أرض الفيوم هو قرار إعادة إعمار وتجميل وهدم وبناء ميدان السواقي (قارون).

وهو قرار عبثي اتخذ وبدأ في تنفيذه من شهور طويلة ظل الميدان خلالها مكسرا مهشما يثير الحزن والاستياء في النفوس، ثم بدأت تتضح آثاره العشوائية هذه الأيام تاركة لأهالي الفيوم مساحة واسعة من الحسرة على حدائق الميدان الجميلة التي أزيلت لتحل محلها مثلثات من الجرانيت الأسود تتميز بقبح مؤسف وبذخ عجيب في الإنفاق في نفس الوقت!.

ليس هذا فقط بل اتسع المجال مع مساحات الحسرة على كتل الخضرة ومساحات النبات التي أزيلت وخلفت ذكرى أسيفة لمتع النزهة لمساحة أخرى من دهشة سكان المدينة وتساؤلهم عن معنى إنفاق مئات الآلاف – ربما ملايين – الجنيهات بمثل هذا السفه والتبذير من أجل إعادة تجميل ميدان لم يشتكي أحد من مكوناته، بل وتمتع الكل به، وكان يكفي للغاية إضافة لمسات قليلة وغير مكلفة ليصبح مثاليا ومريحا وممتعا أكثر مما كان عليه، وفي وقت يصارح فيه رئيس الجمهورية المصريين بأنهم فقراء..فقرا أوي، ويطالبهم بالتحمل..التحمل أوي، وشد الحزام على البطون الخاوية!.

وقد ردد الناس في الفيوم بسخرية ما اعتبروه حجة المسئولين عن كارثة هذا الإنفاق البذخي العبثي السخيف فقالوا إن هذه الأموال التي تلقى في التراب وتستهلك في تكسير الأرصفة وفي إزهاق أرواح الحدائق وتقطيع الأشجار ما هي إلا أموال معونة مشروطة بالتجميل!. وهو عذر أقبح من ذنب فالفيوم لم تعدم الميادين حتى يختار مسئولوها أفضل وأجمل وأمتع ميادينها وأريحها للنزهة والعين كي يجعلوا كل ما فيه أنقاضا ويعيدوا بنائه وتجميله بدون حاجة لهدم ولا لبناء ولا لتجميل.

فهناك ميادين أخرى مهمة تشتكي القبح ويعاني الناس من الإهمال لها ويفتقدون ما يمكن أن تمنحه لهم باتساعها من أوقات البهجة والنزهات ومن جمال للعين والخاطر.

ولك أن تتخيل مثلا لو كان السادة المسئولون عن هذا الخراب التجميلي المستعجل في المحافظة قد قرروا قسمة مثلثات الجرانيت الأسود على عدة ميادين، منها مثلا ميدان الحواتم الذي يخترق الرصيف مساحة جزيرته الواسعة من المنتصف كشريط قطار لم ينتبه لكونه يخترق ميدانا من الأساس! أو لو تم وضعها في أحد الميادين المتناثرة في منطقة مثل الشيخ حسن وتعاني من بؤس وقبح كتل الأسمنت التي تشغل سرتها؟. سؤال من هذا النوع لا يمكن لعقل أن يعثر على إجابة قريبة له إلا أن يكون ما يمارسه سلاطين الإدارة المحلية في الفيوم مجرد عبث إداري لا يستهدفون به إلا التنكيد على سكان المدينة الفقيرة في زينتها حد الكفاف. أو ربما – وهذا هو ما يتردد على نطاق واسع – لا تعني هذه القرارات شيئا أكثر من سبوبة اختلاس أموال التجميل بإلقائها أينما أتفق وبدون وجاهة ولا منطق ولا عناية بمصالح الأهالي وراحتهم.

وبما أنني لا أرى أنه من المحتم أن يقترن الفساد بالغباء، والسرقة بانعدام المنطق، والاختلاس بقلة الذوق، فما زلت لا أفهم ما الذي يعنيه بهدلة ميدان الفيوم الرئيسي بهذا الشكل القراقوشي غير اللائق وبدون داع في حين تعاني معظم ميادين المدينة، والمحافظة كلها، انعدام النفقة وليس شحها فقط.

كان يمكن للأموال التي أنفقت بسفه في بهدلة ميدان السواقي أن تخلق لنا على الأقل ثلاثة ميادين جديدة وجميلة وممتعة بصلاحيتها لنزهة الناس وتسريح أبصارهم وأرواحهم، ثلاثة ميادين على الأقل يا أصحاب القرارات السلطانية العبثية الجوفاء.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى