رأي

د . محمد أبو الفضل بدران يكتب: هتلر والعقاد

للعقاد رؤي ثاقبة تجاه الألمان، لذا سأحاول أن أتناول هنا – علي عجالة – موقفه من هتلر؛ لقد عاشت ألمانيا حربين عالميتين لم تكونا بمنأي عن العرب، بل وصلت دباباتها إلي الأراضي المصرية، وعانت مصر بين ظلم المستعمر في الداخل وخوف المستعمر القادم علي الحدود.

من هنا تأتي أهمية موقف العقاد من هتلر، وكيف سار ضد التيار السائد آنذاك؛ فكان “الرائد الذي لا يكذب أهله” ففي كتابه (هتلر في الميزان) الذي أصدره في 1940 ومن عجب أن هذا الكتاب طُبع مرة واحدة واختفي وبحثتُ عنه كثيرا فلم أجده لكن صديقي الراحل الأستاذ الدكتور عبد اللطيف عبد الحليم (أبوهمام) تفضل وصوّره لي من مكتبته العامرة، وقد ألّفه العقاد قبل أن تضع الحرب أوزارها، وقبل أن يعرف المنتصر والمنهزم وإن كانت المؤشرات تشير آنذاك نحو انتصار الألمان، “ونحن نكتب هذه السطور والرّحي تدور، ولا يعلم أحد أين يرتمي اللباب وأين ترتمي القشور” ويتعجب العقاد من موقف بعض الألمان من هتلر “وعلي جهل هذا الرجل وفراغ عقله لم تتورع جامعات ألمانيا أن تهدي إليه ألقاب الشرف العلمية والفلسفية، ولم يتورع الأدباء والشعراء أن يهدوا إليه الدواوين والمصنفات، تمجيدا له واعترافا بسداد آرائه” ويري العقاد هتلر فاشلا وهو في قمة انتصاراته “الحق أننا لا نعرف في الحاكمين بأمرهم رجلا أفشل حسابا من هتلر… وقد كان ذلك دأبه قبل ولاية الحكم وبعد ولاية الحكم ولايزال دأبه إلي الآن” ولا يبخسه حقه “فهو في الحقيقة صاحب عزيمة وصاحب إرادة “وهو” خطيب جهوري الصوت، شديد الإيمان بالعصبية الجرمانية”.

يقول العقاد عن الديمقراطية “لم تفشل الديمقراطية ولا ظهر إلي الآن من آثارها وعلاماتها إلا ما يدل علي نجاحها وثباتها، وأنها ستكون أساسا للحكم في المستقبل تُبني عليه قواعد الحكومات، ويرجع إليه في إصلاح كل ما يحتاج منها إلي الإصلاح”

لقد أبدع العقاد في تحليل شخصية هتلر تحليلا نفسيا؛ فبعد أن توقف حيال عصره ومجتمعه وأمته بادر إلي تشريح كوامنه وسبر أغوار نفسه في منهج علمي مستندا إلي روايات أطبائه ورفقائه وانطباعات زائريه ليخلص إلي أن “من خصائص هتلر أنك لا تجد فيه صفة واحدة” خالصة للعظمة وصحو العقل والطبيعة، فكل صفاته النفسية والفنية ملتبسات بين الاضطراب والسلامة، وبين الهبوط والرجحان” مُرجعا ذلك إلي نشأته المضطربة وصباه البائس وأسرته المفككة وأمراضه النفسية التي يذكر منها “المرض الهستيري وزيغ التكوين” وأنه مصاب “بآفة نفسية يسمونها شيزوفرينيا Schizophrenia أو ما يعبر عنه في العُرف الدارج بازدواج الشخصية”

لا نغفل التوسع الطموح لهتلر نحو السيطرة علي كل العالم ولكننا لا ننسي أن بعض الدول العربية الإسلامية كانت واقفة إلي جواره وقوفا حقيقيا أو معنويا لا حبا فيه بل كراهية للاستعمار البريطاني الذي كان يجثم علي أرضها، وقد كان كتاب هتلر “كفاحي” من العوامل التي ساعدت علي الاهتمام باللغة العربية في ألمانيا وربما نعجب إذا عرفنا أن أهم قاموس عربي في اللغة الألمانية قد وُضع لاهتمام سياسي بترجمة كتاب كفاحي لهتلر.

إن الموقف الألماني في عهد هتلر كان ضد اليهود، ولعل قراءة في كتاب هتلر سالف الذكر توضح إلي أي مدي كانت الكراهية في صدره ضد اليهود؛ ولم يكن فردا في ذلك التوجه بل كان يعبر عن قطاع من الشعب.

يتوقف أنيس منصور أمام قول العقاد:”إنني أري أن هتلر سوف ينهزم. وهزيمته لا محالة.. ولكن لماذا؟

قال العقاد: إن الذي ينظر إلي هتلر يغزو كل يوم بلداً يسحقه وينتصر عليه، يتأكد أن النصر في النهاية لهتلر وموسوليني. ولكن هناك فرقا بين أن تنظر إلي شيء وأن تراه، لقد كاد أن يمتلك مشرق العالم ومغربه ويمناه ويسراه لكن لن يطول هذا!

ويري أنيس منصور أن”الفيلسوف الوجودي سارتر كان في حركة المقاومة ضد النازية، وكان يري أن هتلر سوف ينهزم حتماً. لماذا؟ لأن هتلر قد صنع لنفسه صورة.. وأما الخوف منه فقد أضاف ألواناً وتفاصيل لهذه الصورة. وأعجبته الصورة. وحاول هتلر دائماً أن يقلد الصورة التي رسمتها له الشعوب المقهورة. ولم يعد هتلر يري إلا نفسه.. إلا صورته.. إنها حكاية الفتي نرجس.. حكاية النرجسية.. فقد رأي الفتي نرجس صورته علي صفحة الماء. فصار مسحوراً بها. وراح ينظر إلي الماء.. إلي صورته حتي جُن بها ومات!

وهو لم يمت وإنما انتحر.. وهتلر هو أعلي درجات النرجسية في العصر الحديث.. وإذا كان هتلر قد انتحر أيام حصار برلين، فهو في الحقيقة قد انتحر من البداية. ولكن نفذ القرار أخيراً..

وسارتر هو الآخر نظر إلي ما ينظر إليه الناس ولكنه رأي ما لم يره أحد – وكان أستاذنا العقاد أسبق منه! – نصح وقتها العرب بالوقوف ضد هتلر حيث يقول: “إن الذي ينصره أو يتمني له النصر يخطيء كل الخطأ”، ويصرح العقاد في كتابه بأن “سيطرة ألمانيا علي الدنيا ليست حقيقة في حيز الوجود، وليست حقيقة في مستقبل الأيام” لقد قال العقاد صراحة:”إن هبوط هذه التجربة النازية لهو أصدق نذير بهبوط الدولة النازية، وإن تطل الأيام… ولعلها لا تطول… وكل آت قريب” ويتحقق ما قاله العقاد بعد حين. كما يجمع العقاد بعض صور هتلر لينشرها في كتابه مستشهدا بدلالة حركاته وسكناته وبنيته الجسدية علي سوء طبعه ونفسه الشريرة.

ينطلق العقاد في تحليل شخصية هتلر من منطلق إيمانه المطلق بالحرية وكراهته الاستبداد مهما كانت مبررات وجوده ومهما كانت ثماره الآنية، وكم أعجب كيف رأي العقاد نهاية هتلر المأساوية بينما هو في قمة مجده وانتصاراته، والشواهد تشير إلي امتلاكه الأرض والجيش والشعب الذي يمجده، ربما تبدو نبوءة من العقاد، بيد أني أراها عقيدة لديه أن الظلم والاستعباد مهما علا في الأرض وامتد طغيانه فهو إلي زوال لا محالة.

قد تبدو هذه الرؤي العقادية مألوفة في عصرنا الحالي، لكن ينبغي النظر إليها في عصرها وكيف أثبتت تفرد العقاد برؤيته الثاقبة وإيمانه المطلق بالفرد والحرية والديمقراطية.

يبدو كتاب العقاد “هتلر في الميزان” تحليلا منهجيا لخبير في السياسة والقانون وعلم النفس وطبائع الشخوص وأنظمة الدول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى