بين الناسوجوه

10 معلومات جديدة عن نجع حمادي في السبعينيات كتبها «حمام الزناتي» في مذكراته

«نشأت في أسرة صغيرة لأب يعمل بطلمبات الدرب، وأم فاضلة لا تعمل، وأخ كبير هو المرحوم زناتي، وأخت وحيدة وأخ أصغر هو محمود، عشنا جميعًا بمنزل محاط بحنينه كبيرة كانت ملكًا للري، إلى أن تُوفي أبىّ المرحوم علي حسني وكان ذلك في يناير 1971، وكان من الممكن البقاء في المنزل كما فعل غيرنا ولكن قررنا ترك منزل «المصلحة» والإقامة بمنزل صغير كان قد بناه أبي في منطقة الترعة الضمرانية بنجع حمادي، أو «عزبة قاسم» كما كان يسميها أولاد البلد لأن هذه المنطقة كانت للمرحوم قاسم الشعيني رحمه الله ـ ومازال باق منها جزء يزرع شمال نجع حمادي، وهناك ساقية مهجورة تسمى ساقية مازالت موجودة وسط بالزراعات.

المهم.. بعد وفاة والدي وتسليم منزل الري وإقامتنا في منزل متواضع نسبة إلي ما تركناه.. وكنا صغارًا أنا وأختي وأخي محمود، وما كان يعمل إلا أخي الكبير المرحوم زناتي فوضع كل راتبه، وكان لا يتجاوز العشرين جنيهًا، لنعيش جميعًا بهذا المبلغ،

وكنت في الصف الثالث الإعدادي، وبعد دخولي مدرسة الشهيد خيرت القاضي، تمنيت أن أكون ضابطًا في البوليس ولم أوفق فقد حصلت على 57% فقط، وكانت أختي تدرس في مدرسة المعلمات بقنا، فما كان لي أن أكرر وأعيد الثانوية، ونظرًا للظروف المادية وشعوري بالمسؤولية وعدم رغبتي في تحميل أهلي مصاريف زيادة فقررت دخول كلية التربية ونظرًا لمجموعي وما كانت تربية قنا لتقبلني فالتحقت بتربية أسيوط وكان لزامًا عليّ أن أقيم في أسيوط بجوار كليتي وما يستتبع ذلك من مصاريف سكن ومذكرات ومواصلات.

وكانت أمي رحمها الله تجهز ليّ احتياجاتي المعيشية من أكل يكفي لمدة خمسة عشر يومًا، وآخذ مصاريف الشهر حوالي 15 جنيهًا وكانت تكفي رغم أني تعلمت تدخين السجائر، وكانت العلبة في وقتها بـ24 قرشًا، فرغم غضب أخي وأمي من تدخيني للسجائر نظرًا لما أصاب أبي من ذبحة صدرية نتيجة لكثرة التدخين، إلا أنني لم أقلع عن التدخين حتى الآن رغم تكرار النصح.

وكنت ومازلت محبًا للتجارة، بيع وشراء أي شيء، طالما حلال فلا مانع، المهم.. اشتريت كشك خشب من صديق لأخي كان اسمه سيد بكري وكان مدرسًا، بمبلغ 40 جنيهًا فقط، وما كنت أملك إلا خمسون جنيهًا فعرضت على صديقي  «سيد أبوعبيد»، وهو الآن أستاذ دكتور بجامعة الأزهر، واسمه الأصلي الدكتور أبوبكر عبيد زيدان، عرضت عليه أن يشاركني فأحضر على الفور خمسون جنيهًا كل ما كان يمتلكه هو أيضًا وذهبت إلى فرشوط وأحضرت أدوات مدرسية وبقالة وبدأت أبيع واشتري، وساعدني في ذلك أثناء غيابي في أسيوط للدراسة، أخي «محمود»، وقد كان في المرحلة الثانوية.

و كنت أحضر ما أستطيع إحضاره من أسيوط من السجائر، ومعسل، ومكرونة، وصابون، وكانت هذه الأصناف شحيحة جدًا في نجع حمادي في ذلك الوقت وكنت أبيعها هنا بأسعار مرضية وكنت أكسب يوميًا أكثر من ثلاثين أو أربعين جنيهًا، والحمد لله بتشجيع والدتي ومساعدة أخي “ربنا سهل” رغم اعتراض أخي زناتي في بداية الأمر، خوفًا من انشغالي في التجارة عن الدراسة، ولكن الحمد لله استطعت التوفيق بين الاثنين وكنت أنجح سنويًا بتقدير جيد طوال السنوات الأربع، ثم تخرجت فعملت على الفور في المدرسة الثانوية الخاصة ثم في مدرسة الخضيرات الإعدادية.

وجاء موعد التجنيد بعد عملي بأربعة أشهر فقط، وكان أخي محمود قد التحق بكلية التجارة جامعة الأزهر، فصفيت العمل بالكشك وقسمنا المبلغ أنا والدكتور بكر وتفرغت للجيش، وكان لزامًا عليّ أن آخذ مصروفي مرة أخرى من البيت، وكان أخي قد تزوج وكذلك أختي فكانوا جميعًا يتعاونون لإعطائي مصروفًا محترمًا نظرًا لأننيّ تعودت على المصاريف الكثيرة وشرب السجائر والملابس المناسبة، رغم أن أخي محمود كان في الجامعة وكان يحتاج لمصروف كبير أيضًا فتحملت أمنا رحمها الله إلى أن أنهيت جيشي وأنهى أخي كليته وعدت أنا للعمل.

ثم فتحت محل تجاري وأكمل أخي كليته وتعين وتم عمله وكيلًا للحسابات في الإدارة التعليمية بنجع حمادي، وقد شاء القدر أن تتوفي أمي عام 1984، بعد رحلة  من الكفاح لا يصبر عليها كثير من الرجال، رحم الله أمي ورحمة الله أخي زناتي الذي ظل حاضنًا لنا وراعيًا لمصالحنا حتى بعد أن تزوجنا أنا وأخي وأنجبنا أبنائنا وكان يعتبر نفسه جدًا لهم وأبًا لنا فما شعرنا أنه أخانا بل كان والدنا الحنون إلى أن توفى إلى رحمة الله تعالى بعد أن زوج بناته الثلاثة «مروة» الكبيرة، وقد تزوجها المحاسب مصطفي عكاشة بالغردقة، و«هبة» قد تزوجها الدكتور «أبوعمرة» في كلية الخدمة الاجتماعية بقنا، وأخرهن «إسراء» وقد تزوجها المحاسب «عبد اللاه»  وكيل بنك الإسكندرية بالغردقة، رحم الله أبي وأمي وأخي وأدخلهم فسيح جناته وبارك في أبنائنا وبناتنا ووفقهم لما يرضاه».

من هو «حمام الزناتي»

هو محمد علي حسني الشهير بحمام الزناتي، ويعمل كبير المعلمين بمدرسة التجارة بنات في نجع حمادي، اختار تدوين تجربته الذاتية والإنسانية، كأول مواطن حمادي يكتب مذكراته، مهديها لروح أمه وأخيه وأبيه، راويًا وراغبًا في نشر قصة كفاح ولمسة وفاء كما اسماها، ليثبت أنه ليس فقد العظماء هم من لهم حق تدوين مذكراتهم باعتبارهم قدوة وحافز للناس، ولكن في تدوينات البسطاء والعاديين من الناس سلوى لآلاف الذين يعتقدون أن حياتهم ليست جديرة بالتسجيل، وبأن التجارب الإنسانية جميعها بتباينها تستحق التأمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى