رأي

أشرف البولاقي يكتب: النقد الثقافي وأُمّة (إقرأ)

أعرفُ – بادئ ذي بدء -أن هناك فرقًا دقيقًا بين الأمة العربية والأمة الإسلامية، لكنني أعتقد أننا متفقون جميعًا على أن الأمَّتيْن بشكلٍ أو بآخر هُمَا أمةٌ واحدة يجمعها من الهم والجُرح والهدف والمصير ما لا يمكن أن يفرِّق بينهما اختلافٌ بسيط كهذا الذي يولَعُ به بعض الجغرافيين. خاصة وأن عددًا كبيرًا ممن لا ينتمون للإسلام كهويةٍ أو كقومية رغم عروبتِهم يُقِرون دائمًا بانتمائهم للثقافة والفكر الإسلامييْن بالمَعنى العام وليس بالمعنى السياسي، كما أن كثيرًا من المُنتمين للإسلام في بلادٍ أخرى غير عربية يستشِعرون شيئًا كبيرًا من التعاطف والمشاركة الوجدانية مع العرب مَهدِ الدين الذي إليه ينتمون؛ لذا لا يبدو الخلطُ بين الأمّتيْن الإسلامية والعربية هنا مُخلِا ولا غامِضًا خاصةً أيضًا أن حديثَنا حول الفكر والثقافة اللذيْن يُشكّلان في تصورنا الخطوةَ الأولى لأي نهضة حقيقية ترجوها وتأملها أمّتُنا تلك التي استقبلت منذ أعوام ربيعَها الثوري في عددٍ من أقطارها.

 

وهي ذات الأمةٍ التي استقبلت رسالةَ ” إقرأ ” التي يتاجِرون بها ليلَ نهار يملؤهم من الزهو والفخر ما لا يملأ غيرَهم مِن أن الدين الإسلامي حَثّ على القراءة والعِلم في أول إشراقةٍ تاريخية له – ورغم أننا نختلِف كثيرًا حول تأويلهم وتفسيرهم وفهمهِم لـ ” إقرأ ” هذه التي لا يمكن أن نتصور أنها كانت تطلب من النبي الأمِّي بالأبجدية أن يقرأ، خاصةً وأن المَلَك جبريل يعلم كما يعلم اللهُ نفسُه أن نبيَّه لا يقرأ ..!

 

أقول رغم اختلافِنا هذا إلا أننا سنُسَلِّم لهم بهذا الفهم – ونحن لا ننفي عن الإسلام دعوتَه ولا حَثّه على العلم والفكر والتدبر بل نحن متفقون تمامًا مع هذا، لكن أغربَ ما في هذه الأمة بالفعل أنها ببساطةٍ شديدة لا تقرأ على الإطلاق …! وليس المقصودُ بنفي القراءة هنا الجهلُ بها ولا حتى قلة المنتَج الذي يحتاج للقراءة، كما أننا نذهب إلى أبعد من هذا ونقول إننا لا نقصد قلة فِعل القراءة، لكننا نقصد أنها تقرأ ولا تريد أن تصدِّق أن ما تقرأه هو الحق؛ لا لشيء إلا لأنه مخالِفٌ لِما وجدوا عليه آباءَهم وأجدادهم.

 

لقد شهد العالَمُ العربي والإسلامي منذ أوائل القرن العشرين وحتى يومِنا هذا عددًا من الكتب والأطروحات الفكرية والثقافية الضخمة في مادتِها ومحتواها ومضامينها يكفي رُبعُها فقط ليُنهِض أي أمةٍ على وجه البسيطة من كبوتِها لتلحق بركْب الأمَم المتقدمة، بدايةً من كتاب ” في الشعر الجاهلي ” لعميد الأدب العربي طه حسين والذي إن غَضَضنا الطرْفَ واتفقنا – جدلا – مع المختلفين معه في أطروحتِه الخاصة في الكتاب برحلة إبراهيمَ وإسماعيل للجزيرة العربية ولاختيار النبي محمد (ص) من صفوة قريش وهُمَا الأطروحتانِ اللتانِ سبَّبَتا الأزمةَ التي أدت لمصادرة الكتاب والتحقيق مع مؤلفه ثم حفظ القضية – أقول – مع التسليم الجدلي مع المختلفين سيبقى الكتابُ واحدًا من أهم كتب مناهج النقد والبحث التي عَرَفتها الثقافةُ الأمة، لكن أحدًا لم يقرأ الكتاب …! وليس مرورًا فقط بكتاب الشيخ علي عبد الرازق ” الإسلام وأصول الحُكم ” ولا كُتُب قاسم أمين وأحمد لطفي السيد، ولا انتهاءً بالطبع بمشروعات محمد محمود طه في السودان، والجابري وأركون وغيرهما في المغرب العربي.

 

هذا فضلا عما شهدته نهايات القرن العشرين من ثورة المناهج والأفكار والمشروعات الكبيرة التي تَبنّاها عددٌ كبير من المثقفين الليبراليين في مصر والشام خاصةً وأن هذه المشروعات كلها فَطنت تمامًا للخلل الموجود في ثقافة الأمة فأعادت النظرَ والتفكير في كل ما تَم الاعتقاد أنه من الثوابت والمُسلَّمات في الفكر، واتجهوا للمقدَّس قبل الجميل وأعادوا النظرَ في المفاهيم والتصورات والاجتهادات التي صاحَبَته منذ قرون وأثبتوا بالعقل والنقل والحجة والمنطق خَطلَ الكثيرِ منها … لكن أحدًا كالعادة لا يقرأ ولا يريد أن يصدّق …!

 

تذكرتُ كلَّ هذا وأنا أعيد قراءةَ كتاب ” النقد الثقافي ” للدكتور عبد الله محمد الغذامي وهو كتابٌ صادِر منذ عام 2000 في أكثر من طبعةٍ، كان آخرَها في مصر تلك التي أصدرتها الهيئة العامة لقصور الثقافة – سلسلة كتابات نقدية – حيث يُعتَبر الكتاب واحدًا من تلك الكتب الثقيلة ذاتِ الشأن والأثر فيما تحمله من جِدةٍ وفرادة بعد أن اكتشفَ المؤلف أن ” النقد الأدبي أدى دورا مهما في الوقوف على جماليات النصوص وفي تدريبنا على تذوق الجمالي وتقبل الجميل النصوصي، لكنه أوقع نفسه وأوقعنا في حالة من العَمَى الثقافي التام عن العيوب النسقية المختبئة تحت عباءة الجمالي. وظلت العيوب النسقية تتنامى وتتوسل بالجمالي حتى صارت نموذجا سلوكيا يتحكم فينا ذهنيا وعمليا، وحتى صارت نماذجنا الراقية بلاغيا هي مصادر الخلل النسقي ” .

 

يفجِّر الغذامي بعد ذلك قنابِلَه في وجوهنا في صورة أسئلةٍ مباشرة: هل الحداثة العربية حداثةٌ رجعية؟ وهل جَنَى الشعر العربي على الشخصية العربية؟ وهل هناك علاقةٌ بين اختراع ” الفَحل الشعري ” وصناعةِ الطاغية؟ لقد اجتهد المؤلف طويلا ليثبِت عبْر نماذجَ أدبيةٍ راقية بلاغيًا أن هناك نُظُمًا وأنساقًا ثقافية تسرّبت من الشعر وبالشعر لتؤسس لسلوكٍ غير إنساني وغير ديمقراطي بالمَرة ..! ولم يَدعُ في كتابه إلى إلغاء المنجَز العربي الأدبي كما قد يتصور البعض وإنما دعا فقط إلى تحويل الأداة النقدية من أداةٍ في قراءة الجمالي الخالص وتبريره وتسويقِه إلى أداةٍ في نقد الخطاب. وبمعنى أدق دعا إلى ضرورة النقد الثقافي بدلا من النقد الأدبي، أي الانتقال من نقد النصوص إلى نقد الأنساق، ثم قام بتطبيق منهجِه هذا على ثلاثةٍ من كبار شعراء العربية ” المتنبي، وأبي تمام، وأدونيس “، ليكتشف حجمَ المأساة التي اصطنعها الثلاثةُ من وجهة نظره – وهُم على سبيل الأمثلة لا الحصر – في التكريس لصناعة الطغيان والاستبداد عبْر أنساقٍ ثقافية غَلبَ عليها الطابعُ الجمالي والبلاغي لكنها تسللت شيئًا فشيئًا ونَمَت وتضخمت لتتحول إلى سلوكياتٍ مجتمعية شكلت أسسَ ومفاهيمَ الثقافةِ الإسلامية والعربية المعاصرة. وما يَعنينا الآن أن هذا الكتابَ واحدٌ مِن أخطر الكتب التي ظهرت في الفترة الأخيرة، وهو ليس كتابًا في الأدب أو النقد بمفهومهما الضيّق، لكنه كتاب في المعرفة ….. ولكنّ أكثرَ الناس في هذه الأمّةِ لا يَقرؤون!!

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى