بين الناستحقيقات

الترعة العمياء.. كارثة بيئية يتنصل منها مسؤولو الإسكندرية والبحيرة

عند مرورك على جانبي الترعة العمياء، الكائنة بمنطقة الطابية، والقريبة من حي المنتزه، شرقي محافظة الإسكندرية، تسرع خطواتك حتى تبتعد عن الروائح الكريهة والمنظر السيئ، الذي تشتهر به هذه المنطقة جراء إلقاء الخلفات والحيوانات النافقة في المياه التي تصب في النهاية بالبحر الأبيض المتوسط.

وتعد الترعة العمياء إحدى فروع ترعة النوبارية، التي تربط بين محافظتي البحيرة والإسكندرية، وتطغى عليها رائحة كريهة قوية تنبعث من مياه الترعة والمكتظة بأكوام القمامة على جانبيها، فضلًا عن الحيوانات النافقة التي تطفو على سطح الماء في حالة تعفن شديد يتصدر سطحها سحابة كبيرة من الذباب والديدان، وكل هذ الملوثات البيئية تصب في النهاية داخل مياه البحر، لتحرم المواطنين من الاقتراب من الشاطئ.

مقبرة للملوثات

محمد عوض، موظف بهيئة الري بالإسكندرية، والمشرف على متابعة تنقيب الملوثات من الترعة، يقول إنه للأسف المواطنين والباعة الجائلين يتعاملون مع تلك الترعة الهامة على أنها كوم للقمامة والملوثات، حيث يقومون بإلقاء القمامة داخل مياه الترعة بشكل يومي بكميات هائلة تزن بالأطنان، فضلًا عن قيامهم بإلقاء جثث الحيوانات النافقة والخيول بداخلها، دون مراعاة للروائح الكريهة التي تنبعث منها وتضر بالجو العام وتسبب الأمراض.

يضيف عوض، أن مهمته هنا هي تجميع وإخراج القمامة من مياه الترعة حتى لا ينسد شريانها لكونها تعد مصب لكل المخلفات بترعة النوبارية القادمة من محافظة البحيرة، وتلقي بجميع مخلفاتها إلى شاطئ البحر المتوسط في النهاية، لأنه لا يوجد مكان للتخلص من تلك المخلفات سوى البحر، والذي يصب مياه الصرف الصحي أيضًا فيه.

ويتوافق معه في الرأي أحمد علي، موظف بهيئة الري، والمشرف على متابعة مصرف العمياء، موضحًا أن وظيفتهم تتمثل في إخراج كافة المخلفات الصلبة من الترعة وإزاحتها على جانبي الترعة، وليس إخراجها من الترعة بشكل كامل.

ويشير علي إلى أنه ليس هناك امكانيات ولا ميزانيات من الدولة، ولا اهتمام لإخراج تلك القمامة منها بشكل كامل، لذلك فإن مهمتنا تتمثل في تنظيف مجرى الترعة حتى تأتي المخلفات والصرف الصحي من ترعة النوبارية إلي ترعتنا، لتصريف الصرف على مياه البحر بشكل كامل.

ويوضح علي، أن الأهالي أيضًا يقومون بإلقاء الحيوانات النافقة والخيول داخل الترعة، مضيفًا “نحن من نقوم بإزاحتها من وسط الترعة إلى جانبها، ما يجعل تلك الحيوانات تحلل وتنتج ديدان تختلط مع مياه الترعة، والتي تصب كافة ملوثاتها إلي شاطئ البحر بأبو قير والمعمورة”.

مقبرة للأهالي

الحاج منتصر عبد الفضيل، أحد سكان منطقة الطابية، ويسكن بعقار مطل على الترعة، يقول إنه للأسف تلك الترعة تعتبر مقبرة للأهالي، لكونها مكب للقاذورات والمخلفات القادمة من البحيرة، والتب تصب عندنا في ترعة “العمياء”.

ويشير عبدالفضيل إلى أن الملوثات الموجودة داخل الترعة تتحول إلى روائح كريهة لا يطاق استنشاقها، ما يجعلنا نغلق نوافذ منازلنا بشكل مستمر، خوفًا من هذا الهواء الملوث وغير الصحي، وخوفًا على صحة أبنائنا.

“إحنا ملناش ثمن والحكومة بتعاملنا كأننا بهايم ملناش سعر ولا قيمة عشان كده الترعة دي فيها كل الملوثات الموجودة في الإسكندرية وطبعا لأننا منطقة عشوائية وبيسكنها فلاحين وناس غلابة محدش بيسأل فينا ولا يفرق معاهم إننا ميتين ولا عايشين”..  بتلك الكلمات عبر سمير شفيق، أحد أهالي منطقة الطابية عن غضبه من الوضع الصعب الذي يعيشه أهل منطقته بسبب مخلفات الترعة العمياء.

ويوضح شفيق، “ترعة العمياء تعد من أهم الترع والمصارف الموجودة في الإسكندرية، لكونها تربط بين محافظتي البحيرة والإسكندرية، ولكنها حجبت عنا الهواء الطبيعي، لما تحمله من ملوثات بيئية، تسببت لنا في أمراض جلدية وصدرية كثيرة، بسبب إهمال المسؤولين وعدم مراعاتهم لنا، لأننا لسنا من أبناء المناطق الراقية لكي ينظروا إلينا”.

الأمراض تحاصرنا

ويقول خميس عبد الله، أحد أهالي المنطقة، إن معظم السكان مصابون بأمراض الربو والملاريا والجرب، بسبب تلك الملوثات الموجودة في الهواء،  جراء الخيول والحمير والكلاب التي تموت ويتم إلقاؤها في الترعة، لافتًا إلى أنهم تقدموا بمئات الشكاوى للمسؤولين، ولكنهم يقولون لهم أنتم لستم تابعين لمحافظة الإسكندرية، كما أن منطقتهم تتبع محافظة البحيرة وهم حائرين بسبب التبعية.

ويتساءل عثمان شلبي، أحد السكان: كيف نحن تابعين لمحافظة البحيرة والرقم القومي الخاص بنا يقول إننا تابعين لمحافظة الإسكندرية، مشيرًا إلى أنه كلما يذهبون لمسؤول يقول لهم إنهم غير تابعين له.

أولادنا في خطر

وبنبرة صوت يائسة وحزينة تقول هانم سعد، أحد الأهالي، “للأسف كوبري ترعة العامية بسور واحد فقط وليس سورين مغلقين من الجانبين، ما يعرض أطفال المنطقة للسقوط بالترعة والغرق في بعض الأحيان، فضلًا عن سقوط الكبار أيضًا بسبب إهمال المسؤولين”.

طارق محمد، أحد السكان، يوضح أن المنطقة حائرة في الحدود بين محافظتي البحيرة والإسكندرية، حيث يفصل بينهما كوبري العامية، مما يؤدي إلى حدوث العديد من المشكلات بسبب التبعية.

ويشير إلى أن كل مسؤول من المحافظتين يلجأ إلى التنصل من المشكلة والأزمة، مستشهدًا بواقعة سابقة، قائلًا “حينما ذهبنا إلى المهندس سيد شلبي وكيل وزارة الري بشكوانا أكد لنا أننا غير تابعين لهم، وأنهم مختصين بالإسكندرية ومشكلتهم مع محافظة البحيرة”.

كارثة بيئية 

“يعد إلقاء الحيوانات النافقة ونفايات المنازل والمستشفيات ومخلفات في مياه الترع والمصارف الكبيرة، حيث تتسبب في إصابة المواطنين بالأمراض الخطيرة، والتي قد تسبب في ضعف من خصوبة الإنسان والحيوان، فضلًا عن حدوث التشوهات البدنية في أجنة الأمهات وانتشار الأمراض البكتيرية والجلدية الخطيرة بالميكروبات والطفيليات”.. هكذا شرح الدكتور نادر حسن، خبير العلوم البيئية بالإسكندرية، نتائج الوضع في المنطقة المحيطة بترعة العمياء.

ويقول حسن، إن الكارثة التي تهملها الحكومة في ظل كل هذه الملوثات هي تسريب مياه المجاري إلى البحر والترع الكبيرة، حيث أنها إذا تلوثت بإفرازات الإنسان أو الحيوان تنمو داخلها الطحالب المائية، والتي تتسبب في نقص الأكسجين الذائب في الماء بسبب تكاثر الميكروبات على الطحالب واستنفادها للأكسجين، وهذا يؤدي إلى هلاك الإنسان والثروة السمكية.

ويضيف حسن، أن تحلل الحيوانات النافقة مثل الخيول والحمير يتسبب في الأمراض كالتيفود والدوسنتريا والفشل الكلوي، فضلًا عن أن بعض الأراضي تروى من مياه الترع المحملة بكافة الملوثات والنفايات الكيميائية، والتي تصل للترع عبر صرف المصانع، حيث تنتقل للإنسان والحيوان عبر التربة، ثم يمتصها النبات، وبتغذية الحيوان والإنسان تتراكم داخل أنسجتهما وتسبب على المدى البعيد في مشكلات صحية كبيرة على رأسها الأمراض السرطانية.

غرفة عمليات لحل المشكلات

اللواء الدكتور رضا فرحات، محافظ الاسكندرية، يقول إنه كوّن غرفة عمليات من كافة قطاعات الصرف الصحي والري والبيئة، لبحث مشكلات المصارف والترع في كل أنحاء المحافظة والوقوف على أسبابها بطريقة علمية من أجل حل كافة المشكلات.

ويوضح فرحات، أنه منذ فترة قام بعمل مشروع تجريبي لخفض أحمال التلوث بمحطة التنقية العربية للصرف الصحي بالقباري، وحتى يتم حل مشكلاتها، مشيرًا إلى أن وزارة الري تعمل حاليًا على حل مشكلات المصارف والترع، مضيفًا “نعمل بأقصى جهودنا لحل كافة المشكلات التي يعاني منها المواطنين في الأماكن النائية”.

وكيل وزارة الري يرفض التعليق

“ولاد البلد” بدورها أجرت اتصالًا هاتفيًا بالمهندس سيد شلبي، وكيل وزارة الري بمحافظة الإسكندرية لتوضيح الأمر، لكنه أغلق هاتفه ورفض التعليق على الأمر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى