بين الناسوجوه

عمال اليومية بالإسكندرية.. بطالة وغربة ومخاطر في زمن الغلاء

 

 

عمال اليومية.. فئة أجبرتها الظروف الاجتماعية على العمل بسواعدها التي وهنت بحثا عن مصدر رزق؛ يعملون في ظروف حالكة السوء، تدور ما بين مواجهة أخطار المهنة، وما بين عدم وجود العمل أصلا الذي لايوفر لهم إلى كفاف العيش، في ظل ارتفاع الأسعار بشكل جنوني وثبات يومياتهم التي يتقاضونها دون زيادة تمكنهم من مسايرة الغلاء الفاحش الذي تشهده البلاد.

أحمد حمدي، ترك منزله بإحدى مراكز محافظة سوهاج، ليعمل في الإسكندرية باليومية، طبيعة عمله تجعله يحمل أجولة الرمال لينقلها من أسفل العقار إلى أعلاه، أو يساهم مع زملائه في تحطيم الجدران بإحدى الوحدات، وغالبا ما يشاركه في عمله هذا 5 أفراد آخرين، ليقسم عليهم الرزق، ولكن شهد سوق العمل الآن تراجعًا عن ذي قبل، وأصبح “يوم آه و5 لا” على حد قوله.

ويوضح حمدي أن العامل ينقل ما يقرب من 20 جوالا من الرمال للطابق الـ15 بقيمة 60 جنيها، وذلك في ظل ارتفاع الأسعار وفي الوقت الذي أصبح فيه سعر رغيف الخبز 50 قرشا.

أما سمير محمد، فقد أتى أيضا من إحدى مدن الصعيد للعمل كأجير باليومية، ويشكو أيضا من قلة العمل الذي لا يستمر سوى 3 أيام فقط أسبوعيًا، بينما يستقبله المقهى طيلة أيام الأسبوع، لينفق 15 جنيها في مشروبات هو لم يرغب بها، ولكنها حتمية لانتظار صاحب العمل، وهي مقتطعة من يومية لا تتجاوز الـ80 جنيها.

ويشير إلى أن الصراع على لقمة العيش بين العمال يؤدي في بعض الأحيان إلى الشجار وإحداث إصابات فيما بينهم، في محاولة لمن يحصل على العمل المعروض عليهم.

السيد مصطفى، هجر محافظته قنا منذ 6 سنوات، مصطحبا أسرته إلى الإسكندرية اعتقادا منه بأنه سيجد فرص عمل أفضل، ولكن جاءت الرياح بما لا تشتهيه السفن، فارتفاع الأسعار التي شهدته البلاد في الفترة الأخيرة أنهك أسرته وأصبح لا يحصل حتى على الفتات، حيث يقول “زمان كان بجنيه عيش ممكن تأكل 15 فرد، أما الآن الرغيف بنصف جنيه” بخلاف أجرة المسكن التي تبلغ 600 جنيه شهريًا، ونفقات المسكن 50 جنيها يوميًا، ومصروفات تعليم بناته الثلاثة، أما إذا قرر انتظار العمل على المقهى فإن وجبة الإفطار وحدها لن تقل عن 10 جنيهات.

إصابات العمل

الغضروف، كسر الساق، الموت سقوطا من السقالة، والعمى، هذه هي أكثر الإصابات التي يتعرض لها عمال اليومية بالإسكندرية، وهو ما حدث مع أحدهم حينما سقط من الطابق الـ14، وأصيب آخر في عينه أثناء تهشيم السيراميك، فلا وسائل حماية لهم ولا نقابة تتحدث باسمهم، ولا تأمينات توفر لهم العلاج.

محمد السيد أبو الحسن، تزوج منذ عامين، ونزح من سوهاج، جنوبي مصر، إلى أقصى شمالها بالإسكندرية، ليحصل على فرصة عمل لن تسمح له الظروف بالحصول عليها في محافظته، ولكنه لم يتمكن حتى الآن من سداد ديون زواجه بسبب قلة العمل في محل ميلاده ومحل إقامته أيضًا، كما أنه فقد طفلين بسبب عدم قدرته على الوفاء بنفقات الكشف الطبي الدوري على الأم.

محمود محمد، من الإسكندرية، يصف الحالة المادية بشديدة السوء، فهو يتحصل على مكسب يومي 20 جنيها فقط ينفق منها على طفليه، ويؤكد أنه لا توجد نقابة تحفظ له حقه، وأن نقابة الباعة الجائلين فقط هي المنوطة بذلك، ولكنها صورية فقط ولا تقوم بأي دور فعلي حيالهم.

ويطالب العمال بتوفير أدوات الحماية لهم، وضمهم إلى أي كيان يحفظ لهم حقوقهم من تأمينات وعلاج وغيرها، كما يطالبون بالعمل على خفض الأسعار وتحسين المستوى المعيشي لهم.

عوار نظام التأمينات

من جانبه، انتقد محمد عبد القادر، أمين عام النقابة المستقلة للعمالة غير المنتظمة، نظام التأمينات التي تطبق على عمال التراحيل منذ عام 59 وحتى الآن، مشيرًا إلى أنه يخضع لقرارات وزارية مخالفة للقانون رقم 79 لسنة 75 وتعديلاته الخاصة بالتأمين الاجتماعي.

وتابع بأن على العامل سداد حصته نقدًا كل شهر، مشيرًا إلى أن عدد العمال المشتركين في التأمينات الاجتماعية من عمال المقاولات لم يتجاوز عددهم 400 ألف عامل من إجمالي 2.7 مليون عامل، وفقا لتقرير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، وهناك تقديرات تقول إن العدد بلغ 4 ملايين عامل بالنسبة لقطاع المقاولات، مضيفًا: العضوية اختيارية وليست إجبارية، وإحنا مش هانجبر الناس إنها تنضم لينا.

وأضاف عبد القادر أن وزارة القوى العاملة أصدرت 5 قرارات تنفيذا للمادة 26 من قانون العمل 12 لسنة 2003 لحصر وتسجيل العمالة غير المنتظمة بكافة فئاتها الأربعة وهم: عمال المقاولات، المحاجر، الزراعة والري والصيد، وعمال البحر.

واتهم وزارة القوى العاملة بعدم تقديم أي شئ للعمال سوى الحصول على جباية من أصحاب الأعمال”المقاولون” على حد قوله، كما إنها رفضت دخول ممثلي النقابة ديوان عام الوزارة فور تأسيسها في 2014 لتقديم مذكرة بطلب استخراج صورة من تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات فيما يتعلق بالأعمال المالية الخاصة بالعمالة غير المنتظمة في مديرية القوى العاملة وديوان عام الوزارة، وكشف ببيانات المستفيدين من الرعاية الاجتماعية والصحية التي تزعم الوزارة تقديمها.

فئات منسية

وقال إن هناك فئات من العمالة غير المنتظمة لم يشملها قانون العمل رقم 12 أو قانون التأمين الاجتماعي وهم: الباعة الجائلين، ومحفظو القرآن الكريم، والقائمون على أعمال دفن الموتى، وعمال الزراعة والري والصناعة، وماسحو الأحذية وموزعو الصحف، وأنهم يخضعون لقانون التأمين الشامل رقم 112 لسنة 1980 الذي تموله الخزانة العامة للدولة وحصة من لجنة الزكاة ببنك مصر، ويحصل العامل على معاشه ببلوغه سن الستين.

وأضاف أن النقابة خاطبت رئيس مجلس النواب وعدد من أعضاء البرلمان ولجنة الإسكان بالمجلس، عن الآثار السلبية لارتفاع أسعار مواد البناء، التي أدت إلى ارتفاع معدل البطالة والفقر والجريمة.

وشدد على ضرورة إلقاء اللوم على النقابات التابعة للاتحاد العام لنقابات مصر، كالنقابة العامة لعمال الزراعة والري والصيد والنقابة العامة للعاملين بالتجارة والصناعة والعاملين بالصحافة والطباعة والإعلان والنقابة العامة للعاملين بصناعات البناء والأخشاب، بدلا من النقابات حديثة العمل النقابي.

واستنكر موقف مجلس النواب، الذي لم يفكر في تقديم مشروعات لحل مشكلات تلك الفئات، بل يتفرغ لإصدار تشريعات تحمي أصحاب الأعمال والمستثمرين وأصحاب المال، اتساقا مع اتفاقيات التجارة العالمية “جات” الموقعة في عصر الرئيس الأسبق حسني مبارك.

وناشد عبد القادر كافة الأجهزة الرقابية بالدولة للتحرك وتشكيل لجنة رقابية لمراجعة القوائم المالية الخاصة بوحدات العمالة غير المنتظمة على مستوى الجمهورية، والموجودة بوزارة القوى العاملة، مشيرًا إلى أن الصندوق أنشئ بالمخالفة لقانون العمل وقانون الصناديق الخاصة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى