بين الناستحقيقات

صور| قرية حسن فتحي.. أيقونة الفقراء بحاجة لإنقاذ ما تبقى منها

“ذكاء المعماري هو في التعامل مع المواد الموجودة تحت قدميه، لأنها المواد التي تقاوم قسوة بيئة المكان”.. تلك أشهر كلمات المعماري حسن فتحي، الذي أنشأ قرية تحمل اسمه بمنطقة القرنة غربي الأقصر، والتي أطلق عليها “أيقونة حسن فتحي”، كذلك معمار الفقراء، حيث أنشأت بالمواد الأولية المحيطة.

تاريخ القرية

يقول عبد المنعم عبد العظيم، مدير مركز تراث الصعيد، إن القرية أُنشأت في عام 1951، للمهجرين من منطقة المقابر الفرعونية بالقرنة في البر الغربي، لاستكمال الكشف عن المناطق الأثرية، وإنشاء منازل بديلة لهم، وتم تخصيص مبلغ مليون جنيه في ذلك الوقت، لإنشاء القرية.

واستخدم حسن فتحي مواد من البيئة المحيطة في بناء المنازل، حيث تم تشييدها من الطين، وعمل الأسطح على هيئة قباب من الجريد، حتى يكون الجو رطب داخل المنازل صيفًا وشتاءً.

ويتابع، أسس المعماري حسن فتحي 70 منزلًا، كان لكل منزل صفة مميزة حتى يتعرف كلٍ منهم على منزله، كما تم تخصيص منزل إضافي للماشية، و3 مدارس إحداهم للشباب والأخرى للفتيات، ومدرسة ثالثة لتعليم الحرف، كذلك أنشأ مسجدًا بالقرية يجمع بين الحضارة الطولونية والفاطمية، وأيضًا قصر ثقافة يحمل اسم “حسن فتحي”، وأطلق على القرية أيقونة الفقراء، حيث أنها استخدمت مواد بسيطة في البناء وغير متكلفة لكن كانت غاية في الروعة والجمال.

ويضيف “أنشأ القرية لمن كان سيتم تهجيرهم عن منطقة القرنة قديمًا للبحث عن الآثار، لكن رفض في ذلك الوقت الأهالي النزول إلى قرية حسن فتحي، وتعمدوا فتح الترع على القرية لإغراقها، وبالفعل تهدم بعضها، نظرًا لأنها مبنية من الطوب والطين، لكن عندما تم تهجيرهم كانت القرية، بدأت في الانهيار، حيث لم يتبقى منها الآن سوى 10 منازل فقط، والمسجد، والمنزل الذي أنشأه حسن فتحي لنفسه، واتجه الأهالي إلى إنشاء منازل مسلح مما أدى إلى تشويه المنظر.

وكان إهمال المسؤولين أيضًا له دور في تهدم وانهيار منازل القرية، وانهيار تراث وفن معماري نادر، حيث لم يهتموا بترميمها، وإعادة إحيائها، لكن ربما تنجح محاولات اليونسكو لترميمها.

قرية متكاملة

ويقول الطيب عبد الله خبير أثري، إن قرية حسن فتحي أُنشأت في الأساس، لاستيعاب 7 آلاف شخص من المهجرين من جبل القرنة، للحفاظ على المقابر الأثرية، بإنشاء منازل بديلة لهم، وبالطبع كان مؤسس القرية هو أعظم مهندس معماري “حسن فتحي”، حيث اعتمد في بناء المنازل على البساطة، حيث استخدم الطين والطوب اللبن، ولم يغفل شيئًا، فقد أنشأ المدارس، ومسجدًا، وأيضًا أحواش للماشية، ومسرح بقصر ثقافة حسن فتحي، والذي لا يزال موجودًا، لكن بحاجة إلى ترميم، وأبراج للحمام، لكن المنازل والذي كان يبلغ عددها 70 منزلًا، لم يتبقى منها إلا القليل لا يتراوح إلا 7 منازل.

ويتابع “الإهمال عصف بالقرية بأكملها، حيث كانت محتوياتها تمثل تراث معماري فريد، وكان من أندر أعمال شيخ المعماريين حسن فتحي، حيث شيد بعدها أعمال بنفس الطراز في الخارج، لذا على اليونسكو بالتعاون مع الآثار إعادة ترميمها وإحيائها”.

وعود اليونسكو

القرية تأثرت بفعل مرور الزمن والمياه الجوفية، والإهمال، رغم وعود اليونسكو والمحافظة كثيرًا بإعادة ترميمها، حيث كانت قد خصصت العام الماضى مبلغ 5 ملايين جنيه، وفقًا لبيان المحافظة في ذلك الوقت، لكن لم ينفذ شيئًا منها حتى الآن.

وأنشأ عدد من المعماريين والمهتمين بالمعمار حملات باسم “إنقاذ ثراث حسن فتحي بالقرنة”، تدعو للحفاظ على التراث وضرورة المحافظة على ما تبقى من قرية حسن فتحي، وناشدوا اليونسكو القيام بذلك، بعد أن تغيرت ملامح القرية تمامًا وتحولت المنازل إلى مسلح وتم استغلال بعض المناطق في أشياء أخرى، كما تم تحويل السوق إلى ورشة لإصلاح السيارات، وتم اتخاذ مقر للإصلاح الزراعي بالقرية، ولم يتبق سوى منزل حسن فتحي، وقصر الثقافة والمسجد، لكن جميعهم بحاجة إلى ترميم.

لا خطة للترميم

من جانبه، يقول طلعت عبد العزيز، مدير عام آثار القرنة، إنه لا يوجد خطة لترميم القرية من قبل اليونسكو، حتى أن القرية تغيرت ملامحها، حيث تحولت المنازل جميعها إلى الطوب اللبن، ولم يتبق سوى المسجد ومكتبة حسن فتحي، اللذان يمكن ترميمهما بعد.

ويضيف أن المنازل التي أسس طرازها حسن فتحي تهدمت جميعها، ولا يمكن إعادة إحيائها، حيث أن الأهالي قاموا بتحويلها إلى منازل مسلح، وقضوا على جميع المعمار الذي أنشأه حسن فتحي.

ويقول محمد صالح ” 50 سنة، من أهالى القرية، المنازل التى شيدها حسن فتحى، انهارت بفعل المياه الجوفية ومرور الزمن، لذا اضطررنا إلى تحويلها إلى المسلح، متسائلًا: “كيف نقيم بمنازل قد تنهار علينا، وبالفعل حدث أن سقط أحدهما على ساكنيه، ولولا تدخل الأهالى لتوفى جميعهم؟”، مشيرًا إلى أن المسؤلين هم من فعلوا ذلك، ويرى أنه لو تم تنفيذ مشروع الصرف الصحى، وترميم منازل حسن فتحى، لما حدث ذلك، لكن الآن القرية تغيرت ملامحها تمامًا.

من هو حسن فتحي؟

والمهندس حسن فتحي، من مواليد محافظة الإسكندرية في مارس عام 1900، وهو حاصل على دبلوم العمارة من كلية الهندسة من جامعة القاهرة عام 1926.

وتدرج فتحي بعدد من المناصب الوظيفية المحلية والعالمية، منها رئيس مشروع تجريبي للإسكان تابع لوزارة البحث العلمي بالقاهرة، ومستشارًا لوزارة السياحة، وخبير بمنظمة الأمم المتحدة في مشروع التنمية بالمملكة العربية السعودية.

كما حصل فتحي على عدد من المناصب الشرفية، منها عضو المجلس الأعلى للفنون والآداب، وعضو شرف مركز الأبحاث الأمريكية، ورئيس لمجمع المائدة المستديرة الدولية لتخطيط عمارة القاهرة بمناسبة عيدها الألفي، وعضو شرف المعهد الأمريكي للعمارة، ورئيس شرف المؤتمر العام للمعماريين المصريين، وعضو لجنة تحكيم جائزة الآغا خان في العمارة، وله أكثر من 160 مشروعًا معماريًا، وأطلق عليه شيخ المعماريين.

كما حصل فتحي على الكثير من الجوائز والأوسمة، منها جائزة الدولة التشجيعية للفنون الجميلة عن تصميم وتنفيذ قرية حسن فتحي، وكان أول معماري يحصل على تلك الجائزة، وتوفي فتحي بالقاهرة في 30 نوفمبر 1989.

ومن أشهر أقواله “هناك 800 مليون نسمة من فقراء العالم الثالث محكوم عليهم بالموت المبكر، بسبب سوء السكن، هؤلاء هم زبائني، وكمهندس، طالما أملك القدرة والوسيلة لإراحة الناس فإن الله لن يغفر لي مطلقًا أن أرفع الحرارة داخل البيت 17 درجة مئوية متعمدًا”.

وكذلك ضمنت أقواله “الحداثة لا تعني بالضرورة الحيوية، والتغير لا يكون دائمًا للأفضل”، و”شخص لا يستطيع بناء منزله ولكن عشرة أشخاص يستطيعون بناء عشرة منازل لهم”، و “إن الله قد خلق في كل بيئة ما يقاوم مشكلاتها من مواد وذكاء المعماري هو في التعامل مع المواد الموجودة تحت قدميه لأنها المواد التى تقاوم قسوة بيئة المكان”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى