بين الناستحقيقات

جبل الزيتون بالإسكندرية| جوع ومرض وزواحف في “عشش” يكررون سيناريو “حين ميسرة”

 

تحرير- أحمد رمزي

على مقربة من شريط السكة الحديد بمنطقة القباري، غربي محافظة الإسكندرية، تقع منطقة جبل الزيتون، وهي عزبة عشوائية الطابع، تتكون من مجموعة عشش صغيرة لا تتعدى مساحتها 3 أمتار، متراصة بجوار بعضها البعض، مسقوفة بالخشب ومغطاة بالشمع البلاستيكي، لكي تحجب مياه الأمطار التي أغرقتها، بينما الشوارع عبارة عن مستنقعات وبرك طينية متكونة من الصرف الصحي ومياه الأمطار، صانعة جحور تعيش داخلها ثعابين وفئران وعقارب، تختبئ نهارا وتظهر ليلا، لتتقاسم السكن ولقمة العيش مع حوالي 10 آلاف مواطن، ليذكرك المشهد على الفور بما عرضه المخرج السينمائي خالد يوسف في فيلمه “حين ميسرة”!

عشش بدائية

من أمام إحدى العشش، تجلس سيدة في السبعينيات من عمرها، متكأة على حائط متهالك، وملامح الحزن والأسى تعبث بقسمات وجهها المنقوش عليه آلام الزمن وهمومه، مرتدية ثياب مهترأة متسخة، محاولة اختلاس بعض نسمات الهواء النظيفة، بعيدا عن الروائح الكريهة والملوثات الموجودة بحجرتها أو عشتها.

تقول الحاجة زينب عبد الله، إحدى سكان منطقة جبل الزيتون، إنها تعيش داخل عشة صغيرة منذ 25 عاما هي وزوجها وأولادها الخمسة، مؤكدة أن الحجرة المنهار سقفها والمرمم بالخشب والمشمع البلاستيكي لكى يحجب مياه الأمطار التي تغرق المحافظة الساحلية باستمرار، أنهم يستيقطون كثيرا في برد الشتاء على قرقعة أصوات المطر التي تتساقط عليهم، وأجسادهم ترتعش من شدة البرد والهواء الذي يخترق العشة التي لا تقوى نوافذها، المغلقة بالكرتون فقط، على التصدي لعواصف الشتاء.

عيشة الموتى

وتضيف زينب أنهم يعيشون مثل الأموات، أحلامهم كلها منحصره في أن يشعر أحد من المسؤولين بمعاناتهم وفقرهم المقدع، وأن يقوموا بنقلهم من تلك العشش إلى مساكن نظيفة بها حوائط وجدران وأسقف من الطوب حتى لا يموتون من البرد مع كل شتاء، مشيرة إلى أنهم لا يملكون حتى المال لشراء رغيف عيش، ويعيشون على الإحسان من الناس والصدقات، التي لا تسد جوعهم.

وتلتقط منها أطراف الحديث زهرة عبد الرحيم، 35 عاما، إحدى قاطني العزبة، حيث تقول إنها تعيش داخل عشة صغيرة هى وطفليها، اللذين تعرضا لمرض الروماتيزم بسبب غرقهم في مياه الأمطار ومعاناتهم من البرد الشديد باستمرار، مؤكدة أن طفليها أصيبا بمرض الروماتيزم في القلب بسبب شدة البرودة لعدم وجود غطاء لحجرتهم البائسة، مشيرة إلى أنها حتى لا تملك ثمن علاجهم، ما يجعلها تنتظر الأدوية التي تأتي من أهل الخير من المتبرعين في المساجد، التي تأتي أحيانا وغالبا لا تأتي، الأمر الذي زاد من مرضهم وهي مكتوفة الأيدي، بحسب قولها.

وتضيف زهرة أن كل أحلامها أن تجد شقة آدمية تتمكن فيها من رعاية أولادها المرضى، الذين يعانون الحرمان ولا يعرفون شيئا عن حياة الأطفال، لافتة إلى أنها لا تطلب أكثر من علاج أطفالها المساكين على نفقة الدولة، حتى لا تموت بحسرتها كمدا على أطفالها الذين لم يعرفون معنى الدف أو الشبع منذ ميلادهم الأسود في هذه الظروف الصعبة.

أحلام بسيطة

“مش محتاجين أكثر من حد يسقف لنا العشش ويرممها ويدينا فرش وغطا مدام الحكومة مش قادرة تدينا شقق آدمية عشان ولادنا المساكين اللي كل يوم بيموتوا قصاد عنينا من الجوع والفقر والمرض” بتلك الكلمات القاسية بدأت سهير عبد الله، إحدى قاطنات المنطقة، حديثها.

تقول سهير إننا نعيش مثل الكلاب وأرسلنا آلاف الشكاوى للمسؤولين بمحافظة الإسكندرية، هي وجيرانها، ولكن لا حياة لمن تنادي، فلم يسأل عنهم أحد، ولم يزرهم أي مسؤول، لكى يرى حالنا، مؤكدة أن مواسير الصرف الصحي التي تنفجر يوميا جعلت بيوتهم عبارة عن مقابر من الروائح الكريهة.

“أنا مش عايزة غير مشمع أسقف به بيتي عشان يحميني أنا وأمي من البرد” بتلك الكلمات نطقت بها الطفلة هناء محمد، ابنة التسع أعوام، التي تقيم مع والدتها في عزبة جبل الزيتون.

وتسرد هناء ظروفها الصعبة قائلة “أدعو الله أن يعطينا منزلا جديدا نعيش فيه يكون به جدران وأسقف من الطوب حتى لا نغرق من كثرة مياه الأمطار ويحمينا أيضا من الفئران التي تقتسم معنا المسكن والطعام داخل العشة” مطالبة الرئيس عبد الفتاح السيسي بتوفير شقة صغيرة لها حتى تعيش حياة آدمية.

وعود كاذبة! 

ويشير محمد الوحداني، أحد سكان جبل الزيتون، إلى أنه يعيش بالمنطقة منذ فترة، وكل يوم يأتي لهم أحد المسؤولين ويأخذون أسمائهم، ولا يرونهم مرة أخرى، وتظل الوعود الزائفة، على تعبيره، تغازل أحلامهم البسيطة في عيشة آدمية، بدلا من حياتهم البائسة، التي لا ترضي الكلاب حتى، على حد تعبيره.

ويضيف الوحداني أن المنطقة أشبه بمقلب قمامة كبير، التي تنتشر في كل مكان وتحيط العشش، التي تتسبب في إصابة أطفالهم بالأمراض التنفسية والصدرية والأمراض الجلدية.

استغاثة للرئيس

ويطالب أهالي منطقة جبل الزيتون الرئيس عبد الفتاح السيسي بالتدخل لتوفير شقق بديلة آدمية لهم حتى يعيشون فيها بدلا من الموت الذي يرونه كل يوم جراء سكنهم في هذه العشش، التي تعتبر المقابر أفضل منها بكثير.

اللواء الدكتور رضا فرحات، محافظ الإسكندرية، يؤكد أن المحافظة ووزارة التضامن الاجتماعي والمنطقة الشمالية العسكرية والمجتمع المدني تسعى لسرعة توفير وحدات سكنية للأسر الأولى بالرعاية، تنفيذا لتوجيهات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، بتوفير سكن للمواطنين المصريين الذين يعيشون حياة قاسية.

ويوضح فرحات أن المحافظة تعمل خلال الفترة المقبلة على تطوير كافة المناطق العشوائية، غير المخططة بالثغر، وإقامة عقارات سكنية بديلة، مشيرا إلى أن تلك المخطط قد يأخذ مدة عامين لكي يتم القضاء على كافة العشوائيات وتوفير سكن ملائم للمواطنين، الذين يعيشون بالعشوائيات، مؤكدا أن مشروع “بشاير الخير” الذي تم تسليمه لأهالي غيط العنب، كان أول نقظة في هذه الخطة التي يتم تنفيذها.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى