رأي

عبد السلام الشبلي  يكتب : مأساة جيرانكم ..

ترددت كثيرا قبل أن أكتب، طرح الرأي ليس سهلا، خصوصا إذا كنت محاصرا بموقف ما، لا يمكنك معه أن تكون ابن الغرابة، لتخرج عن سياقات ما يطلب منك لتصبح أكثر صراحة مع من حولك، وتقول لهم لقد تعبت.. اعذروني.

وأنا أخوض تجربة جيران كمسؤول لهذا القسم الحساس جدا في مؤسسة مصرية لها طابعها الخاص، عرفت مع بداية العمل أني يجب أن أسلك طريقا أبتعد فيه عما يثير الألم، ولأن فاقد الشيء لا يعطيه، ومالك الشيء سخي فيه دوما، دعوني أقول لكم أنا أتألم، فهل لديكم الجلد لتقرؤوا القليل من هذه الآلام.

أنا سوريّ ! ربما تكفي هذه العبارة لتختصر في وقتنا الحالي تعابير الألم جميعا، لكنني سأطيل عليكم بشرحٍ ربما يعجب البعض ويستغربه آخرون، ويتعاطف معه جزء، ويرفضه جزء آخر، إلا أن واجبي الآن أن أكتب عن هذا الألم حتى لو خسرت كل ما يمكن أن يخسره مستضعفٌ مثلي.

سأخرج من مصر قليلا، فجيران مصر داخلها ينعمون بالطمأنينة والشعور بالحب الذي يمنحه إياهم أبناء هذا البلد الطيب رغم آلامه، فيُنسُون ضيوفهم من لاجئين ومستضعفين ما يمكن أن يقرح عيشتهم ويقلبهم على جمر القلق الدائم.

لكنها طمأنينة طالما انتهت على مشارف الحدث الجلل، حيث صور تأتي كل يوم من مدنٍ تأكلها الحرب ويتقاسم القتلة أرواح أهلها، وتنير شوارعها قنابل النابالم، هناك في الأرض التي انتزعت فيها الرحمة من كل أطرافها.

إدلب، الرقة، حمص، ريف دمشق، دير الزور، وحلب!! آه من حلب مدينة البكاء والبؤساء، مدينة المئة وخمسين ألف محاصر تحت رحمة الموت، حيث الأبنية المدمرة والأطفال المرميون على قارعة الحرب، تأكلهم نيرانها، ليصبحوا رمادا لحلم راود آبائهم، ليرسموا لهم طريقا آخر يختلف جذريا عما عاشوه سابقا، لتكون النتيجة أخيرا، أبٌ يحمل جثة ابنه، وأم تبكي رضيعها، وطفل يحدث الحائط الذي يقف عاجزا لا يعرف أن يخبره بأن والديه صارا جزءا من حجارته.

أنا صحفي وعاجز، لا أملك الآن إلا قلمي وجنونه، ومشاعري التي تأكلها النار لتحرق كل شيء داخلي، وربما حولي، لتحرق ربما مستقبلي في مكاني الذي أحلم ألا أكون ثقيلا فيه، لكنني وكأي عاجز آخر، أشعر بثقلي على من حولي، وأكاد أجن وأنا لا أعرف ما أفعله أمام خراب نفسي الذي يشبه خراب بلدي الميتة.

لن أفرض رأي على أحد، لن أقول لكم أنا مع هذا الطرف أو ذاك من معادلة المأساة، ولا يهم الآن أي الأطراف سيكون أقوى في قادم الأيام، فأنا في هذه اللحظة إنسان مجرد من أي انتماء سياسي، لا أنتمي سوى لأولئك الذين يموتون دون أن يعرف أحد أسماءهم، ودون أن تكتب الصحف عنهم سوى القليل من الكلمات التي لا تنفع ساعة قيامتهم، أنا الآن مجرد من أي تبعية سوى للأرواح التي تزهق في اللاشيء، أنا ابن عدمهم الذي رسم لهم لأنهم قرروا ألا يكونوا مثلي جيرانا عند أحد يشعرون معه بالطمأنينة القاتلة.

أنا مطمئنٌ بينكم، لكني ابن مأساة جيرانكم، ابن تلك البلد التي كانت يوما أختا لمصر لا تقوم قائمة لأحدهما إلا بقيامة الأخرى، أنا ابن تلك المدن التي أحبت أم كلثوم وغنت طربها على أكتاف الأنهر السورية، أنا ابن الإذاعة الدمشقية التي قالت يوماً في وقت حالك من أيام مصر.. من دمشق هنا القاهرة.

أنا ابن المأساة الذي لا يطلب سوى أن تقولوا جميعاً من مصر هنا سورية الجريحة، هنا حلب الذبيحة.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى