بين الناستحقيقات

صور| أهالٍ بمساكن السيول بدرنكة: “الزبالة هتموتنا ومش قادرين نعيش”

تصوير: أحمد دريم

يبدو أن قدر مساكن قرية درنكة في أسيوط أن يكون لها حظا كبيرا من المعاناة المستمرة، فمسبقا رصدنا غرق تلك المساكن على اختلافها في مستنقعات الصرف الصحى وإلى اليوم لم تنته المعاناة بل أضيفت إلى الأهالى معاناة جديدة وهى تواجد مقلب القمامة بالمنطقة، لذا فهم يشكون اجتياح الروائح الكريهة لمساكنهم إضافة إلى اختناقهم من روائح حريق القمامة المتواصل…”ولاد البلد” ترصد المعاناة.

قمامة مشتعلة

ألسنة نيران ملتهبة فوق قمة الجبل المواجه للعمارات السكنية ودخان متصاعد يخنق أرجاء المدينة، صعدنا إلى سفحه لنرى أكواما متراصة من القمامة تختلف أنواعها ولولا أننا نرتدى كمامات واقية لاختنقت أنفاسنا من الدخان تارة ومن الروائح الكريهة تارة أخرى، وبينما نلتقط صورنا إذ بمحمود أحمد، مبيض محارة، يهرول إلينا من منزله شاكيا: منذ حوالى خمسة أشهر تم تخصيص هذا المكان المواجه لمنازلنا كمقلب قمامة لقرية درنكة كلها، والرائحة الكريهة تهاجمنا بداخل المنازل ولا مهرب منها، والأطفال أصحاب مرض حساسية الصدر يقاسون بشدة جراء تلك الروائح وكذلك الدخان المنبعث من إحراق القمامة المستمر.

ويضيف: بعض رجال الوحدة المحلية قبلما يفرغون القمامة يضرمون فيها النيران فتختنق أنفاس العمارات السكنية فالدخان يغطى سماء المكان، وحينما استوقفت أحد العمال معترضا على إشعال النيران فى القمامة رد قائلا بأن سكان القرية هم من يشعلون النيران وهم يأتون بها مشتعلة  وقال لى “اللودر عباها مولعة”، ولكن شهادة حق أنا لم أر أي من العمال يشعل فيها النيران أمام عينى ولكنى أرى القمامة تسقط من ظهر اللودر مشتعلة.

لم تتوقف أكف محمود عن الحركة أثناء الشرح وكأنه أودع فحوى شكواه فى خطوط يده التى كدت أن أسمع صوت صراخها وأنين شكواها ليكمل قائلا: لدي طفلين أصيبوا بالحساسية  فالقمامة خلقت بيئة خصبة للحشرات فنمت وتكاثرت فصارت تلتهم صحة صغارنا وما من منقذ.

مقدمة

أمراض

بينما نتحدث إذ بسيدة يتعالى حديثها وتسبقها يديها التى تشير إلينا بالتوقف قبلما ننزل من فوق قمة التبة الجبلية إنها أم حماده لتروى لنا: الناموس والدخان ومياه الصرف وحش كاسر يخطف راحتنا ويهدد صحتنا، “بيجيبوا الزبالة مولعة والعيال صدرهم وجعهم من الدخان”، لدى أربعة أطفال جميعهم يعانون حساسية الصدر بسبب الدخان المتصاعد بشدة من تلك الأكوام.

وقبل نزولنا من فوق الجبل إذ ببضع مواطنين يقطنون مساكن عشوائية فوق الجبل تتداخل شكواهم مع شكوى سكان المساكن فاستوقفنا الحاج محمد محمد عبدالحافظ، بالمعاش، ابن السبعينات شاكيا: القمامة أوشكت أن تدخل المنازل وسيارات الصرف الصحى تمر من أمام بيوتنا وتفرغ جزء من هذا الصرف وكأنها تتعنت معنا فالوحدة المحلية أخبرتنا بأنه سوف يتم إزالتنا من أماكننا لأننا نتعدى على أملاك الدولة، أين أملاك الدولة تلك؟، فنحن نقطن فوق كوم من القمامة  لم يكن موجودا أصلا فهو مخلفات بناء المساكن التى تراكمت وصنعت جبلا فأتينا فوقه وبنينا بيتا من البلوك لأننا لا نجد مأوى، أي أننا نقطن فوق جبل من القمامة، وحينما طلبت من سيارات الوحدة المحلية ألا تفرغ الصرف أمام منازلنا ثانية أتت الشرطة وأخذونى إلى المركز وأخذوا علىّ تعهد بعدم التعرض للعمال مرة أخرى.

وفجأة انتفض الشيب فى ملامح الشيخ العجوز قائلا: “ربنا قال الأرض للأنام، ولما خلق الأرض مقالش الأرض دى للدولة والأرض دى للأنام، ربنا قال الأرض اتخلقت كلها للأنام”.

وتلتقط أم محمود أطراف الحديث من زوجها قائلة: “بيكبوا الصرف قدام بيوتنا والزبالة محوطانا  والعقارب والحيات ملوا المكان ومش قادرين نعيش، ولما روحنا المحافظة وادونا ورقة حمرا إحنا معانا عقد بالأرض”.

عشوائية

سماء الدخان

وعودة إلى قلب العمارات السكنية بالأسفل، ومن داخل دكان بقالته الصغير حدثنا محمد جابر، بقال، لا نعلم من الذى يشعل النيران فى القمامة ولكنها دائمة الاشتعال ونحن نتأذى كثيرا سواء من الدخان أو من الحشرات، فهناك مرضى ربو ومرضى حساسية وسماء المساكن كثيرا ما تغطيها الأدخنة المتصاعدة.

دخان

 

وفى “بلكونة” شقتها كانت نورا محمد، ربة منزل، تقف متأملة حركة المارة وحركة السكون لتقول لنا: القمامة دائمة الاشتعال والدخان لا يغيب وفوق ذلك تكاثرت الحشرات والزواحف لدرجة أن الثعابين تدخل علينا الشقة، وأنا لا أستطيع أن افتح الشبابيك نهائيا حماية من الزواحف والحشرات ولصد الدخان، فالشقة لا تتعرض للتهوية ولهذا أطفالنا دوما مرضى فلا توجد بيئة صحية، وحتى فى قلب المساكن لا أحد يهتم بالنظافة نهائيا وشكونا مرارا وتكرارا ولم يعيرنا أحد أى اهتمام.

أطفال

مش لاقى مسؤول

وهنا تداخلت كلمات وائل رمضان، موظف، مع كلماتها لينطق يأسه قائلا: “مش لاقى مسؤول أكلمه لا لاقينها من صرف ولا من زبالة واشتكيت فى كل حتة ولا حد بيسأل فينا”.

ومع دقات الرحيل تقابلنا مع سيد محمد، عامل بالشادر، ليذكر: أنا من سكان عمارات المجلس والقمامة عبأت المساكن بالثعابين والعقارب وفوق ذلك الدخان لا يفارقنا ولا نعرف من الذى يشعل النيران والأطفال ما عادت تتحمل ذلك الوضع.

حشرات

دراسة الأمر

وردا على شكاوي الأهالى يقول أيمن محروس، رئيس مركز ومدينة أسيوط، لا يمكن أن يُشعل أى عامل بالوحدة المحلية النيران فى القمامة، ومن السائق الذى يتحمل مسؤولية فعل هذا الأمر الخطير؟، ولكن القمامة يكون بها مواد عضوية وبقايا طعام ونتيجة للحرارة تتخمر وتتحول لغازات من السهل أن تشتعل فى أي وقت وحدها.

ويضيف أن مقلب القمامة مكانه قديم وليس بالحديث وعمره أكثر من 20 سنة ونحن نُخرج من درنكة يوميا من 15 إلى 20 نقلة أي فى الشهر حوالى 600 نقلة مخلفات مبانى وقمامة من المنازل، وأنا أطرح الأمر على الأهالي للمشاركة فأي مكان يرونه يصلح لنقل المقلب لن أتأخر  فى نقله فليس لدينا بديل، ولكن من جهتنا سندرس الأمر لإيجاد حل، أما بخصوص الأماكن التى بها تعديات فلا يوجد أحد مربوط على الأرض وأى مواطن لديه المستندات التى تثبت ربطه فلن يقترب منه أحد ولن يُضار نهائيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى