رأي

معاذ يوسف يكتب: وفديناه بذبحٍ عظيم

بلا شك فإننا جميعًا نعتبر بأن أيام عيد الأضحى من أجمل الأيام التي نعيشها، فعبر هذه الأيام يفرح الناس بثاني أعياد المسلمين، والذي يأخذ طابعًا خاصًا بوجود الأضحيات، فمن يذبح يشعر بالفرحة لأنه يؤدي واجبًا عليه، ومن تُوزع عليه الأضحية يشعر بالفرحة أيضًا، ولعل هذه كانت الحكمة الأساسية من هذا العيد، لنعرف كيف يمكن أن يساهم حدث واحد في سعادة الجميع وإقامة المجتمع بالتعاون والرحمة بين أفراده.

رؤيا الذبح!

ليس سهلًا على أي شخص أن يفقد واحد من أبنائه، ما بالك بأن تأتي الرؤيا لأحدهم بأن يذبح ابنه بنفسه، ونحن نعلم أن الفارق بين أحلام الأشخاص العاديين وأحلام الأنبياء بأن أحلام الأنبياء حق، ورؤيا الأنبياء واجبة التنفيذ لأنها تعتبر وحي من الله سبحانه وتعالى لهم.

“فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ” سورة الصافات، الآية 102.

لم يكن هذا الحوار كأي حوار اعتيادي، إنما نرى فيه كيف يخبر الأب “سيدنا إبراهيم” ابنه “سيدنا إسماعيل” بأمر لا يوجد ما هو أصعب منه، يخبره بأنه يجب عليه أن يذبحه، ولا أعظم من رد سيدنا إسماعيل في هذا الموقف حين يطلب من أبيه أن ينفذ الأمر الذي جاء إليه، وأنه سيصبر على أمر الله بالاستعانة بالله.

“إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ” سورة الصافات، آية 106.

القرآن يخبرنا عن هذه الحالة أنها الاختبار الواضح، فهل هناك أصعب من أن يؤمر الأب بذبح ابنه؟ لكن برغم هذه الصعوبة، نجد أن هناك سباق بين كل الأطراف رغبة في إرضاء الله عز وجل، فالأب والابن وكذلك الأم، جميعهم يؤمنون بوجوب تنفيذ الأمر الإلهي، ولذلك لا أحد يرفض أو يتهرب من التنفيذ.

وفديناه بذبحٍ عظيم

لا عجب في أن الله سبحانه وتعالى عندما يختبر أحد، وينجح هذا الشخص في الاختبار، فإنه يعطيه أجرًا وثوابًا لا مثيل له، فنجد أنه عندما ينفذ سيدنا إبراهيم أمر الله ويقرر أن يذبح ابنه مثلما أمره الله، يفتديه الله بذبحٍ عظيم.

“فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ” سورة الصافات، من الآية 103 حتى الآية 107.

لكن ما هي حكاية هذا الذبيح؟

هذا الذبيح كان كبش يربى في الجنة لمدة أربعين سنة، وفي تفسير القرطبي توجد رواية أخرى حسب قول ابن عباس، وهي أن هذا الذبح هو القربان الذي تقبله الله من هابيل، ورُفع إلى الجنة ليبقى هناك.

“وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ” سورة الحزب، الآية 27.

أؤمن تمامًا بالحكمة الإلهية وترابط الأحداث جميعها، وأن الأقدار ترتبط معًا منذ بداية الخلق وحتى الآن، وأن ما يحدث من شر، لا بد وأن يكون له جانب من الخير في النهاية، فعندما وقعت حادثة قابيل وهابيل، وتقبل الله قربان هابيل ولم يتقبل من قابيل، أدى ذلك إلى أن غضب قابيل فقام بقتل هابيل.

على الرغم من بشاعة الجريمة وأنها كانت حادثة القتل الأولى بين البشر، لكن هذا القربان كان الوسيلة التي افتدى الله بها سيدنا إسماعيل، وكانت البداية لعيدٍ يفرح به الجميع وتعم الفرحة على الكل، فقد صار هذا الحدث سنويًا يقوم كل شخص بذبح أضحية تقربًا من الله، ويتم توزيع جزء كبير من هذه الأضحية على الفقراء، وبذلك يعوضهم هذا عن بعض الأشياء التي يفقدونها بسبب فقرهم.

سواءًا كانت رواية ابن عباس صحيحة أو لا فيما يخص ماهية الذبيح، لكن الأكيد أن الحكمة من هذا العيد موجودة في جميع الأحوال، وجميعنا ننتظر العيد لفرحته وما يحدث فيه، ونعرف بأن إيمان سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل وتنفيذهما لأمر الله، أدى إلى حدث هو من أعظم الأحداث في تاريخ المسلمين، فلعل هذا هو أعظم جزاء يكرمنا به الله حين نتمثل لأمره، وعلى قدر صعوبة الاختبار يكون الجزاء عظيمًا، فآمنوا بحكمة الله لعلكم تدركون عظيم الجزاء في النهاية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى