رأي

د. محمود السلامي يكتب: اللهجات العامية بين الإفراط والتفريط

تشكل اللهجات العامية في المجتمعات العربية ملمحا رئيسا في تكوين شخصية المنتمين إليها أفرادا وجماعات، ومن ثم فإن العناية بها ودراستها مما تقوى به العربية الفصحى خاصة إذا عمدنا إلى انتقاء خصائص تلك اللهجات السائرة وفق أنظمتها الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية، وتعميم استعمالها في جميع الوسائل من صحافة وإذاعة مسموعة أو مرئية، ونحن بذلك لا ندعو إلى تعلمها أو إحلالها محل الفصحى بل يظل للفصحى مكانتها ومجالاتها استعمالا ودراسة وتدريسا أما دعوتنا فتنصب على دراسة العامية وتحليلها بغية الوصول إلى لغة فصيحة تقترب من الفصحى يسهل استعمالها وتكون مواكبة للعصر وتطلعاته.

وقد تنبه إلى ذلك مجمع اللغة العربية القاهري حيث خصص لدراسة اللهجات إحدى لجانه في مواءمة منه بين الدراسة المتعمقة لخصائص تلك اللهجات وبين هدفه الأسمى المتمثل في الحفاظ على اللغة العربية الفصحى بجميع أنظمتها اللغوية لتبقى حية مواكبة لمتطلبات العصر، وقد سعى المجمع إلى تصويب كثير من الألفاظ والتراكيب التي تولدت عن الاستعمال وشاعت على ألسنة المثقفين لكنها خرجت عن القواعد الصريحة للنظام اللغوي فعدت من الأخطاء الشائعة، فما كان منهم إلا أن ردوها إلى حقل الفصحى بشيء من التأويل وبراعة التماس صور القياس والاستعمال للعربية الفصحى وإن كانت قليلة أو نادرة.

ولكن تظل دراسة تلك اللهجات في الكليات المتخصصة مثل اللغة العربية ودار العلوم والآداب مقصورة على ما يقدمه الباحثون في مراحل متأخرة من الدراسات العليا، وهي دراسات غير كافية –في نظري- للكشف عن أغوار تلك اللهجات وفلسفتها اللغوية والكشف عن طرائقها في تكوين ألفاظها وتراكيبها وتطورها.

وقد لاحظت تشددا -يضاهي منهج التشدد الديني- لدى بعض المنتمين إلى حقل الدرس اللغوي رفضا باتا للاقتراب من تلك اللهجات دراسة أو تحليلا، وكأنها رجس من عمل الشيطان، يجب أن تنزه منه مباحث الدرس اللغوي، ولعل هؤلاء يغفلون دور تلك اللهجات في التواصل الحي، وتناقل الرؤى والأفكار بين أفراد الجماعة اللغوية، فضلا عن الأجناس الأدبية التي تنسج بها من شعر ونثر.

ويسود اعتقاد خاطئ أن الفصحى كامنة في العلامة الإعرابية وقصر النحو العربي عليها، في حين أنها لا تعدو أن تكون قرينة من بين قرائن متعددة لا تقل  أهمية من العلامة الإعرابية في انتظام التراكيب العربية، وإذا نظرنا إلى اللغة التي يستعملها المثقفون وكثير من الإعلاميين نجد أنها لغة فصيحة تقترب من الفصحى رغم خلوها من الإعراب لأنها تسير وفق أنظمة العربية الصوتية والصرفية والتركيبية –إذا استثنينا الإعراب- والمعجمية.

وقد استطاعت اللهجة العامية المصرية بأصولها العربية أن تروض اللغات التي احتكت بها قديما وحديثا كاللغة المصرية القديمة والقبطية، والإنجليزية واليونانية، والتركية، والفارسية، والإيطالية والفرنسية، وذلك نتيجة موقع مصر بين قارتي العالم القديم (أسيا وإفريقيا)، وأيضا لتنوع الحضارات التي حكمتها وانفتاحها على الثقافات المجاورة، ومع ذلك لم تفقد العامية المصرية هويتها العربية، فقد ظلت لهجة من بين لهجاتها تفهمها جميع اللهجات الأخرى المنتمية إلى العربية بكل وضوح؛ لذا يجب ألا ننزعج من تأثر العربية في مستواها الدلالي بدخول مفردات جديدة في قاموسها اللغوي من لغات أخرى مادامت تحتفظ بهيكل أنظمة العربية، خاصة الصوتية والصرفية والتركيبية؛ فاللغات في تجدد مستمر، فكل تقدم حضاري يوازيه تجدد في الألفاظ والمصطلحات التي تستوعبه، وسرعان ما ينصهر في النظام اللغوي على مستوى الأصوات أو التصريف أو التركيب النحوي.

وقد استطاعت العامية المصرية أن تصهر تلك اللغات في بوتقة أنظمتها اللغوية، فمثلا كلمة (بلطجي) التي شاع استعمالها في الآونة الأخيرة وهي تطلق على طائفة من الأشرار يستعملوا القوة والعنف وارتكاب الأفعال المخالفة للقانون، وأخيرا تطلق على من يفرض رأيه بالقوة بهدف تحقيق مصلحة خاصة، وهي تركية الأصل فقد استطاعت العامية المصرية أن تتصرف فيها وفق نظام العربية الصرفي فيقال: (بَلْطجَ/ يُبلْطج /بَلْطِجْ/بَلْطَجة/بلطجية) وكذلك وفق نظامه التركيبي فيقال :(بلطجة فكرية). وكذلك كلمة (delete) الانجليزية بمعنى (حذف) يقال: (دَلَّت/يُدلِّت/ دَلِّتْ) وهكذا استطاعت العربية أن تصهر تلك الكلمات المنتمية إلى فصائل بعيدة كل البعد عن أنظمتها وتصبغها بالصبغة العربية وهو ما يدل على قوة أنظمة العربية الراسخة في العقلية المصرية حتى يمكننا القول : العربية نظام ثابت لا تزعجه المتغيرات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى