رأي

محمد عبدالهادي يكتب: الحوكمة ومستقبل علاقة الدولة والمجتمع في مصر

جاءت ثورة (25) يناير لتمثل في مجموعها وتأثيراتها الممتدة نقطة تحول تاريخية على طريق التطور الديمقراطي الحقيقي في مصر، فبالنظر إلى أحداث هذه الثورة وشمول مطالبها الإصلاحية وانتقالها من ممارسة السياسة عبر العالم الافتراضي إلى المشاركة السياسية على أرض الواقع بل المطالبة بتغيير الواقع السياسي المصري الراهن، يتضح أهميتها في التاريخ المصري، والتي خلقت حراكاً سياسياً وجددت حيوية الدولة المصرية كما أكدت (30) يونيه.

وقد جاءت مشاركة الشباب متحضرة في التعبير عن آرائهم واحتجاجاتهم، مطالبين بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية، مستخدمين المعرفة المتجددة والأدوات الحديثة مما يتيحها عصر التكنولوجيا ونظم المعلومات المتطورة، وتركزت مطالبهم حول تغيير النظام السياسي القائم، ويعني ذلك في التحليل الأخير تحقيق الإصلاح السياسي المنشود، وتصويب العلاقة بين الدولة والمواطنين، والقضاء على الفساد الذي كاد أن يتحول إلى مؤسسة، وتعزيز قيم النزاهة والعدالة والمساءلة والمحاسبية، وتصحيح مسارات السياسات العامة في مصر.

مفهوم الحوكمة

تعنى الحوكمة (الحكم الرشيد) بحسن إدارة شئون المجتمعات والدول والمؤسسات، ويعد تطبيقها إجراءاً احترازياً أو وقائياً يؤدي إلى تعظيم المخرجات والفوائد -بشرط الالتزام بقواعدها وحسن تطبيقها- للحكومات والمجتمعات والمؤسسات التي تنتهجها، تتمثل أهم هذه الفوائد في؛ التطوير وزيادة مستويات الجودة والاستمرارية وبما يدعم قيامها بوظائفها بدون خلل، بهذا المعنى تكون الحوكمة ليست غاية وإنما أسلوب إدارة، كما ترتبط الحوكمة ارتباطا وثيق الصلة بتحقيق التنمية المستدامة، حيث تعد مطلبا لتحقيق التنمية والأمن الإنساني على مستوى الدولة ونظامها السياسي.

وتتكون تطبيقات الحكم الرشيد من ثمان مبادئ متراصة ومترابطة أن غاب إحداها انحرفت الإدارة إلى شكل آخر غير سليم، هي: الشفافية والإفصاح، والمسئولية، والرقابة، والعدالة، وتطبيق حكم القانون، والمساءلة، والنزاهة، والمحاسبية.

أبعاد الحوكمة

  • حسن الإدارة وجدية أسلوب الحكم في التعامل مع المجتمع وأفراده على أساس من المشاركة.
  • وجود أدوات المراقبة والمحاسبية وآليات فعالة وسلمية لاتخاذ القرارات التي تؤثر في حياة الأفراد.
  • الانتقال بفكرة الحكم من الحالة التقليدية إلى الحالة الأكثر تفاعلاً وتكاملاً بين تلك الأركان المشكلة للحكم الرشيد في المجتمع، وهي الحكومة والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، وذلك لإتمام عملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والبشرية والهيكلية والقطاعية.
  • إدارة المرافق العامة والموارد الطبيعية وفقا لأحكام القانون وحق المواطنين فيها بل وأيضا حق الأجيال القادمة.
  • مراعاة حقوق الأفراد والمصالح العامة وتوفير الخدمات الاجتماعية والحاجات الأساسية ومنها، الأمن الغذائي، السكن، وتوافر مصادر الطاقة والمياه النظيفة، وجودة التعليم، الاستقرار الأمني، الرعاية الصحية، وغيرها من مجالات وقطاعات بحيث يتم تحقيق هذه الأمور بطريقة خالية من سوء المعاملة أو الفساد الإداري وعن طريق سياسات عامة تستجيب لاحتياجات المواطنين.

 

وهكذا يتضح إن الحكم الرشيد يدلل على الموقف القيمي التصحيحي إزاء ممارسة السلطة السياسية لإدارة شئون الدولة والمجتمع في اتجاه تطويري تنموي طبقا لمعايير معلومة ومتفق عليها مجتمعيا للحكم الديمقراطي الرشيد تقوم على أسس المحاسبية والمساواة والاستقرار السياسي وعلى فاعلية الحكم في النهج الاقتصادي والقانون العادل ومواجهة الفساد

 

انطلاقا من هذه الرؤية تتأكد الدعوة لضرورة تأسيس برنامج قومي متخصص في تطبيقات الحكم الرشيد والتنمية ليواكب الحالة الثورية ومقتضيات بناء الدولة الديمقراطية في مصر، ويعمل على تعزيز الحكم الرشيد من أجل تطوير مؤسسات الدولة وتنمية المجتمعات، والتأثير على السياسات العامة والعمل على تغيير الممارسات نحو بناء دولة المواطنة والحكم الرشيد والأمن الإنساني، ويعمل البرنامج على تحسين نوعية حياة البشر في إطار مفهوم متكامل للتنمية يعتمد على الاستدامة والتطور، وترسيخ ثقافة الحوكمة وإرساء قواعدها في المجتمع وتعزيز قدرات المؤسسات الحكومية وغير الحكومية والهيئات المنتخبة (دعم نزاهة وعدالة وحرية العمليات الانتخابية، وتفعيل أدوارها). ويعطى أولوية خاصة للمناطق والفئات الأكثر عرضة لمخاطر التهميش وهكذا فأن؛ الهدف الرئيس للبرنامج يتمثل في بناء الشخصية المتكاملة للإنسان من خلال العمل على التحرر من الخوف والعوز وإطلاق روح المبادرة لكل مصري وكل مصرية وبناء مصر الديمقراطية وتحقيق قيمة “إرفع رأسك فأنت مصري”.

وذلك من خلال جانبين؛ أولهما جانب مدخلات العمليات السياسية: التأثير على التشريعات والسياسات والبرامج والممارسات الحكومية في مجال الخدمات الأساسية للمواطنين، أما الجانب الآخر يتعلق بالمخرجات من خلال طرح مبادرات التمكين الاقتصادي والاجتماعي في مجالات تنمية المجتمع وبرامج المشاركة المجتمعية وتنمية الموارد وحسن استغلالها والتنمية المهنية بهدف سد الاحتياجات الملحة وبالتالي الوصول إلى مجتمع ممانع للاستبداد والفساد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى