رأي

أيمن الوكيل يكتب: “سياسة الغلاء”.. إخفاقات مستمرة لحكومات متعاقبة

“ليس في الإمكان أبدع مما كان” جملة متوارثة عبر أجيال وأجيال، مفادها أن ما هو ملموس على أرض الواقع، ليس بامكاننا أن نخلق لأجلك ما هو أفضل منه، مورد العبارة ومضربها، لم يكن يوما مقامه ما نحن فيه اليوم، اتكاء المسئولين عليها بات أمرا محنقا للجميع، لاسيما وإنها أصبحت “شماعة الفشل” التي يعلق عليها الكل النتيجة الحتمية لقصورهم وإخفاقاتهم المستمرة والمزمنة.

ولعل التاريخ يذكر جيدا كيف عانى شعب مصر باختلاف أطيافه ومكوناته، من موجات الغلاء المتلاحقة التي عصفت به عبر العصور والأزمنة المتعددة، دون تحقيق رؤية حقيقية تضمن إيجاد حلول ناجزة لمعضلة الاقتصاد المصري المزمنة.

قبل سبعة آلاف عام، تعرضت الدولة المصرية لسبع سنوات عجاف، يممت فيها وجوه المصريين شطرها، نحو سجن “بازورة الحربي”، حيث كان نبي الله يوسف الصديق، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، يقضي عقوبة السجن بأمر حاكم البلاد، في انتظار تفسير رؤيا الحاكم أمنحوتب التي أرق مضجعه، في حينها، عبر النبي الصديق رؤيا الملك، وأدلى لهم بنصيحته الاقتصادية المعروفة، والتي قضت بتخزين القمح في سنابله وقت الحصاد، لاستخدامه حين تمنع الأرض خراجها عن البلاد والعباد.

وفي عهد الحكم الملكي لمصر شهدت بداية عام 1941 إبان وزارة حسين سري باشا، أزمة حادة في السلع التموينية، سادت على إثرها حالة من الكساد والركود أدت إلى نقص السلع والمواد الغذائية، وشح “الخبز” واستعاض عنه الموسرون بالبطاطس والمكرونة وغيرها، وصار الناس في أحياء القاهرة يهجمون على المخابز في محاولة للحصول على الخبز، بل وصل الأمر إلى الدرجة التي كانوا يتخطفونه من حامليه في الشوارع والطرقات.

وفي محاولة للحد من هذه الأزمة التي أوشكت أن تصل إلى حافة المجاعة لحوالي 99% من أبناء الشعب الكادح، قرر مجلس الوزراء آنذاك، استيراد 75 ألف طن قمح و200 ألف طن ذرة والاستيلاء على جميع الموجود من الأذرة الشامية لتوزيعها على المديريات التي تشتد فيها المجاعة، وحظر التصرف أو حيازة الحبوب أو الدقيق إلا عن طريق إدارات التموين.

وافق المجلس على اقتراح لوزير الأشغال بتوزيع حصص من القمح والدقيق والذرة على المصالح التي بها تجمعات عمالية لبيعها للعاملين بأسعار مناسبة، من أجل ضمان وصول الدعم لمستحقيه، كما وافق المجلس على اعتماد 500 ألف جنيه لتشجيع الزراع على الاقبال على زراعة القمح الشعير والفول، وحددت نسبة زراعة القطن بحيث لا تزيد على 25% من الحيازة، وتم تنظيم حملة إعلامية، تشرح للمزارعين أن مستقبل زراعة القطن مظلم جدا وخير لهم التوسع في زراعة الحبوب، وأن يتم إرسال خطاب دوري للمديرين والمحافظين لتطبيق هذه السياسة، كما وافق المجلس على اعتماد مليون جنية لمنح إعانة غلاء معيشة للعمال والمستخدمين وصغار الموظفين وأرباب المعاشات.

وفي 18 و19 يناير عام 1977م، في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، شهدت المدن المصرية انتفاضة ومظاهرات ضد الغلاء، فيما عرف بـ “انتفاضة الخبز” آنذاك، رفضا لمشروع ميزانية يقضي برفع أسعار العديد من المواد والسلع الأساسية، حين ألقي الدكتور عبد المنعم القسيوني، نائب رئيس مجلس الوزراء، للشئون المالية والاقتصادية، خطابا أمام مجلس الشعب في 17 يناير 1977م، أعلن فيه إجراءات تقشفية لتخفيض العجز، وربط ذلك بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي لتدبير الموارد المالية اللازمة، وتراجعت الحكومة عن خطتها تحت ضغط رد الفعل من الشعب المصري.

وفي عهد المخلوع “مبارك”، شهدت الحياة المصرية صورة قاتمة من صور تزاوج المال بالسلطة، أدت إلى خلق مناخ اقتصادي ضعيف ومهترئ، وتم فرض زيادات مضطردة في الأسعار، وحدثت فجوة بين طبقات المجتمع المصري، كان حصادها ثورة الخامس والعشرون من يناير المجيدة.

وفي عهد المخلوع محمد مرسي، تضاعفت قيمة الدين الداخلي والخارجي للاقتصاد والموازنة المصرية، وتم فرض ضريبة 50% على السجائر و200% علي بعض المشروبات الكحولية، وغيرها من الأحداث السياسية التي كان نتيجتها ثورة الثلاثين من يونيه، وما تبعها من أحداث وإجراءات.

واليوم، ونحن نعيش في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي عاش معنا الأحداث الجسام التي مرت بها الأمه، وبعد أن أخذ على عاتقه هموم المواطن الكادح البسيط، نجد أنفسنا أمام حكومات بطيئة، ومرتعشة، لم يعد في جعبتها ما تقدمه لجموع الشعب المصري الكادح، غير قرارات تزداد سوءاتها وعوراتها يوما بعد يوم.

غلاء فاحش في الأسعار، لم ينجو منه شئ، توتر ملحوظ في المشهد الاقتصادي المصري المعاصر، مناشدات ملحة للرئيس أن يتدخل، لم يعد بمقدور الأمة أن تتحمل فشلا ذريعا آخر، يودي بأمنها واستقرارها، لابد من حلول ناجزة لأزمة الاقتصاد المصري المريض.

آن الآوان أن يتدخل الرئيس عبد الفتاح السيسي، لإعادة الأمور إلى نصابها، أخبرهم سيدي الرئيس عن ما يعانية المصريون هنا وهناك، أخبرهم عن هذه الأم الكادحة التي تخرج في صعيد مصر الطيب الطاهر، تحمل على عاتقها هموم أطفالها وأيتامها، وعلى كتفها شئ من خراج الأرض، تخرج مع ميلاد فجر كل يوم، تقصد الأسواق بحثا عن لقمة عيش، اسمح لهم سيادة الرئيس أن يبنوا الوطن، ولكن إمنعهم سيدي الرئيس أن يكون بنائهم للوطن على أنقاض مواطنيه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى