رأي

د. عبدالرزاق مختار يكتب: كليات التربية وإعادة بناء التعليم

على الرغم من كل ما يعاني منه التعليم الجامعي في بلداننا العربية من مشكلات، شأنه شأن غالبية القطاعات، إلا أن البعد عن التخصص، وادعاء المعرفة، وإسناد الأمر إلى غير أهله، هي العقبة الكأداء التي تقف حائلا بيننا وبين التطوير.

والطبيعي والمنطقي يتطلب أننا عندما نعاني من مرض ما أن نذهب إلى المتخصص في هذا المرض، ولا مانع أن يطلب المتخصص معاونة آخرين إذا تطلب الأمر ذلك.

وكليات التربية ومراكز البحوث التربية هي المتخصصة في أمراض التعليم – إن صح التعبير، فكل ما يعاني منه التعليم في هذه الأيام، بداية من افتقاد الأهداف، مروراً بالمعلم وإعداده، وتأهيله، وتدريبه، والمناهج، وتصميمها وتطويرها، والطالب، وخصائصه، وإمكاناته، واحتياجاته، وطرائق التدريس وتكنولوجيا التعليم، وعلاقة أولياء الأمور بالمدرسة إلى غير ذلك من كل ما يمس منظومة التعليم، قد تناولتها عشرات الآلاف من الدراسات والبحوث، التي أجريت داخل كليات التربية، ولا أكون مبالغاً إن قلت إن الغالبية العظمى من هذه الدراسات، قد عالج مشكلات حقيقة، ووضع حلولاً مناسبة ترتبط بالواقع، وتراعي المستقبل، إلا أنه للأسف الشديد شأننا شأن العشرات من التخصصات.

ومن منطلق أن مزمار الحي لا يطرب، توجد هوة كبيرة بين ما تنتجه الجامعات من أفكار وحلول، وبين آليات تنفيذه هذه الأفكار وتلك الحلول.

والعجب العجاب أن الكثير من أساتذة الجامعات، وهم في غير مواقع المسؤولية يصرحون بأن أفكارهم لا تطبق، وعندما يذهبون إلى موقع القرار، تجدهم على نسق سابقيهم من إهمال وتهميش للبحث العلمي، ويدخلون سريعا، وبقوة في مفرمة الروتين، وترسانة لا حصر لها من القوانين، والقرارات الفارغة، والخالية من كل مضمون.

من هذا المنطلق فإن كليات التربية في هذه اللحظات الفارقة يقع عليها عبء المبادرة والضغط، وتفعيل ما أنتجته من حلول للمشكلات التعليمية، وأن تسعى لدى المؤسسات المسؤولة عن التنفيذ، لتسويق ما لديها من مقترحات وأفكار، وأقربها مقترحات المؤتمر الدولي الذي عقد بكلية التربية بجامعة أسيوط، والذي حمل نفس عنوان المقال، وذلك قبل حوالي عامين من الآن، وحضره مئات المسؤولين، والعمداء، والمعلمين، والموجهين، ووضعوا جميعا روشتة واقعية وقابلة للتنفيذ، لإعادة بناء التعليم؛ ليقود الأمة إلى مستقبلها المنشود.

ينبغي ألا ننكر أن كليات التربية لديها بعض المشكلات، لعل أولها أنها تعمل كجزر منعزلة عن بعضها البعض، وفي بعض الأحيان معزولة عن واقعها المحيط، وهذا هو الدور الذي ينبغي أن تلعبه لجان القطاع التي تعمل كمظلة لهذا الكليات. فلجان قطاع العلوم التربوية عليها دور كبير في إعادة النظر في لوائح كليات التربية، وتجميع شتات الاختلاف والتباين الذي يرقى في بعض الأحيان إلى التناقض، ومنوط بهذه اللجان أيضا وضع إطار واقعي للتعاون بين كليات التربية، وبين وزارة التربية والتعليم، وكذلك المؤسسات المهتمة والعاملة في التعليم، كما ينبغي عليها أيضا أخد زمام المبادرة مع الهيئة القومية لضمان الجودة، لصياغة منظومة جديدة ومتجددة من المعايير القومية للتعليم، تتسق وواقعنا المعاصر، وتقفز بنا إلى مستقبلنا المأمول، ولا ينبغي أن يكون تطوير مناهجنا غائبا عن هذه العلاقة المتشابكة التي تربط لجان القطاع بالكليات والمؤسسات التعليمة.

والخلاصة أن كليات التربية ينبغي أن تكون سباقة ومبادرة، لقيادة إعادة بناء التعليم، في وقت أخذ الجميع يدلو بدلوه دون خبرة أو خلفية تؤهله لأداء هذا الدور، وذلك من منطلق أن هذه وظيفتها وأحد أهم أهدافها، ومن منطلق الحاجة الماسة لهذا الدور، فضلا عن الرغبة الجارفة لدي كل قطاعات المجتمع الساعي والداعي لتطوير التعليم، في لحظة سوف تغلق كل الطرقات المؤدية إلى المستقبل، إلا تلك الطرق المؤدية إلى التعليم الصحيح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى